موقع بيتنا

 
 

شعراء أصلاء

 مع أني ممن يواكبون الحداثة، وما بعدها في الأدب، فما زلت أجد المتعة بالروائع المحافظة على تقاليد الشعر العربي – وخاصة من هؤلاء الذين أوتوا معرفة من التراث واللغة، يعكسون الصياغة القديمة معاني معاصرة تنساق لهم ، وتنساب على أقلامهم فترق وتروق .

لنقرأ ما يقوله الشاعر جريس دبيات،وهو يصوغ مقولته ورؤيته الشعرية:

أي فن إن لم يكن إبداعا                   والكلام المعاد سوق ابتذال    
فارس الحرف من يرود المعاني        
فقد الحس والجمال فضاعا
يجعل الذات سلعـة ومشاعا                يجتنيها بكرًا فتحلى تباعا

ومن أحب أن يقرأ نموذجًا رفيعًا آخر من شعره فليعاين رقصـه في أزمير – ( كل العرب 07/11/97) فسيجد هذه الدقة الو صفيه مشحونة بالشاعريـة الغامرة ، وفي أسلوب قصصي أخذنا نفتقده حاليًا ، حيث  رقص الشاعر مع الراقصة التركية ، و على مرأى من زوجته .

بل نقل إلينا سلوك الزوجة الغيور  بعد أن دوخته الراقصة :

سألتني إن كنت أبغي دواء                  لاختناق أو رشفـة من عصير

رحت أخفي عن ناظريها انفعالي          إنه الشيب يا عزيزي تذكر    
وهي بين الإشفاق والتعيير                  كم ذكرنا وضقت بالتذكير

ومن الشعراء الذين قرأت لهم مؤخرًا سلمان خليل دغش ، وقد شرفني بإهدائه كتاب من خلف القضبان ، وفيه قصيدـه مهداه لي يقول فيها منافحًا عن عراقته :

يستكثرون علي الحرف قد جهلوا

                                      قبور أهلي ببدر لم تزل علمـــًا   

إن كان للشعر شيطان يراوده     

                                    عني ومني بأن الحرف آخاني

خلف الرسول وقد أشهرت إيماني

                                    وجاء دوري جعلت الشعر شيطاني

وفي قصائده ما يشف عن الروح الوطنية التي ليست محلقة في دائرة غرض ، ولا تعرف الافتعال .

وجذبت نظري قصيدة جميلـة لم يسبق لي أن عرفت صاحبها ، ولا قرأت له – بالرغم من متابعتي المستمرة للنتاج المحلي – وهي للشاعر عبد السلا م موسى من دير الأسد ، ولعل ما جذب نظري أن وراء القصيدة ثقافة وأهليـة ، وعنوانها رثاء نسر – في رثاء الجواهري    ( كل العرب 14/11/97 ) ذلك لأن القصيدة مشحونة بالتناصات ، ولا أغالي إذا قلت إن الأقلاء يجيدون قراءتها في طباعتها غير المشكلولـة ، ومما ورد فيها :

مبد أسى ، وقريضي لا يؤاتيني

                                     أبا الفرات ألكني بالقصيد إلى    

قد كنت بالأمس تدني من مفاتنها

                                    يأتي القصائد   نظام مصاولـــة  

لا تربحي شاعرًا إلاك تطلبه 

                                    فاصفح حبيت نعيمًا غير ممنون

عرائس الشعر تصبيها   وتصبيني

                                      أعراف غالية أو نفح نسرين

مستصحبين وتأتيها على الهون

                                     ولا تجود بأبكار ولا عون

والقصيدة طويلة ومتماسكة تشي باطلاعه ، وتشير إلى شاعر متمكن .

إن شعرنا أيضًا بحاجـة إلى أصالة الصوت ، جنبًا إلى جنب مع كل حداثة مسكونة بالشعرية ، ولكم أتمنى أن ينطلق التجديد من رصيد ، لأنني على قناعـة -  أن شتان بين من أسس بنيانه على أرض  ، وبين من  شرّف الساحة خالي الوفاض .

قدمت لكم ثلاثة نماذج فقط ، وأنا أعلم أن هناك آخرين يستحقون الذكر ، كما أعلم مدى تشوق كل شاعر أن ُينصف ، وهذا حق ، ولكني هنا إزاء شعراء لم يعطَوا حقهم من التعريف ، ولديهم الملكة التي نرجو لها عطاء لا ينضب .