موقع بيتنا

 

 امرأة الرّسالة -رجاء بكريّة

  20/09/2006

الإصدارات الرئيسية

امرأة الرّسالة - العمل الرّوائي الجديد للكاتبة والفنّانة التشكيليّة رجاء بكريّة

عن دار الآداب، بيروت، صدر العمل الرّوائي الجديد للكاتبة والفنّانة التّشكيليّة رجاء بكريّة. إمرأة الرّسالة , والجدير ذكره أنّ دار الآداب كانت قد تبنّت العمل في أبريل الماضي وخطّط موعد إطلاقه أواخر يوليو،تموز الماضي غير أنّ نشوب الحرب حال دون ذلك.

امرأة الرّسالة هي العمل الرّوائي الثّاني للكاتبة بعد رواية عواء ذاكرة الصّادرة سنة 95 19 والمجموعة القصصيّة الصّادرة سنة 2003 عن المؤسّسة العربيّة للنشر والتوّريع، بيروت.

وقد جاءت الرّواية في 390 صفحة من القطع المتوسّط. لوحة الغلاف خاصة بالفنّان الهولندي المعروف فيرمير، امرأة بالأزرق تقرأ رسالة.

وفي إهداء الكاتبة للرّواية جاء:

إليك ثمّ إليك ثمّ إليك...

هل علّقَت قبلي امرأة بَدَن شوقها جسرا لعبور العشق.

أحبّك..

هل سمِعتَها دافئة النّبض هكذا كغوص نقطة في سطر؟

إلى عكّا وإليك..

تستند فكرة الرّواية على حكاية عشق عاصفة بين رجل وامرأة. الرّجل مخرج مسرحي والفنانة باحثة في المسرح الفلسطيني. تتكشّف تفاصيل هذه العلاقة عبر مضامين الرسالة الّتي ترسلها المرأة إلى الرّجل بعد أن يختفي فجأة دون أن يترك أثرا. ملابسات الحدث تكشف عن تورّط الرّجل بعمليّة تفجير مبرمجة لحافلة الرّكاب الّتي تأخذ طريقها من الكابري إلى قلب عكّا. من مدينة عكّا تتداخل الأحدات، وتأخذ مسارا دراميا يتصارع فيه الحبّ والسياسة، الخيانة والولاء، الغربة واللّقاء. وبين عكّا وحيفا، لندن والعراق تنرسم ملامح الشّخصيّات والأماكن، وتكتب المرأة أوراق صراعاتها بأفراحها وخيباتها.

---------------------------------------

إسم الرّواية: امرأة الرّسالة

الكاتبة:       رجاء بكريّة

إصدار:       دار الآداب، بيروت

السّنة:        سبتمبر 2006

طيف

       _ 1

القبلة.. كلّ ما يغمر جسده. تفترش السّرير معه، وتؤطّر ذكرياته. فوقه مباشرة إسم للوحة جميلة أنجزها رودان في إحدى انغماراته الرّوحية. اختارتها هي من متحف العاصمة آخر زيارة مشتركة لهما. أسمتها القبلة، أو هكذا أسماها الفنّان. لا يذكر تماما، ولكنّه يتأكّد كلّما لوى عنقه إلى الخلف أنّها كانت تستغفله وتورّطه بحموضة شفتيها حتّى الأبد.

يومها نظرت إليه وإلى اللّوحة، وأغمضت قلبها، ومن بعده جفنيها، وقرأت الإسم المكتوب بحروف سوداء صغيرة كأنّها تتهجّأ حلما. ويذكر جيّدا، كأنّ في انتثار القاف والباء ما ينثر روحه، ويدعوه إلى تقبيلها بشدّة وبنهم، ليس كما يفعل العشاّق لشفاه حبيباتهم الخجلات، ولكن كما ينفعل الأزواج برائحة العطور العالقة  بثياب نسائهم المتمرّدات.

في اللّوحة ظهر الجسدان متعانقين. أحسّ، وهي واقفة تتأمّل اشتباكهما الصّامت، وفي لوعة البكاء ما يذيب وجهها، ويحيله إلى حفنة ضوء. وقد أحبّها هكذا، وبقوّة. اقترب من موضع قدميها، وأراد أن يعانقها كما يعانق الرّجل المرأة في الصّورة. أراد أن يقبّلها بنهم أشدّ من نهم الرّجل بجسد المرأة الّتي في الصّورة. هو لا يذكر بالتّحديد كيف خرج من لامبالاته، وجرى خلف أكمة الشّقيق الّتي قطفت وجهها.

ربّما رأت نفسها مكان المرأة! حدّث قلبه، وعدّ على أصابعه سرا الأسابيع الّتي مرّت دون أن يمرّر كفّه تحت أزرار ثوبها. يداعب حلمتيها، يتحسّس استدارة ردفيها الجميلين. يندسّ بين ساقيها بعنف، يهاجمها كما فعل القوط للمدائن الّتي أحبّوها، وهي تحلم نفس الحلم الّذي حلمته، ويعلن أنّه أجمل أحلامها. يحكّ قدمه العارية بباطن قدمها النّائمة، ويلبسها كما تلبس شلحتها الضيّقة، كي يظل شفّافا. يطلّ عليها من تحتها. ربّما من قدمها يدخل، ويسرق ما يريد، يتريّث يوما طويلا، ثمّ يخرج في اللّيلة التّالية كسرّاقي المواسم في ليال لا يلوح فيها قمر.

كم تربكه هذه اللّوحة. استدار نحوها، وتأمّلها من خلال سيجارته المحترقة. تنبّه فجأة إلى أنّ عناقهما يحترق مثل سيجارته. ألذلك همست، وهي تدفعها إلى البائعة، وتحدجه بنظرات محرّضة.. ويجب أن تعلّقها فوق السّرير كي يبقى الفراش ساخنا. معها أو بدونها، أرادت أن تجعل سريره دافئا. استرجع صوتها هذه المرّة، وهو يمعن النّظر بشحوب الجسدين تحت حميمية العناق، وتأكّد أنّ احتراقهما يأخذ لونيهما.

أذّاك سمع صوتها يشاكس تكتكة المنبّه الّذي بدأ يعلو كلّما أوغل صوتها في ملكوته. كأنّه غار من انتظار الرّجل لها، وخاف أن تستولي على أضوائه، وأوراقه العارية. 

2 _

بعد حين أحسّها تدوّي في غمار الصّمت. تغلّ أنفاس الرّجل الموزّع بين اللّوحة والتّكتكة، فيزداد إرباكا للمكان. كان المنبّه ذكيّا جدا، يقيس أهميّته وفق كثافة العيون الموجّهة إليه. لم يكن غسّان بعيدا عنه، وكان حائرا جدا يسترق إليه النظر، ويفكّر دون توقّف. منغمرا بلا حدود بارتعاشات صوتها القادم مع هواجس آخر اللّيل، وتكتكة المنبّه.

بعيد لحظات ملأ صوتها المكان، فأحال الهمس إلى دروشة. أصغى قليلا إليها، مأخوذا ولامباليا كعادته، كأنّما يحيطها علما بحياديّته المطلقة وبانغماره الكامل بنفسه، ويجيز لها تظاهرة من نوع لم يألفه الوقت.

3 _

يطفىء سجائره بسقف قلبه كلّما هدّدته الوحدة. هي من تسوّغ هذا النّوع الفريد من العزلة الحالمة. لكنّ تظاهرة صوتها الوحيدة والحزينة تحت مطر خفر حزين لم يعجب ساعة الحائط، ولا أعجب المنبّه. المكتّة، وشارباه الأشقران وحدهما تنبّها، وابتسما.

بدأ يلتفت حواليه لأوّل مرّة حين أخذ صوتها يتراجع ويمّحي. كان لا يزال يحدّق بالصّورة كأنّه يتوقّع من المرأة والرّجل أن يتخلّيا عن اشتباكهما، ويتركا التجويف الّذي أعدّه الفنّان لهما. خيّل إليه أنّ نزولهما سيأتي بصوتها، ويعبّىء حناجر السّجائر الّتي تلتهمه بشوق جديد. جفّ حلقه من شدّة القحل، شكا سرا وصمت. وكان إذّاك يتوهّم ضربة سحر تعيدها، ويردّد كي يطمئن نفسه أو يطمئنهما.. وليعودا بعد ذلك من حيث أتيا. لكنّ شيئا من ذلك لم يحدث. اللوّحة بقيت فوق سريره، وأوراقه بقيت عارية، وسيجارته ممتلئة بالكبريت.

 

4 _

جديد عليه هذا الفقد..

لم يعرف أنّ الوحدة الّتي سيعيشها لسنوات تأتي بعدها أسوأ ما سيعرفه عن نفسه، وكلّ ما سيفيض به. كان يعرف أناسا يفيضون شوقا، حبا، لكنّه لم يلمح في مرايا الظمأ سوى نفسه تفيض فقدا. لماذا لم يكن توّاقا لهذا الحدّ، ألأنّه رآها؟ ربّما تهيّأ له، ولم تكن هي.

هذه الأيّام لا يعود لمكان غير يافا، حيث، ربّما وقفت. أيذهب كي يختبر قدرته على احتمال الرّمل بدون قدميها، أم على الحلم بطيف ظهورها؟ لا يعرف تماما، ولم يسجّل في دفتر مذكّراته عدد المرّات الّتي ذهب فيها إلى الميناء. ولا اللّحظات الّتي قربطت عيناه برّيش البجع الّذي أحبّته متوسّلا إليه أن يعيدها. دائما عاد بمثل ما ذهب. خاويا، مكتئبا، كأنّه حين ينظر إلى الأشياء الّتي كانت معها يقبض على نفسه متورّطا بالذّنب. أكان يعرف أنّ سنوات ستأتي بعدها عامرة لهذه الدّرجة بالفقد؟

أعادته يافا بصفعة حريق في الذّاكرة. ولم يستطع أن ينتظر فيها أكثر ممّا يفعل قمر على باب غيمة، ورجع.

.........................................

لعلّه منام ساعة يقظة، همس لنفسه كي يصرع الشكّ باليقين. لا يملك تفسيرا لما حدث، منام يقظ.. كلّه وجه امرأة، تشبه تعابير وجهها، وحقيبتها. ثمّ شيء ما حدث. لا يذكر التّفاصيل تماما، نزل مطر، أو ربّما موج غمر سطوح المراكب وغمره. يفتح عينيه على اتّساعهما كي تتسّع في لونيهما الذّاكرة الغائبة. فيلسعه الشّك.. حين ابتلع يافا الطّوفان ابتلعها، وحين انحسر الطّوفان لم يعد بها. بعد اهتزاز الميناء بالطّوفان، يقول ويصمت. يدلّك رأسه بشوقِهِ وبيديه.. اختفت نشوة، ومعها الحقيبة والتّعابير، وكلّ ما ينسبها لأسطورة مدام بوفاري.

حين استفاق وجد نفسه فوق سريره يرتجف من شدّة العتمة. نادرا ما تصيبه العتمة بالبرودة. هل استحال البرد إلى رمل يعفّر الأقدام والوجوه بالعتمة؟

5 _   

أحسّ بحاجة ملحّة للبكاء. متى بكى آخر مرّة، كالبكاء السريّ الّذي ينذرف من زجاج اللّوحة؟ رجل الرّسمة لا يخجل من البكاء، أمّا دمعه فحكاية لا يحكيها حتّى لنفسه. لم يبك أيّامه من قبل، وبكاء الرّجل يحرّضه على الجهر بدمعه.

داخل السّجن علّموه أنّ الرّجال لا يبكون. وإذا بكوا فبعيدا عن العيون. لكن للفنّانين أمثاله دموع من نوع آخر تحرق الجسد إذا انحبست. العين الّتي تراها عين، قالوا، تصيبها لعنة. هو لم يصدّق ما قيل تماما، لكنّه بعيني الرّجل الّذي لا يعرفه سواه يدرك كم لا يحبّ أن يراه سواها يبكي.

أخطاءه تحاصره، تبذر رأسه بزعافها. كان قاسيا، ومعلولا بأنانيّته الدّبقة. أسرف في تسويد اللّحظات الّتي هيّأتها لقلبه ونعنعاع شفتيه، ولم يترك على وجه المخدّة مكانا تعلّق فتنتها عليه. صعقها تبذيرا لفنّه، ولأحلام نسجت من خرافتها ربطة عنقه، وأحيانا جرابه. بينما ظلّت رأسه مسدودة بكلمة سر لم يعثر عليها قبل أن يضربه الفقد بشدّة.

لأيّام طويلة رماها بالوحدة. وضعها في جراب علّته وأعلن عليها القطيعة. غسلت ساعاتها بصابون أضوائه، لكنّها انهارت حين أطلق عليها  سجنه وعهره. لقد جعل منها امرأة بائسة، وتعيسة. أين كان قلبه، وهو يتابع انهيار أنوثتها، ولا يحرّك ساكنا. في طرف ذاكرته لمح ذراعيها مفتوحتين لاحتضان رأسه المدمّرة، وشهق فجأة بصوت عال سمعه الرّجل الذّي غسل زجاج اللّوحة ببكائه السرّي، وربّما عقربي المنبّه الشّرس. خلف شهقته أورقت ابتسامتها شجيرة غار اقتحمت عتمته الباردة. في هذه اللّحظة ملأت أنفه برائحة صوتها العميق، بين القرفة والحنّاء، همس وابتسم رغما عنه. كرائحة شعرها بعد حمّام ساخن، وتزلّجت دمعة شقيّة ساخنة من قلبه على خدّة.

كم نصف ساعة مرّت، وهو خلف بخار وجهها وجسدها ينتظر أن تخرج كي يغمر أنفه وشاربيه بتلك الرّائحة الغامضة من شعرها البليل؟ حين علا صوت المنبّه على هواجسه لم يعتب عليه هذه المرّة، إنّما استدار ثانية خلف رأسه، وتمعّن برأسي الرّجل والمرأة داخل اللّوحة. ثمّ فكّر أن يؤلّف كلاما يقوله إثنان مثلهما لحظة اتّصال ريقيهما. قفزت ذاكرته بين رأسي الرّجل والمرأة المتلاصقين، وتذكّر أوّل مرّة استبدلت القبلة بالبوسة، ومنحته ريقها. يومها شرحت له معادلة غريبة في تواصل رجل وامرأة. قالت، إنّ البوسة ريق، والعرَق جسد. بَلاهُما يبطل مفعول الأرق والألق. استغرب من بديهيّات عالمها. انفعل من قدرتها على إقناعه.

بفيض شوقه الحار للقائها تذكّر أنّه تمنّى احتضان رأسها الصّغيرة بين كفّيه، وفكفكته كي لا تفاجئه أكثر ممّا فعلت. يومها لم يقبّلها كما أرادت، بل كما أراد هو. أطبق على شفتيها إطباقا، تماما كما تفعل الصّقور لفرائسها. لم يعجبها شكل اغتصابه الغريب لريقها، بل أحبّت أن يقضم فمها كما تفعل الفئران للجزر والقرنبيط. راوغها لأقلّ من عشر دقائق. احتجّ، لكنّك تعرفين أنّني لا أحبّ الفئران. ولا أنا، قالت. لكنّ قضمها يحكّ الرّغبة، غسّان، ويفقدها صوابها، علّقت وحكّت رأسها بصدره مثل قطّة متمرّدة تعرف أنّ جولات فرّها تعيد فروتها أكثر حاجة للإذعان والطّاعة. حدّق فيها، كأنّه لا يفهم، هل تبغينني كأحد مجاذيبك؟ تحطّم ثورته بحكّة صغيرة من شفتيها لأنه، بل ككلّهم! تهمس، ولا تتوقّف عن التحرّش برغبته. ألذّ امرأة اعتنقها الخبل. يحيط خصرها ويقبّل عنقها قريبا من صوت المذياع الّذي لا يتوقف عن الثّرثرة. ألف امرأة حينذاك تخرج من جسدها كي تحتال أو تحيل جسده،

مخاتِله، تقترب منه فيصبح كلّ جسدها. تلبس صدره العاري فيخيّل إليه أنّها أولّ العالم الّذي عرفه، وآخر ما سيطبق عليه نارنج عينيه. في آخر العالم، يقولون، ثمّة مكان منزوع السّلاح تحترب فيه الرّغبة أو اللّعنة، سيكون لها وحدها. وستبلي فيه كما أبلت كليوبترا، وربّما أكثر. لماذا هذه الكليوبترا تقفز إلى رأسه دون توقّف، كأنّها آخر النّساء. ألذلك يدفع وجه نشوة أمامها؟