موقع بيتنا

 
 

أحمد الطيبي وتصريف اللسان

ثمة لون أدبي أورده ابن عبد ربه ( 860 940 م ) في عقده الفريد دعاه المجنِّبَة في الأجوبـة ( الجزء الرابع ، ص 4 ) ، إنه يتناول   الجوابات التي هي أصعب الكلام كله مركبًا ، وأعزه مطلبًا ، وأغمضه مذهبًا ، وأضيقه مسلكًا ، لأن صاحبه يعجل مناجاة الفكرة واستعمال القريحـة ، يروم في بديهـة نقض ما أبرم في روية ، فهو كمن أخذت عليه الفجاج ، وسدت عليـه المخارج ... لا يدري ما يقرع به فيتأهب له ، ولا ما يفجؤه من خصمه فيقرعه بمثله ، ولا سيما إذا كان القائل قد أخذ بمجامع الكلام ، فقاده بزمامه ، بعد أن روى واحتفل ،وجمع خواطره واجتهد ...

وقد نقبت عن معنى المجنِّبَـة فلم أجد أفضل من معنى الكتيبـة التي تأخذ إحدى ناحيتي الطريق ، ومنها الحديث الشريف الذي ورد عن الباقيات الصالحات : هن مقدمات وهن مجنِّبات وهن معقِّبات .

وهذا اللون الأدبي هو كالنوادر والأمالي والمجالس أو جز منها ، ولا أدري لماذا لا ندون في أيامنا هذه تلك الأجوبـة الذكيـة اللامعـة سواء أكانت تحمل الفكاهة أو السخرية أو أنها ذات منطقيـة رياضيـة أو موقف حاسم .

إن النكات ( لا أعني الفكاهات ) واللمع في عصرنا وبين أدبائنا ومفكرينا تضيع على كثرتها ، ولا تجد من ينظمها في أي عقد أو سلك .. وما أكثر ما يضيع فينا !!

طاب لي أن أستمع إلى أجوبه تدل على حضور بديهـة كان د. أحمد الطيبي يحاور فيها غلاة العنصريين في وسائل الأعلام المسموعـة والمرئيـة ... طاب لي بحجته الدامغة ، وموقفه الواثق وهدوئه الرائق ، ومتابعته الدقيقـة ... أزكّيه لأنني أعرف أن كثيرًا منا سرعان ما يتفجر غضبهم أو يخرجون من حلبـة الباطل المستشري . وأزكيه لأنني أرى ضرورة أن نقول لمن يستحق من  كلمة ثناء  ، وما أقل ما نفعل ذلك !!

ومع أني  كنت قد هاجمته في مقال لي حول موضوع ما – بعنوان        الإشاعـة التي وصلت الإذاعـة ( الاتحاد 30/01/1992) إلا أ ن   ذلك كله لن يحول دوني من أن أشد علي يدي أحمد بعد كل حوار يمتلك فيه ناصيـه المنطق ، وساعد اللغـة ، ولسان الصدق .

أقول له وكل من ينحو منحاه : لا فض فوك !  وأكثر الله من أمثالك ممن يحسنون الجواب في حضور ، وإصابـة معنى وإيجاز لفظ ، وهدوء أعصاب .

لن أسوق لكم هنا نماذج من ردوده الباهرة، لكني أؤكد أن الخصم كثيرًا ما كان يتلجلج أو يتعلثم ، وفي ذلك ما يشفي الغليل .

وإخال أن  هناك من يتبرم مني لأنني أثني وأقرظ ، وقد اعتاد الكثيرون منا أن لا يتحملوا إطلاقًا كلمـه ثناء لغيرهم ، فكل مدح لسواي معناه أن هذا هجاء لي أو إنكار لحقي  .

وربما أن  هناك من اتهمني بغرض ؟

إن منطق زمار الحي لا يطرب ، ومنطق التشكيك في وطنيـة هذا وذاك بسبب ظروف كيت وذيت يجب أن نعيد النظر فيهما ، وإلا فالأمر لا نهايـة له .

ما أحوجنا إلى أمثال الطيبي ( أقصد موقف الطيبي )  لشرح ما تعانيه قضيـة شعبنا من الصلف والغرور والتجويع والتركيع والإذلال والأغلال . أقول ذلك وأنا ألاحظ أن علامات الطيبي في النقاش السياسي أعلى من علاماتهم ،  ويده هي العليا ،  ومنطقه يفحم ويلجم .

وما دمت قد بدأت بالتراث فلأعد إليه ، فلنا في السلف الصالح أسوة حسنة لمن كان يرجو خير شعبه وأمته ، ولمن كان يرجو الحقيقـة حقًا .  سئل معاوية عن عبد الله بن العباس ورأيه فيه ( وهو خصمه السياسي ) فقال :

يصرف بالقول اللسان إذا انتحى

وينظر في أعطافه نظر الصقر