موقع بيتنا

 
 

يرومون تقويمًا لنا

 كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعو للحفاظ على اللغة ، فيقول: تعلموا العربية فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة ، وعرف عنه أنه كان يضرب أولاده إذا لحنوا ، بل يضرب عماله بالدِّرة عند اللحن ولا يحجم .

ومع أن اسمي في الأصل هو لقب لعمر فلن أتشدد هنا إلا مع الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، مستثنيًا الخطأ العابر، والسهو    - وجل من لا يسهو – والاجتهاد عن سابق قصد وسابق معرفة.

ثمة نكتة في هذا السياق :

قال بشر بن مروان- وعنده عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه – لغلام له: اُدع لنا صالحًا !

صاح الغلام : يا صالحا !

قال بشر ألقِ منها ألف !

قال عمر: وأنت فزد في ألفك ألفا !

سآتي هنا إلى أصحاب بشر ممن ينقحون ويصوبون، ولكنهم يقعون ويعثرون. سآتي إلى نماذج في كتابتنا المحلية، واعذروني إذا أغفلت الأسماء ، فما يهمنا هو الظاهرة لا التشهير .
في قصيدة بعنوان وا لغتاه- لاحظوا الندبة- يبكي أحد شعرائنا على مصير لغتنا ، فيقول محتجًا:

كم نرفع الاسم منصوبا أواخره

     أو ننصب الفعل لو بالجزم قد ظهرا

لكن شاعرنا الحريص على لغته يقع في ما يحذّر منه،فيقول في البيت الثاني:

تناثر الدر أجزاء مبعثرة

                        أمسى غثاء وفوق الماء منتشرا

والصواب منتشر بالرفع، لكونه مبتدأ مؤخرًا، ولم ينتبه الشاعر للواو في عجز البيت .

ثم يقول في البيت الثالث :

والغوص أصبح في الأعماق مبتذلا            ومن يغوص نرى في كفه حجرا

والصواب يغص ، نر ، لأن من الشرطية تجزم الشرط وجوابه  ( تصح نرى في شواهد نادرة ) ولن أمضي أكثر.

*    *    *

في مقال نشر في فصل المقال ( 16/01/1997 ) ينقد الكاتب فيه لغة كاتب آخر فيقول : وعليه فقد كان حري بالكاتب ألا يقول والصواب حريًّا لأنها خبر كان مقدم.

ثم يقول ... اضطلاع الجماهير على أدبه .. والصواب هو اطلاع لأن الأولى تعني أن يقوى الإنسان على موضوع ما، وينهض به ، بينما القصد هو التعرف عليه. هذان  النموذجان ذكراني بموقف لا بد من الإشارة إليه:

كنا في مناقشة نحوية ،  فإذا بمن ينافح ويكافح ذودًا عن اللغة يتحدث بالعامية، وعندما طلب منه أن يفصح بالفصيحة أُسقط في يده وفي لسانه ، ولن أمضي أكثر.

مثل هؤلاء يصح فيهم- مجازًا- ما قاله الحر الكناني ( أو المتوكل   الليثي ) :

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى

                                         ابدأ بنفسك فانهها عن غيها

فهناك يُـقبل  ما تقول ويهتدي

                                       كيما يصح به وأنت سقيم

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

                                      بالقول منك ، وينفع التقويم

يا أيها الرجل   المعلم   غيرَه  

                            هلا لنفسك كان ذا التعليم

فما رأيكم – يا رعاكم الله –  بأساتذة للغة يكتبون أسماء  طالباتهم هكذا :  فاديا، ناديا، ساميا، ديما، داليا، لينا، شاديا ، هالا ... الخ ( من نافلة التوضيح أن هذه الأسماء عربيه الأصول، وهي تنتهي بهاء التأنيث )؟ وما رأيكم بمن يلفظ أسماء الأدباء في الصف بشكل خاطئ، فيقول  أبو نَوّاس  و طَرْفة ... ويقول عُدي ، والصواب ابو نُواس و طرَفة وعَدِي ، وقس على ذلك الكثير الكثير ؟

وأخيرًا ، فليس هناك من هو معصوم عن الخطأ، ولكني أؤكد ثانية أن حديثي هنا موجه لمن يغوص في أي فن من غير أهلية، ولكنه- مع ذلك – يخاطبنا بأستاذية. ورحم الله من قال :

لقد رابني من أهل يثرب أنهم        يرومون تقويمًا لنا وهم عُصْلُ