موقع بيتنا

 
 

العينان المدققتان تريان كل شيء، تريان الإقدام والإحجام، الاقتراب والابتعاد، وإغماضة العينين الناعستين وانفتاحهما. إنهما تريان كل شيء... كل شيء على الإطلاق... وإلاّ لماذا نطلق عليهما صفة "المدققتين"؟!

لهاتين العينين أحياناً وظيفة أخرى...أن تريا وألاّ تريا في الوقت ذاته! أن تريا شابة في العشرين من عمرها، في أقل من نصف عمرك، مُقدِمَةً، وألاّ ترياها ذاهبة. فما يحزنهما هو وَقْعُ عقبي امرأة مولّية، فكيف إذا كانت هذه المرأة هي عالمك.. كل عالمك؟! كيف تتقبل مثل هذا الأمر وكيف تسلم بالأمر الواقع، وبأن هذه المرأة ذاهبة ومولية الأدبار؟!

خمسون عامًا وهاتان العينان تريان كل شيء؛ لا تتركان أحدًا من تدقيقهما. لا تتركان تلك المرأة العجوز المتصابية التي أرادت أن تتودَّد إليك، أنت الكاتب المبدع، فنفرتَ منها نفرة بلبل على غصن البان، ولم تترك لأي كان أن يدنو منك دون إرادتك، إلى أن كان ذلك اليوم وجاءت تلك الصبية، الشاعرة الصغيرة، تطرق أبواب مكتبك. يومها فوجئت بها ولم تعرف ماذا بإمكانك أن تفعل. تصنَّعتَ وقار الكاتب المبجّل، ووضعت نظارتك على عينيك، ورحت تسترق النظر إليها. هي لم تكن من الغباء حتى أن تتركك ترشقها بكل تلك النظرات النظاراتية.. فتصنَّعت عدم الانتباه!

وأخذتَ تقرأ كتاباتها وأنت تسوّي نظارتك جيدًا، وتحاول أن تزيل عرقًا فاجأك وغزا جبينك، دون أن تلتفت هي، وتهمهم موحيًا أن ما تقرأه جميل ويستحق القراءة... كنت ساعتها تغترف من السنوات الماضية ومن حكمتها الضائعة. كنت تتذكر أيام كنت تذهب إلى كاتب كبير، في الخمسين من عمره، وكيف كان يسوّي نظارته على أرنبة أنفه وهو ينصحك بأن تقرأ، فالقراءة هي النافذة على الإبداع الحقيقي، والكاتب المبدع في أيامنا هذه لا يمكن أن يكون غير قارئ أو غير مثقف. الكتابة تحتاج إلى إنسان مرهف (وهل أنا غير هذا؟) وهي لا تأتي من فراغ، أو إنما هي حلقة في سلسلة تفضي إحدى حلقاتها إلى الأخرى. الكاتب المصري المبدع، البخيل المجنون، توفيق الحكيم، كان يقول: إن كل كاتب يعجب في بدايته بكاتب آخر ويترسم خطاه حتى يتمكن من فهمه أو من هضمه جيدًا. بعد ذلك يقفز عنه قفزته المنشودة، ويصبح بالتالي كاتبًا حقيقيًا. الكاتب الحقيقي يسجل دائمًا خطوة أخرى متقدمة عن خطوة أحرزها كاتب سابق حقيقي ومبدع.

دقات قلبه تتسارع. يخلط الماضي بالحاضر. ترى، أيكون هو قد كبر إلى هذا الحد؟ أيكون أصبح كاتبًا كبيرًا يحتل موقع سابقه ويجلس متوقرًا يلقي مواعظه وحكمته؟ لكن لماذا هو يفعل هذا؟ لماذا يلقي بجواهره ودرره على تلك الزائرة الشابة؟ ولماذا يشعر برغبة هائلة في أن يقول لها إن الإبداع لا يعرف حدودًا، وإن الإنسان كلما حلَّق في أجواء من الجدّة، اقترب أكثر من نار الإبداع المقدّسة؟ ما الذي جرى له؟ أوليس من الممكن أن يكون الأمر اختلف والدنيا قد اختلفت، واختلف الأبناء عن آبائهم. ويطل الطفل الصغير من داخله: ولك يا زلمة، أنت ما زلت صغيرًا. أنت لم تكبر ولن تكبر! أنت في عمر الورد. أما بما يتعلق بالشابة قبالتك، فبإمكانك أن تدرك أن بنات اليوم يختلفن عن بنات الأمس. فأنت أولاً تستطيع أن تضيف إلى عمر زائرتك خمسة أعوام أخرى، يتكرّم بها باحثو هذه الأيام على البنات كي يميّزوا بين وعي البنت والولد. وأنت ثانيًا، تستطيع أن تضيف خمسة أعوام أخرى لأن كاتبتك الشابة إنسانة واعية، فاهمة ومدركة لأمور الحياة ونشوئها؛ آنذاك، تصبح شابتك في الثلاثين. وإذا تنازلتَ عن خمسة أعوام من عمرك، ربما كانت خطأ في التسجيل، كونك ولدت بعد أعوام عصيبة في حياة بلادك، هي أعوام تهجير ذويك من بلدتهم سيرين لينتقلوا للإقامة في مدينة الناصرة. فإذا فعلت هذا كله، فإن عمرك يصبح مقاربًا لعمر زائرتك الشابة ويبات بإمكانك أن تفكر فيها وأن تبادلها النظرات.

يدك الواثقة تمتد إلى الأوراق أمامك. أنت في عمر يؤهلك لأن تكون واثقًا من نفسك إلى أقصى درجات الثقة. وأنت تعرف تمام المعرفة أن أي اهتزاز في ثقتك بنفسك فيه حتفك. فاصبر يا عنتر! اصبر، فالشجاعة صبر ساعة. واجمد حتى لا تسوخ ويذهب السائل الناتج عن احتراق شحمك بددًا ويتسرّب في أرض عطشى لكل ما يتسرب إليها من السماء والإنسان. اجمد ورزها. قل لها كلمة- أي كلمة – لا تدع الصمت يخيم بينكما. أنت تبحث عن الكلام. حقًا أنت تبحث عن الكلام. أين ذهب الكلام كله؟ أين ذهب كلام الكاتب المركز القادر القدير؟

وتندفع دون إرادة منك:

- لا أعرف ماذا سأقول لك. كتابتك جيدة.

وتتذكّر كلامًا قاله نجيب محفوظ ذات يوم لكاتب شاب، هو إنني إذ أقارن كتابتك هذه بما كتبته أنا في مثل سنك أشعر أن كتابتك أكثر نضجًا من كتابتي. وتحاول أن تقول لها هذا الكلام إلاّ أنك تتحول إلى كلام آخر. تقول:

جيلكم يعيش هذه الأيام ثورة في المعلومات. جيلنا كان مسكينًا بائسًا – لا تتوفر له الأوراق، وإذا توفرت هذه غابت الأقلام، وإذا توفر هذان غابت المنضدة التي يكتب عليها. ثم نحن لم يكن في أيامنا لا كمبيوتر ولا انترنت ولا يحزنون. كنا نعيش على الأرض، على الأرض بالضبط. أما أنتم فإنكم تعيشون في زمن آخر، زمن يجعلكم تحلقون إلى السماوات العليا.

ويتابع كلامه. يشعر أنها تسمع كلامه ولا تسمعه. ابتسامتها العريضة تفترش وجهها. ما أجمل هذا الوجه! ما أجمل الوجوه النسائية حين تتسع. يقولون إن المرأة حين تشعر بالانجذاب إلى شخص ما، تشعر بإفراز خدر في أعلى أنفها.. هذا الخدر يسري إلى عقلها فيشلّه. مؤكد أن الشابة قبالتي مخدّرة. ماذا عليّ أن أفعل؟ ماذا عليَّ؟ قولي أنت، فأنا لن أقول.

أجل، هو لن يقول. وانتظر أن تقول، إلاّ إنها لم تفعل. كان كل ما فعلته أنها أطلقت ابتسامة وجعلتها تفترش وجهها. إنها تعرف ماذا فعلت به. تعرف أن هذا الرجل انتظر خمسين عامًا أن يأتيه حلم على شكل امرأة، وأنها قد تكون هي هذه المرأة. ألم يقل أحد الأذكياء إن ما نفكر فيه كثيرًا قد ينتقل إلى الآخر، لا سيما إذا كنا صادقين فيه. بلى، بلى.. لقد قرأ مثل هذا الكلام، وهذه اللحظة هي أنه قريب إلى روح هذا الكلام وقلبه، فهو في ذروة حلمه، وهي في ذروة واقعها.. والخط الفاصل بين الحلم والواقع هو أقصر خط في العالم.

حين تركته وغادرت مكتبه، لم يشعر بها وهي تغلق الباب وراءها، ولا حين ذهبت. أمر واحد كان مسيطرًا عليه: لقد جاءت مثل عاصفة وذهبت مثل نسيم. لإن المرأة التي يطرب لها القلب، ويزداد انفتاح العيون طربًا لوجودها هي مالكة أسرار الأبد، أو هي من بإمكاننا أن نردد، إذا ما وقفنا في دائرتها، ما قاله الإمام القشيري: الحب هو أن تقول لمن قبالتك: يا أنا.

يقترب من أوراقه.. يبتعد عنها.. يراها في كل مكان في مكتبه. يشعر أن المكتب بات واسعًًا، تكاد سعته تشمل العالم. هنالك قبالته، على مرمى كرسي، كانت قبل قليل. كانت تنبض تدفقًا وحياة وحُسنًا. حقًا هي لم تتحدّث كثيرًا. داخله هو الذي تحدث، سنوات عمره المتراكمة الماضية هي التي تحدثت. ليس هو بالحتم... بالحتم ليس هو.

يفتح نافذة المكتب. لقد نسي أن يفتحها. هو يفتحها كل يوم قبل المساء، قبل هذه الساعة. فهل أراد أن تبقى رائحة تلك المرأة الكاتبة الشابة فيها؟ وهل هو أحب على كِبَر؟ وبهذه السرعة؟ ثم ألا يجوز أن شابة مثلها جميلة ومرهفة تهوى الكلام وتبحر في أمواهها، مرفأ يحلم به وبالاستراحة فيه عشرات الرجال؟ حقًا، ألا يمكن أن تكون مشغولة ولا وقت له لديها؟ بلى.. ولمَ لا؟

ولامست وجهه نسمة ليلية ذات رائحة خاصة لا..لا.. لا يجوز ولا يمكن. هي صبية تحب الأدب والإبداع، ولا يمكن أن يميل قلبها العامر بالفن لأي من هَمَلِ هذه الأيام وصُيَّعه.

وشعر أن من حقه أن يسترسل بالأمل، فنظر إلى البعيد البعيد، إلى هناك.. حيث لا يعرف أحد أحدًا، وتنبت الحياة مثل وردة طريفة لا حدود لقدرتها. لو كانت من هذا الصنف من النساء لما جاءت إليك. ولو كانت تربطها قصة مع واحد من إياهم  لما طرقت باب مكتبك. لو كانت خفيفة مثل ريشة في مهب الريح، لما جلست قبالتك ولما حدثتك بكل ما لديها من جرأة، بل لما فردت أوراقها أمامك.

شعور جميل ينتابه. شعور الإنسان في لحظاته الأخيرة. شعور إنسان مغامر انتظر أن تأتي المغامرة حتى ملَّ من الانتظار، فجلس كي يرتاح، وإذ بها تأتي إليه تجرجر أذيالها. وإذا به يندهش. إلا أنه لا يلبث أن يجري وراء نفسه كي يدركَها. لا هم لديه سوى إدراكها، أمّا ماذا سيحدث بعد ذلك.. فليحدث ما يحدث، وليكن ما يكون. أفضل للإنسان أن يغتنم اللحظة من أن يجلس بانتظار أن تأتي مرة أخرى... لأنها قد لا تأتي!

عندما استلقى على الكنبة في مكتبه، كان يشعر بامتلاء لم يشعر بمثله من قبل، فقد تحولت مخدة الكنبة إلى وسادة مريحة جدًا. لهذا كان بإمكانه أن يغمض عينيه وأن يسرح في أجواء مدينته، في الأماكن التي أحبها في البلدة القديمة وفي أطراف المدينة. من حسن حظه أن المدينة امتلأت في السنوات الأخيرة بالأشجار الخضراء وبالظلال الوارفة، وتصوّر نفسه يسير إلى جانبها وهي تسير إلى جانبه. إن كلاًّ منهما ملائم للآخر. ألم يجمعهما حب واحد للإبداع وعوالمه الثرية الغنية؟ وماذا يحتاج الحب كي يزدهر سوى إلى دفيئة ترعاه وتقدم له أسباب الحياة؟ أولم يقل لأصدقائه إن الحب هو زهرة تنبت في غفلة من عيون المحيطين، وتترعرع في أحضان العناية؟ ألم يقل إن هذه النبتة تنمو يومًا إثر يوم إذا ما قدمنا لها أسباب الحياة ورعيناها بالحنو والحب، بالاهتمام والعطاء؟!

وأغمض عينيه. كان يريد أن يحبسهما، هي وشوارع مدينته، هناك في أعماق عينيه. كان يريد أن يجعلهما من أسراره الدائمة، أسرار الكاتب القادر على إخفاء الأسرار بنفس القدر الذي يمكنه فيه أن يعلن عنها. إنها القدرة. نعم، القدرة على أن نخفي وأن نُظهر، فمن لا يمكنه أن يخفي لا يمكنه أن يُظهر. المهم أن يكون لدينا ما يكفي من الوعي والإدراك في فهم أنفسنا وما يحيط بنا.

الكنبة تجذبه إليها. كأنما هو يكتشفها للمرة الأولى، رغم أنه قضى ثلاثة أشهر في عزلته الإرادية، في منفاه الاختياري، بعيدًا عن الزوجة المسكينة إلى حد الفظاظة، وعن الأبناء. لقد كبر هؤلاء، واطمأن عليهم، رغم أن الواحد منا لا يطمئن على أبنائه في مجتمع قاسٍ مثل مجتمعنا، مهما كبروا. وشطح في الماضي، إلى ما قبل ثلاثة شهور. لقد فاض إحساسه بالضيق حتى بات عاجزًا عن فعل أي شيء. السنوات تمضي وهو ما زال واقفًا مكانه. الحياة تضغط عليه، وهو مستسلم لضغوطها. إلى متى يستمر الوضع على ما هو عليه؟ وإلى متى ينتظر أن تأتي اللحظة كي يكون؟ كي يكتب روايته التي حلم بكتابتها منذ تفتح إدراكه على الحياة وأشرعت مخيلته أبوابها على الوجود؟

إنه يغمض عينيه للحظة، ويفتحهما لأخرى. لو رآه كاتب مرهف حساس مثله لسأله: لماذا أنت تفتح عينيك، أليس من الأجدر أن تغمضهما لترى أكثر؟!

الدقائق تمر بطيئة ثقيلة. الزمن لا يريد أن يمضي. الليل على من لديه ليل هو ليل بطئ الكواكب، نقاسيه بكل ما لدينا من أحاسيس وبكل ما لدينا من تلبكات. كأنما نحن نريد أن نوقف الزمن، أو كأنما هو يريد أن يوقفنا. نحن عندما نجد زمننا في الزمن يصبح للزمن معنى. فلا نحن نسمح له بأن يمر ولا هو يمضي. إنه يعقد معنا اتفاقية تواطؤية من نوع خاص، فندركه حينًا ويدركنا أحيانًا. وكل منا، نحن والزمن، يحاول أن يضحك على الآخر.

يمد الكاتب الكبير يده إلى الراديو بالقرب من الكنبة. صوت أم كلثوم يشق عتم المساء المكلوم. حديث الروح للأرواح يسري، وتسمعه القلوب بلا عناء. غنّي يا أم كلثوم. غنّي يا من غنَّت معك قلوب الأجيال وعيون العشاق في أقاصي عالمي وأدانيه. فجّري حرمان القلب وآلام الروح، وارفعي راية الحب على بيوت العرب. نحن في هذا الزمن المهزوم أحوج ما نكون إلى مثل هذا الصوت كي يعبّر عما في قلوبنا من حياة.

صوت أم كلثوم يريحه. منذ تعرف إلى هذا الصوت تعرَّف إلى الحياة. لكن ما إن جاءته الحياة حتى غادرته. منذ ثلاثين عامًا وهو لا يستمع إلى هذا الصوت الشجي، وها هو يستمع إليه. ها هو يأتي إليه ليقلص المسافات الفضائية بين حلم كان وواقع هارب. ترى أيكون عثر على اللحظة التي أضاع روحه فيها؟ أيكون عاد إلى العشرين ليستأنف رحلة التشبث بالحياة في الآخر؟ أيكون عثر على لحظة حياته وروايته التي طالما حلم بكتابتها؟

كاتبته الشابة، أم كلثومه، تدنو منه. يحرك وجهه بصلف محبّ. يبتسم. يغمض عينيه. يراها بجلاء. تمد يدها تعبث بشنبه. تحركه بإصبعها الشاهد. إصبعها يحرك شنبه مثل نسيم خاص تمنّى أن يأتي طوال العمر. لا شيء يأتي متأخرًا. المهم أن يأتي. كل لحظة تصلح للبداية. وما الادعاءات عن انتهاء الفرص إلا وسيلة يغطي بها الفاشلون فشلهم. ويبتسم، تقول ابتسامته إنه لا يريد أن يعبث أحد بشاربه، ويقول بكل حركة من عدد لا يحصى من التفاصيل على شفتيه: اعبثي كما تشائين. هذا ما حلمت به طوال الأيام الماضية من العمر، أسابيعها وشهورها.

تقترب منه أكثر. يغافلها. إنه يريد أن يلامسها.. أن يحتضنها.. أن يسألها أين كانت طوال هذه السنوات. ورويدًا رويدًا، يدنو ويدنو، يحاول أن يمارس لعبة صياد أتقن هوايته... وهوب.. تزوغ منه.

يشعر بخسارة من نوع ما. يفتح عينيه. يكتشف أنه يحتضن وسادة الكنبة.

يستيقظ. يلفت نظره أنه استسلم إلى كرى خفيف. هذه الليلة ينبغي ألاّ ينام. وحتى لو أراد فإنه لن يستطيع ولسان حاله يردد إنه لن ينام، لأن "من رأى أمرًا عظيمًا لم ينم".

أجل هو لن ينام.

فهل هي مثله؟ هل هي ساهرة، غير نائمة ويشغلها ما يشغله؟ هل هي تفكر فيه مثلما يفكر فيها؟ وهل تقاس المشاعر بالعمر، أم أننا نبقى أطفالاً لا نكبر، وتبقى مشاعرنا نائمة حتى يأتي من يوقظها؟

أسئلة كثيرة فرضت نفسها عليه. ولم يجد إجابة واحدة شافية، لأن الأمر هذه المرة يتعلق بإنسان آخر وليس به هو فحسب، كما حصل في أيام القحط وسنواته التي نافت على الثلاثين. كل سؤال كان يوحي بالمزيد من الشك، سوى إجابة واحدة فرضت نوعًا من اليقين، هي أننا، إذا كنا صادقين، لا بد من أن يلقى صدقنا لدى الآخر صدى، مهما كان غائبًا أو افتعل الغياب.

في اليومين التاليين لزيارتها الأولى شعر بالوقت ثقيلاً، لا يسير إلى الأمام بسرعة البرق مثلما سار في السنوات العشرين الأخيرة. بالأمس كان في الثلاثين، في سن مقاربة لسن كاتبته. آه لو أتت في تلك الفترة لسارت حياته في اتجاه آخر. وربما لكتب روايته آنذاك ولما انتظر أن يمر كل هذا الوقت. بعد الأمس بقليل كان في الأربعين. ما أسرع السنوات حين لا يكون لدينا ما نعدّه فيها.

وراح يذرع الغرفة طولاً وعرضًا، وعرضًا وطولاً. هو يريد أن يمضي الوقت، والوقت لا يمضي. الوقت توقف عند فاتنته ولا يريد أن يتحرك إلاّ حين تعود. فهل تفعل؟!

وتقاذفته الأسئلة. كل منها يقذفه إلى آخر. فأنًا يذهب إلى المرآة، فيرى أنه كبر فعلاً. ينظر إلى جلد رقبته. الإنسان يكبر من هناك... من جلد الرقبة. لقد تجعّد الجلد قليلاً. ويترك المرآة غاضبًا. ويعود إليها، ينظر فيها الجديد في صورته. لا..لا! المسألة ليست مسألة جلد تجعَّد ولا مسألة بلوط ذهبت أيامه.. كل ما في الأمر أنه أديب وكاتب واسمه ملأ الدنيا وشغل الناس. وهي جاءت إليه لترى الكاتب فيه وتلامس عوالمه الرحيبة. مؤكد أنها لم تأتِ كي تلتقي بالرجل. لكن لماذا تتجاهل هذا فيه؟ هي لا تتجاهله. من قال هذا الكلام؟ أنت قلت. أنا لم أقل. بل قلت. طيب، ليكن، لكن إذا أرادت أن تلتقي الكاتب فيه، لا بدّ أن تمر عبر الرجل. فنحن مهما حاولنا أن نخرج من جلودنا نبقى رهناء فيها. وتذكر كلمة قرأها في رواية "المستحيل" مفادها أن المرأة تبقى امرأة حتى لو أصبحت عالمة أو اخترقت الآفاق العُلى. وابتسم، فهو لا يوافق على هذا الكلام تمام الموافقة، وقال لنفسه: إذا كان الأمر كذلك، فإن الرجل أيضًا يبقى رجلاً مهما ارتاد من آفاق جديدة ومهما سوَّد من صفحات وكتب من قصص وروايات.

ويقترب من النافذة. يرسل نظرة إلى الخارج، إلى الأشجار الخضراء المنتصبة هناك. إنها حائرة، حائرة، حائرة! ماذا تريد؟ أتراها تنتظر من يأتي ليجلس في ظلالها؟ أم غادرتها الطيور ولم تعد تغرّد فتطربها؟ ما الذي حدث لك أيتها الأشجار؟ ما إن جاءتكِ لحظة الفرح المرتقبة حتى أخذت منك السكينة والهدوء.

وبينما هو يشرّق في أفكاره هذه ويغرّب، أحسَّ بحركة في الخارج. شعر أنها هي. هي. لا بد من أن تأتي..من أن تعود. مَن يشرب من مياه بلدتنا لا بد أن يعود. نحن الأصل. وأرسل ابتسامة حائرة. انتظر أن تدخل، إلاّ أن شيئًا لم يحدث. هي لم تأتِ إذن!! في الخارج قال له الهدوء المخيّم إن أحدًا لم يأتِ، لا أنس ولا جن، وإن نسمة هواء مفاجئة لامست الأشياء في الخارج فحرَّكت الساكن فيها، فهمسَ هذا في آذان العصافير والفئران وكل ما هو متحرك في المنطقة، إن الحياة لا تغادرنا إلا إذا غادرناها. وكأنما هي تحرص على أن تذكرنا بوجودها بهذا الشكل أو ذاك، كلما نسينا أو قَسَت علينا الأيام فحرمتنا من مرآى من تحب عيوننا أن ترى أو قلوبنا أن تحس.

ويدنو من الكنبة. يستلقي عليها. لا يمكن إلا أن تأتي.. لا يمكن، فهي تركت أوراقها لديه. لو كانت تلك زيارتها الأخيرة لما تركت أوراقها.

وردَّد: الأوراق... الأوراق. أجل الأوراق. بإمكانه أن يقرأها مرة أخرى. هذه المرة سيتمكن من الحكم عليها بموضوعية أكبر. ولا بد أن يجد فيها ما يتحدث إليها عنه. ما أغباه! ورفع يده إلى جبينه. خمسون عامًا مضت وهو ما زال يتعلم. إذا لم يكن قد تعلم حتى الآن، فمتى سيتعلم؟ إنه في عمر المتنبي شاعره المحبوب. المتنبي قُتل وهو في الخمسين. أو ربما كان أكبر من المتنبي الآن قليلاً، على اعتبار أن أيامًا أخرى دخلت في النصف الثاني من قرن كامل. على أية حال، نحن نبقى أطفالاً مهما كبرنا. ولا بد أن المتنبي أيضًا كان يتغابى. أضف إلى هذا أن هناك فرقًا واسعًا بين أن تجد نفسك متلبسًا بالغباء وبين أن تكون غبيًا.

تناول الأوراق. راح يقرأ. افترشت وجهه ابتسامة واسعة. ما يقرأه يشبه كتاباته. لم يكن من المصادفة أن تأتي إليه إذن. هي معجبة، وهي قرأته جيدًا. ولا يمكن أن تكون زائرة لمرة واحدة. عيناه تمران على السطور بسرعة. كل لحظة تخطر له خاطرة. وكل كلمة أخرى إضافية تشعره بأن المسافة بينه وبينها تتقلّص وأن الشبه بينه وبينها يكاد يكون متطابقًا، لا سيما في مسألة الحساسية والتعامل المرهف مع الكلمات. ولمعت في ذهنه خاطرة ما لبث أن هرع إلى تنفيذها.

تناول سماعة التليفون. بسرعة هائلة جاءه صوتها.

-    ألا تريدين أن تزوريني كي نتحدث عن كتاباتك؟ أجل، أجل، قرأتها منذ يومين، منذ خرجتِ من مكتبي. لم أنم إلا بعد أن قرأتها أكثر من مرة. واضح أنك تمتلكين موهبة من نوع ما.  لا، لا، من الصعب على المرء أن يقول كل ما عنده عبر الهاتف. هناك أمور يجب أن يتحدث عنها الإنسان بكل حواسه. الفكرة الأولية قلت لك، الكتابة لا بأس بها. يوجد لديك ما تعبرين عنه. أنا لم أكتب أيام كنت في مثل عمرك أفضل مما كتبتِهِ. إذا قارنت أخسر. مع أنني من غير المؤمنين بالمقارنة. أعجبك هذا الكلام. هذا سرَّني. أعرف. أعرف أنك لم تتصلي لأنك كنت تنتظرين أن أفرغ من قراءة كتابتك على مهلي. أنا أيضًا قلت لنفسي هذا الكلام. وأيضًا كنت أعرف أنك تريدين أن تسمعي رأيًا في كتابتك. آه، أنت تذكرينني بأيام طلعتي الأولى. كان يهمني أن أستمع إلى رأي في كتابتي. كنت أريد أن ألتهم الدنيا قبل أن تلتهمني (يضحك) غير أنها التهمت أجزاء كبيرة مني (يواصل الضحك) تقولين إنه لم يلتهم شيئًا يُذكر؟ هذا بعض ما استمعت إليه من آخرين. أنا مسرور أن أسمع مثل هذا الكلام. بالطبع يسرني. نحن مهما كبرنا نبقى بحاجة إلى كلمات الإطراء. الإنسان مهما كبر يبقى طفلاً صغيرًا. الشكل هو ما يتغير فينا. أما الداخل فإنه يبقى كما هو. صدقيني إن الطفل في داخلي ما زال صغيرًا، في العاشرة، ما زال يجري في الشوارع ويعود إلى البيت بالضبط مثلما كان في الماضي، هو لا يريد أن يكبر. ربما.. ربما يريد أن يبقى في مرابع الصبا. بالطبع، في هذه المرابع تتفتح زهور الإبداع ويفوح شذاها متدفقًا، قيدفعنا لأن نتنرنم بها ونتضوع مع رائحتها العبقة فيما تبقى لنا من العمر. كلامي يعجبك؟ يصلح لكتابة رواية؟ ماذا تقولين؟ ومن أين عرفت أنني أحب أن أكتب رواية؟ تقولين من عزلتي؟ومن ابتعادي عن الناس؟ ربما. ربما كلامك يدل على ألمعية وذكاء. أعترف. نعم أعترف. إن بداخل كل كاتب مبدع امرأة حساسة. وفي داخل كل امرأة فنان مبدع. لا، لا أستطيع أن أشرح هذه العبارة الآن. حينما نلتقي بالإمكان أن أشرح. أعدك. متى قلت؟ الآن؟ بعد ساعة ستكونين عندي. طيب، طيب إلى اللقاء بعد ساعة.

أعاد سماعة التليفون إلى موضعها. أرسل نظرة استطلاع إلى المكتب. كل شيء كان ينتظر.

وكان أكثر من سؤال يحلق حوله. وبقي في النهاية سؤال: كيف عرفت أنه يحب أن يكتب رواية؟ حقًا، كيف عرفت؟!

ترى، هل ستكون هي روايته؟

ربما... من يعلم؟!

***

بعد ساعة بالضبط، سمع طرقًا خفيفًا على باب مكتبه، ذكره بطرق آخر قبل يومين. قال له قلبه إنها هي. هرع إلى الباب، إلا أنه ما لبث أن تباطأ في مشيته. دعا الطارق إلى الدخول. دخل. كانت هي. استقبلها بابتسامة لم يستطع أخفاءها. سار باتجاه الكنبة. أراد أن يضطرها إلى الجلوس قبالته، أو إلى جانبه. وأضمرَ أن يكون ذلك امتحانًا لها. فإذا جلست إلى جانبه، كانت قريبة منه وأرسلت إليه رسالة مودة هو أحوج ما يكون لها. وإذا جلست قبالته، أرسلت إليه رسالة أخرى... كل موضع تتخذه، في كل الأحوال، سيكون رسالة خاصة هو يفهمها أكثر من أي إنسان آخر.

ثوانٍ مضت. وكان هو يتكئ على مخدة الكنبة، فيما هي تتخذ مجلسها على كرسي قبالته. رفت ابتسامة على وجهه. هي من النوع المتحدّي إذًا. فقد اختارت أن تجلس قبالته جلسة الند للند. هي تريد أن تناقشه. أن تستمع إلى رأيه وأن تقول رأيها. ألم يقل إنها تشبهه؟ فعلاً هي تشبهه. لو كان هو مكانها لما فعل غير ما فعلت، ويوم ذهب إلى ذلك الكاتب في بداياته الأولى، قبل ثلاثين عامًا، اتخذ مجلسه قبالته وليس إلى جانبه.

يرسل نظرة إليها. يريد أن يكتشف المزيد. يسألها عما تريد أن تشرب. تجيبه: لا يهم، أشرب الموجود. وتستدرك: ما تريد أن تشرب أنت. ابتسامة عريضة تلوح وجهه. يدرك من ردّها أنها تريد أن تتحدّث. ومن استدراكها أنها لا تريد أن تضايقه، بل ربما تريد أن تجامله.

تسأله فجأة عن رأيه في كتابها. يحار في الإجابة. لقد قال لها كل ما خطر على باله من آراء حول ما قدمته إليه للقراءة أثناء مهاتفته إياها، فماذا يقول لها الآن وهو لا يوجد لديه ما يضيفه؟! يردّد ما قاله. يتنكّر لما وعدها به من الإدلاء برأي متكامل حين تأتي. أيخبرها أنه قال كل ما أراد أن يقوله في مكالمته الهاتفية معها، وإنه دعاها كي يراها وكي يواصل حديثًا جديدًا وجدّيًا معها، انتظره منذ ولدته أمه ومنذ وضع خطواته الأولى على هذه الأرض التي أحبها. ودون أن يشعر بأنها هي بادلته الحب، اكتفى بأن يكون مُحبًا وبأن يستمتع بمشاعر المحب؟! واتسعت ابتسامته. كم هو غبي لو قال مثل هذا الكلام. ليتهرَّب إذًا. ليتهرَّب. الهروب "ثلثين المراجل". أهرب، لكن إياكَ أن تُشعِر من قبالتك بأنك تهرب. اهرب وأشعرها بأنك ما زلت واقفًا مكانك مثل جبل ما تهزّه ريح!

يضع فنجان القهوة على المنضدة أمامها، ويتناول فنجانًا آخر. يدنيه من شفتيه. يتعمّد أن تلامس شفتاه حافة الفنجان، وكأنما هي نسمة خفيفة خفيفة. تتناول فنجانها. تشعر بما يفعله. هكذا يبدو على الأقل. تخبره أن ما يلفت نظرها فيه هو رقته اللامتناهية. تتجرّأ فتسأله ما إذا كان هكذا رقيقًا مع جميع الناس. فيفاجأ بالسؤال. بجرأتها تحديدًا. يفقد توازنه، ثم يستعيده بسرعة. الرقة أمر مطلوب. نحن يجب أن نكون رقيقين مع المحيطين بنا وألاّ ننغّص عليهم. يكفيهم ما تنغصه عليهم الحياة في بلدتنا وفي بلادنا بصورة عامة. الحب أصبح في بلادنا عملة نادرة، فإذا ما غاب الحب، سلكنا طريق الرقة على الأقل.

تبتسم. توحي ابتسامتها بنوع من سخرية. يدرك أنها فهمت أن كلامه ما هو إلاّ جمل إنشائية. يستدرك: أنا أفهم أن الواحد منا يجب أن يخفف عن الآخر. ويقذف ما أعدّه منذ طرحت سؤالها باتجاهه مرَّة واحدة: لستُ رقيقًا بالطبع مع الناس جميعهم. أنا رقيق مع من يجب أن أكون رقيقًا معهم. ثم إنني لا أستطيع أن أكون رقيقًا وصادقًا مع إنسان مراوغ كذاب، وأفضل الابتعاد عنه.

يستند إلى مخدة الكنبة. يشعر بها صلبة أكثر مما كانت في أي يوم آخر.

يتوجه إليها:

-        القهوة مرّة. مؤكد أنك تحبينها هكذا.

يواصل وهي تهز رأسها موافقة:

-    قد تستغربين كيف عرفت أنك تحبين القهوة المرّة، إلاّ أن استغرابك سيزول إذا ما قلت لك إنني لمست وجوه تشابه شديدة بيننا. أنا أحب القهوة المرّة، وأنت كذلك.

يتوقف عن التحدث فجأة. هي لم تتحدث منذ دخلت إلا بكلمات. لماذا؟ عليه أن يعرف، وإلا تحول في نظرها إلى مجرّد كاتب ثرثار. المعرفة هي ما يمكن أن يردعنا عن التمادي في الخطأ. ليستطلع السبب، وعلى ضوء إجابتها يواصل.

يسألها لماذا هي لا تتحدث؟ تفضل الصمت؟

تجيبه لأنها جاءت كي تستمع إليه.

يشعر بأنها تطالبه بأن يدلي برأيه في كتابتها، رغم أنها استمعت إلى رأيه. يتساءل: أتكون فهمت كل ما جرى، وتتصرف على ضوئه؟ يقرر أن يكتشف أين هو يقف. يتوجّه إليها، يسألها وهو يرسل نظرة استطلاع باتجاهها:

كيف عرفتِ أنني أحب أن أكتب رواية؟

تبتسم.

-    ولو أستاذ. واضح من عزلتك هنا في مكتبك. أنت لا تزور ولا تُزار. تريد أن تكون مع نفسك مثل متعبد يريد أن يصل إلى ربه بحبس نفسه. أنت تعذب نفسك، تريد أن تكتشفها في العذاب.

تنقبض ملامح وجهه العربي الأسمر الملوح بشمس الصحاري. ذكية. ألم أقل إنها ذكية؟! إنها تشبهني . كل شيء يلفت نظرها. تعيش أحاسيسها وتفكر بها. لا تفوتها حركة ولا فائتة. ترى ما لا يراه الآخرون رغم أنه قبالتهم وتحت أنظارهم. هذه هي الصفة المميزة للإنسان المبدع. هو يختلف عن الآخرين بأن الدنيا تعيش فيه أكثر بكثير مما هو يعيش فيها. أخطأ التعبير. ليعد عليه.. العالم يعيش في داخل الإنسان المبدع بنفس القدر الذي يعيش فيه هذا الإنسان في العالم. الصبية قبالته مولودة كاتبة، وما يلفته فيها أنها تلتفت لكل شيء وتريد أن تكتشف كل شيء. ليتابع الحديث معها على الإيقاع ذاته. ليواصل اكتشافه لهذا العالم الماثل فيها.

-        وهل تراني أستطيع أن أكتب رواية؟

تتفرّس فيه:

-    ماذا تقول أستاذ؟ بالطبع أنت تستطيع. كل هذه الثقافة والاطلاع وتتساءل عما إذا كنت تستطيع؟! إذا كنت أنت تقول مثل هذا الكلام، ماذا بإمكان صبية غضة غريرة مثلي أن تقول؟ وكيف يكون لنا مستقبل في هذه البلاد التي تغتال لغتنا وتقتل إنساننا. الكتاب هم الذين يصنعون المستقبل. الفن هو رسالة الشعب إلى العالم، والمؤمنين إلى الله.

تشعر أنها تمادت في إلقاء خطبة، ليس من حقها أن تتمادى في إلقائها أمام كاتب أرادت أن تستمع إلى رأيه في كتاباتها؟ تتوقف عن الكلام. يعجبه كلامها، فهو "يحك على بيت جرب لديه". يحاول استفزازها إلى أقصى درجات الاستفزاز. يحاول أن ينسيها مع من هي جالسة، أو أن يفجر طاقات شبابها، شبابه فيها. يتوجه إليها:

-    لكن تاريخ الرواية شنيع في بلادنا. توجد لدينا بعض من الرويات التي أنتجها روائيون هواة، أرادوا أن يفرضوا أنفسهم على العالم، ففرض النسيان نفسه عليهم. والنتاج القليل الذي بقي بالواسطة، ما هو إلاّ تقليد لأعمال غربية.

تنسى نفسها. تنبري له. تهتف به:

-    ها أنت ذا تضع يدك على الوجع. هذا ما يوجعك في رأيي. أنت تريد أن تضع يدك على أسّ المرض. أنت تريد أن تضيف جديدًا إلى حياتنا. تريد أن تكتب روايتنا. هذا ما يقلقك. تريد أن تكتب رواية عربية، تحكي عن العرب الذين تبقوا تحت حكم إسرائيل بعد ضياع فلسطين. لهذا أنت تقول إن من كتبوا روايات هم من الهواة أو من مقلدي الغرب في أفضل حالاتهم. وتدعم رأيك بأن ما فرض نفسه من روايات بالواسطة. وأنا أوافقك على هذا، إنما كان أصداء لروايات أوروبية.

تترك فنجان القهوة على المنضدة أمامها. تنسى أنه هناك. يحاول أن يلفت نظرها إلى الفنجان كي تحتسي منه قبل أن يبرد. تواصل حديثها:

-    أنا  معجبة بك أستاذ. منذ أيام الابتدائية والثانوية وأنا أقرأ لك. قرأت كل ما وصل إلى يدي من نتاجك الأدبي. أنت الكاتب المثقف الوحيد في بلادنا الذي يستطيع أن يرسي دعائم الرواية. أنت تستطيع أن تكتب. هذا ما فكرت به دائمًا، وهذا ما تأكد يوم أتيت إليك. أنت تعرف كل ما يدور حولك. ماذا تحتاج الرواية أكثر من هذا كي تكون؟!

وغرست عينيها فيه:

-    أستاذ، اكتب. الآن ابدأ. ابدأ الآن. أريد أن أقرأ لك شيئًا. أكتب اليوم قبل الغد. أنا متأكدة أنك في عمر الروايات الجميلة. وإذا كنت لا تريد أن تكتب رواية طويلة، اكتب رواية قصيرة. فجّر فيها رؤيتك للواقع. كن جريئًا، لا تخَف. الخوف هو الذي قيد أبناء الأجيال الماضية في بلادنا. والخوف هو الذي منع التقدم في حياتنا وفي روايتنا الأدبية خاصة.

نسيت نفسها وواصلت غرس عينيها فيه:

- أنا لا أعرف لمَ يخشى الناس في بلادنا. ومن أين يأتي خوفهم حتى يشل حركتهم. أسوأ مما نعيشه في هذه البلاد، تحت حكم أجنبي غريب رضينا به ورفض أن يرضى بنا، لا يوجد. فعلى ماذا نخاف؟ إن حالنا مثل حال أولئك الذين يعيشون أسوأ الظروف ولا يريدون تغييرها، أو حتى التفكير في تغييرها، بسبب الخوف. وأنا أتساءل: على ماذا يخشى العبيد؟ وكل ما يمكن أن يخسروه هو القيود التي وضعها الآخر المستفيد في أيديهم. تحرَّك أستاذ. أنت لن تخسر سوى قيودك، وسوف تربح العالم، وإذا لم تخسر أو تربح ستبقى مكانك.. تحرّك، اسمع مني!

صمتت. وأخفض رأسه. كان يفكر في كلامها. إنه عين الصواب. قبل قليل كان معلمًا، وها هو يتحوّل إلى تلميذ، ولا بد له من الاستماع إلى من قبالته، إلى كاتبة شابة علمتها الأيام أن المطالب لا تُنال بالتمني وأن الدنيا تؤخذ غلابا. هو يعرف هذا الكلام، وقد قاله ألف مرة لنساء ورجال يئسوا من تحقيق الأماني. فلماذا هو ينفعل به كلّ هذا الانفعال؟ لماذا حين تأتي صبية في عمر الورد وتقوله له، يتأثر به كل هذا التأثر؟ ترى أيكون هذا بسبب أنه تحدث طوال السنوات الماضية إلى الآخرين، ولم يتحدث إلى نفسه، إلى ذاته المتعبة؟! هذا هو الأرجح والأقرب إلى الواقع. قد يكون هذا هو الواقع المر الذي أفضى به إلى اختيار العزلة. وقد يكون مجيء هذه الصبية، المرأة الرائعة، إليه في هذا الوقت بالذات هو البلسم الشافي لجرح عمره خمسين عامًا. وكان لا بدَّ له من أن يقبل بدور التلميذ المعلم. أن يستمع إلى كلام منها، هو ذاته قاله طوال عمره للآخرين. كان لا بدّ من أن يستمع إلى صدى صوته كي يتعلّم منه، وربما كي يتأكد من مصداقية صوته الذي ابتدأ يكتشف أنه كان طوال عمره بعيدًا عنه، باستثناء لحظات نادرة. بعيدًا عنه بنفس القدر الذي اعتقد به أنه قريب. وتوجه إليها يسألها عما يمكن أن يكتب، فتدفقت مرة أخرى:

-    أهذا سؤال يُطرح أستاذي؟ بلادنا هي بلاد العجب. بلاد ألف ليلة وليلة. بلاد الخيال والحرمان. الأجانب أتوا من بلادهم وما زالوا يأتون إلى بلادنا كي يكتشفوا العالم فيها، وأنت تقول عمّا تكتب؟ كل موضوع يمكن أن يكون موضوعًا لرواية، يمكن أن تهز قلب العالم وضميره. أكتب عن موضوع القهر القومي، عن سلطة مركزية تتعامل معك كإنسان من الدرجة الثانية. أكتب عن تفسّخ العائلة العربية أمام قوانين غريبة عن ثقافتها. أكتب عن عذابات أبي زيد الهلالي التي لا تقل عن عذابات روبنسون كروزو. كل موضوع، أستاذ، يستحق أكثر من رواية.

واشتعلت حماسًا:

-    أكتب أستاذ عن رجل ترك عائلته واعتزل العالم، افتعل الخلاف مع كل المحيطين به، كي يكتب روايته ويعيش عذاباته ليل نهار، على أمل أن يعطي شيئًا ذا معنى لنا نحن العرب في هذه البلاد. أكتب عن رجل حلم خمسين عامًا، وربما أكثر قليلاً، واكتشف أخيرًا أنه لا يعيش الحلم بقدر ما يتحدَّث عنه.

وواصلت كلامها. لم يعد يسمع. جملة واحدة استقرّت في ذهنه: "اكتب عن رجل تحدّث عن الحلم دون أن يجرؤ على معايشته". ترى، أتكون هذه مشكلة حياته؟ أيكون تحدث طوال عمره، مثلما فعل الشاعر المصري حافظ إبراهيم في السنوات العشرين الأخيرة من عمره، ولم يفعل شيئًا. ما أتعسه إذا كان الأمر كذلك. ما أتعسه إذا كان اكتفى بالكلام، وعزف عن الحياة فعزفت عنه.

لاحظت صمته:

-    بماذا تفكر أستاذ؟ بكلامي؟ أعرف أنك تفكر بكلامي. أعرف، لأنني كنت أتحدّث إلى نفسي وأنا أتحدّث إليك. أنا أيضًا أريد أن أكتب روايتي. لهذا أتيت إليك. أنا أيضًا قضيت سنوات الدراسة وأنا أتحدث دون أن أخطو خطوة واحدة باتجاه تحقيق الحلم. وها أنا ذي أكتشف أن الحلم يبقى مجرّد حلم نتحدّث عنه، في أحسن الحالات، ما لم نسعَ إلى تحقيقه.

صمتت. لاحظت أنه يواصل صمته. بدا أن ما لاحظته سرّها. تشجَّعت:

-        أعرف بماذا تفكّر.

كان يعرف ماذا تريد هي أن تقول. لأنه بات مثل صفحة مكشوفة أمامها، بإمكانها أن تقرأ فيها كيفما اتفق. سألها:

-        بماذا أفكّر؟

ردَّت بتصميم:

-        أنت تفكر فيَّ. ما رأيك في أن أكون، أستاذ، أنا روايتك التي تحلم بكتابتها؟

وخيّم الصمت على المكان. لم يعد لديه ما يقوله لها. فقد كشفت كل ما بداخله. حتى هذه الجملة الأخيرة، فكّر فيها. فهل ستكون هي روايته حقًا؟ هل جاءته في ذلك الوقت بالذات كي تفجر حلمًا احتبس خمسين عامًا، وآن له أن يخرج إلى العالم؟

الأيام القادمة ستجيب عن هذا السؤال وغيره.

***

بقي يفكر في اقتراحها أن تكون روايته التي يكتبها حتى ساعات المساء. وكان أكثر ما يشغله هو السؤال الذي خطر على باله حين سألته أترى هل تكون هي روايته؟ هل تكون شابة في العشرين روايته؟ ولماذا لا تكون امرأة في الخمسين؟ وهل ستعيده هذه الصبية الشابة مدّة ثلاثين عامًا إلى الوراء، كي يبدأ من حيث أضاع أحلامه؟ هل تساعده في أن يرتبط مع تلك الفترة وكأن الثلاثين عامًا من النوم انتهت مع مجيء هذه الشابة، وانتهت آمادها المتعبة!

هل ستكون روايته؟ واستبعد أن تكون امرأة في مثل سنه أو أكبر، لأن من هي في مثل هذه السن توجد لديها أحزان وخيبات أمل لا تقل عما لديه. هذا مع علمه الشديد أن المرأة دائمًا كيان ينبض بالحياة، وهي في كل حالاتها تصلح لأن تكون "جميلة نائمة" أو "عاهرة ذات ذاكرة حزينة".

الأشجار أمامه، عبر النافذة المطلة على الحي المتعَب، حكت له الحكاية من بدايتها إلى نهايتها. ومنذ وقعت عينه على تلك الشجرة متغيرة الشكل، وهو يراقبها ويفكر أن يسجّل حالاتها كلها ضمن شريط من الصور. كان من الغباء أن يسأل نفسه، أو حتى الآخر، لماذا هو اختار هذه الشجرة؟ ثم ألا يمكن أن تكون هي التي اختارته؟ وما المهم في هذا كله، أن أكون قد اخترت أو اختارني الآخر، المهم أن الاختيار تم، والأهم أننا ينبغي أن نتعامل مع الواقع كما جاءنا. فإذا ما جاءنا وفق ما أردنا وتمنينا، سعدنا به. وإذا خالف توقعاتنا، جعلناه يمر وأعددنا أنفسنا لانتظار واقع آخر لا بدَّ أن يأتي، طال الزمن أو قصر!

وعاد إلى كنبته. كان أشبه بأسير يريد أن ينعتق، أن يحلق في أجواء هذه المدينة التعيسة. هذه المدينة ذات الأفق الواسع إلى حد الضياع، والضيقة إلى حد التساؤل.

مخدة الكنبة استفزتهُ. فتوجَّه إلى الباب. ربما يأتي من يتحدث إليه، من يخبره بما حصل. لم يكن أحد هناك. وكان المساء يريد أن يحتضنه. لأول مرة، منذ ثلاثين عامًا، يشعر بقدرته على التحليق في أجواء جديدة. ترى، أيكون هذا بفضل تلك المرأة، وبفضل ما طرحه من سؤال ربما بطريق المداعبة؟

عاد إلى الكنبة. أغمض عينيه. إنه يحسّها ملء ذاكرته وفي اتساع أفق خياله. هي تبقى امرأة وهو يبقى رجلاً. وتصور نفسه يعانقها. وتذكّر السؤال ما إذا كانت ستصبح روايته. وافترشت وجهه ابتسامة واسعة. فهل سيدخل في قصة حب مع رواية؟ وإذا لم يفعل، فكيف ستكون هي روايته؟

 

وكان لا بدَّ أن يراها مرة أخرى. لكن كيف؟ في المرة الأولى اتصل بها وتذرَّع بأوراقها كي يلتقي بها. بماذا سيتذرّع هذه المرة؟ الشاعر العربي القديم يقول في موقف مشابه: "ما كان أكثر علاّتي وأسبابي". وعند من يقع في غرام امرأة، أو رواية، لا بدّ أن يُكثر الأسباب ليكون اللقاء.

تناول سمّاعة التليفون. فأي سبب سيكون وجيهًا في لقائهما. لكن لماذا هي لم تحدد موعدًا للقاء، وفضلت أن تنصرف ضاربة بوَقْعِ عقبيها على بلاط الرحيل؟ تراها أرادت أن تشعل نارًا وتقدح زند رواية؟ ربما كان الأمر كذلك. طيب، إذا كان هذا هو واقع الحال، فلماذا لا يلتقيبها؟ لماذا لا يوجه إليها ما يقلقه من أسئلة؟ وهو من يعرف أن يوجه الأسئلة ومن يعرف ما يريد أن يعرفه من أجوبة، من دون أن يدخل في سؤال وجواب على طريقة المحققين الإسرائليين. هو يعرف كيف يعرف. هذه هي ميزته. وربما هذا ما جعله كاتبًا. فهو دائم التفكير فيما وراء الكلام، وليس في الكلام ذاته. وهو يعرف أيضًا أن اللغة لا تنقل سوى عشرة في المائة مما نريد أن نوصله إلى الآخرين. المتبقي يعتمد على الحركات، في الجسد أو العين.تواصله مع الآخرين يتم عن طريق الإحساس وليس بواسطة الكلام. المهم أن يجمعهما مكان، وأن يجلسا، ولو صامتين، حتى يفهم عليها، وحتى يحظى بما أراده من أجوبة.

في صباح اليوم التالي رن في مكتبه التليفون. وجاءه صوتها دافئًا متموجًا مثل رواية. سألته: أين هو، وهل ابتدأ بكتابة الرواية.

ولم يردّ عليها. سألها متى يراها. فردَّت: بعد ساعة.

في العاشرة سمع طرقًا بات يميّزه جيدًا على الباب. إنه طرقُها. وسوّى مجلسه. دخلت إليه مثل عاصفة، فاحت رائحتها الطيبة في أجواء الغرفة. ما أفقر الأماكن بلا نساء.

اتخذت مجلسها قبالته. سألته إذا كان قد ابتدأ الكتابة في روايته. وتهرَّب من الإجابة. إذ كيف يبدأ وهو لمّا يرها بما فيه الكفاية. ألم نتفق على أن تكوني أنتِ روايتي؟ أراد أن يدخل إلى أعماقها أكثر:

-        أإلى هذا الحد أنتِ تفهمينني؟ أإلى هذا الحد تعرفين ما يقلقني في هذه الحياة؟

فهزَّت رأسها علامة الموافقة. فاندفع أكثر:

-        لكننا لم نلتقِ سوى مراتٍ محدودة.

فانبرت ترد عليه:

-    لا تقل هذا. نحن التقينا كثيرًا. أنسيت أنني منذ دراستي الابتدائية وأنا أتابع كتاباتك؟ وأقرأ كل ما تصل إليه يدي منها؟ ثم من قال إننا ينبغي أن نلتقي كثيرًا؟ أحيانًا تكفي مرة واحدة حتى يشعر الواحد منا أنه يعرف الآخر منذ آماد سحيقة.

صمت. صمت خيَّم على الجو. هذه الكلمات البسيطة المعبرة حكت عن كل ما يمكن أن يقال. كأنما هي تقرأ في صفحات قلبه. هو أيضًا يشعر أنه يعرفها منذ زمن وأنه التقى بها. لكنه لا يعرف أين.طيب، إذا كان الأمر كذلك، إذا كانت هي قد قرأت كتاباته وتعرَّفت إلى نبضات قلبه منها، واستشعرت أحلامه وآماله، ونزوعه الشديد إلى كتابة رواية تكون من هنا وإلى هنا، من فلسطين وإليها، فما الذي جعله يتعرف إليها؟ ولم يجد تحليلاً سوى المودة المفاجئة. هذه المودة، حينما تأتي إلينا، تجعل الواحد منّا في حالة تساؤل لا نهاية لها، وفي واقع يقدم الإجابة تلو الأخرى، دون أن نطلب. هي تودّه إذًا. هذا أمر لا ريب فيه، وإلا لما كان هو فكّر فيها كل هذه الفترة. إن الواحد منا يفكر بالآخر بنفس القدر الذي يفكر الآخر به. المعادلة الآن واضحة. إذا كان هو يفكر بها كثيرًا، وهذا هو الواقع، فإنها هي أيضًا تفكر فيه. وهذا ما يريد أن يعرفه، أو أن يتأكد منه بالأحرى.

يرسل نظرة الى وجهها. جمالها الشرقي ينسيه ما لاح على شفتيه من أسئلة. فيشعر بتلبّك. غير أنه سرعان ما يخرج:

-        أتعرفين كم أفكر في روايتي؟

-        أعرف.

-        كم؟

-        منذ وًلِدتُ أنا... قبل عشرين عامًا.

-    ألا تعتقدين أن من شأن فترة كهذه أن تقتل أي تفكير، وأن تحعله عادة يومية نمارسها في أوقات فراغنا، ونمضي إلى اليوم التالي كي نعاود الكرّة؟

-    هذا الكلام صحيح بصورة عامة. أنت حالة استثنائية. أنت شخص يمتلك حلمًا. وأصحاب الأحلام لا يملّونها، لأنها تُصبح مع مضي الوقت مبرّرَ وجودهم ومعناه. الناس العاديون يمارسون الحلم للحظات، أما من هم أمثالك من الكتاب الذين يريدون أن يتركوا بصماتهم على تاريخ أرضهم وسمائهم، فإن الأمر يختلف...

كلامها يشحنه بالقوة. يُشعره بأنه مختلف. وهذا ما أراده بقصد وبغير قصد طوال سنوات عمره الماضية، ويقول له بعبارة لا لبس فيها: إنك سرت في طريق صحيح ولا بدَّ لك من المواصلة، لأن من هم مثلك قلة في كل زمان ومكان. ورنَّت كلمتها في خاطره: "أنت صاحب حلم". حقًا هو صاحب حلم. ومنذ جاء إلى هذه الدنيا وهو يشعر أنه سيفعل شيئًا. الكثيرون من أصدقائه اتهموه بأنه مجنون. وأحد أصدقائه الصحفيين قال، دون أن يذكر اسمه، إنه مجنون. وحينما جاء صديق ثالث يعمل في الصحيفة وأطلعه على ما كتبه عنه صديقهما المشترك الصحفي، هتف به دون أن يفكّر: ومن قال له، ولكَ، ولكل الدنيا، إنني أريد أن أكون عاقلاً؟ ليهنأ هو بالعقل. لينضم هو إلى العقلاء.. أولئك الذين يقيسون كل شيء بمقياس الربح والخسارة، ويكتشفون في النهاية أنهم كانوا طوال زمانهم الماضي قياسيين، ولم يعيشوا حياتهم بأية من الحالات.

وها هي، ها هي صبية في العشرين من عمرها، لا يعرف ما إذا كانت كائنًا بشريًا أو رواية، جاءت من مجاهل الحلم، ها هي تأتي لتفجر ما بداخله ولتباركه في عالم المجانين، كاتبًا يضيف إلى الحياة رواية، ولو قصيرة، تمهد الطريق لرواية أفضل، يكتبها مجنون آخر، وتساهم في بناء تراث لا يمكن أن يكون إلا إذا ساهم في بنائه مجانين لا يكفّون عن الحلم!!

شعور بالفرح يغزو وجهه. يسألها مرة أخرى:

-        أإلى هذا الحد أنتِ تفهمينني؟

فتهز رأسها:

-        وأكثر.

-        وهل أنتِ معي؟

-        دائمًا.. إلى الأبد. ألم توافق بعد على أن أكون روايتك؟

تجاهل السؤال، وسألها بحزم مجنون:

-        متى سأراكِ؟

فردّت ببطء رواية:

-        دع هذا للأيام.

وخرجت تاركة إياه نهبة للحَيرة.

***

 

فعلاً هي تركته نهبة للحَيرة. إلا، إنه هو الكاتب الكبير، يعرف أن يتخلص من حيرته، أن يخرج منها بأقل ما يكون من انشغال. توجد لديه أكثر من طريقة. أفضل هذه الطرق أن يتعمق في حيرته. أن يغوص فيها وأن يواجهها. فقد يكون ما بعث على الحيرة غير ذي شأن. ثم إن عليه، قبل هذا وبعده، أن يبحث عن الإيجابي في السلبي. وكان عليه من أجل أن يتعمق في حيرته أن يواجهها، فلماذا هو احتار؟ احتار لأنها قالت له: "دع أمر لقائنا للأيام". وهو احتار لأنها لم تعطه موعدًا. وابتدأ الكاتب بالتحليل. "دع هذا للأيام" تحمل أكثر من معنى منها. لا تتعجَّل، في الوقت متسع ، ونحن سنلتقي، هذا مؤكد. علامَ إذن هو حائر؟ ترى، أيكون ذلك لأن كلمة "دع" تعني أترك الأمر، لأن وراء الأكمة ما وراءها، ولأنني مرتبطة بهذا الشكل أو ذاك بإنسان، وليس من السهل التخلص منه. وعادت الحيرة بحدّة أكثر تطرق أبواب عقله. لكن لا، لا، لا يمكن أن يكون الأمر كذلك. ولا يمكن أن تجري الأمور على هذا النحو. فقد أكدت له أكثر من مرة، وفي أكثر من إشارة نسوية ذكية، أنها ستكون روايته إذا ما قبل. هي ستكون روايته هو، ولن تكون رواية بشر، مهما بلغ شأنه. وإذا كان هنالك في هذه البلاد مَن حلم بها أكثر منه، فهي حلال زلال عليه. أما إذا كان هو الحالم الأكبر، في الناصرة وإسرائيل والشرق الأوسط، فمن حقه أن تكون روايته له، وألاّ يشاركه فيها أحد.

عند هذا الحد من التفكير استنفرته حالة من الارتياح، فاسترخى على الكنبة في المكتب، وكان خيالها يداعبه ويراوغه، حينًا يقترب منه وآخر يبتعد عنه – وكان هو يبتسم لما يحصل له. وهل يوجد هناك في العالم من هو أقدر منه على التعامل مع الخيال؟ لقد ركض وراء الخيال، المرأة، الرواية، ثلاثين عامًا.. وها هي تأتي في هذه الأيام. ها هي تأتي كي تبعث الآمال المندثرة من جديد. ما أحلى أن يأتيك ما لم تزوّد، وأن يفجر أحلام العمر في لحظة واحدة فـتمتلئ غرفتك بالبالونات الضاحكة المبتسمة. ترى هل سيصيبه ما أصاب دستوفسكي يوم بلغ الستين؟ وانهال عليه الكلام من كل حدب وصوب، فجلس يكتب ويكتب أثناء الليل وفي رائعة النهار، وكأنما هو في سباق مع الزمن، وكان يكتب إلى أقربائه عن حمى كتابته هذه قائلاً: إنني في الستين، وكل ما أتمناه هو أن أعيش عشر سنوات أخرى كي أسجل ما في خاطري!!

هل ستصيبه حالة مثل هذه الحالة؟ على أية حالة، يقولون إن الأنسان، الكاتب الروائي، يبدع عادة فيما بعد الأربعين من عمره. هذا ينطبق على معظم الكتاب في العالم، ابتداء بحنا مينا وانتهاء بجوزيه سراماجو، مرورًا بالكثيرين من أمثال أميرتو إيكو.

يدنو من الكنبة أكثر. كلما دنا من الكنبة تذكرها. وجهها يبتسم له. ما أجمل الشرق في هذا الوجه. ما أحلى هذين الحاجبين. لو تركتهما يغلظان قليلاً لبدت مثل أميرة خارجة من قصر هارون الرشيد، في ألف ليلة وليلة. على كل حال سيقول لها هذا الكلام حين تسمح الظروف.

وتقلّب على الكنبة. روايته ستكون شرقية الملامح. بالضبط بالضبط. ستكون هي تلك الكاتبة الشابة لا غير. سبفجر فيها همومه الشخصية وهمومه العامة. لن يترك شاردة ولا واردة إلاّ ويسجّلها فيها. ستكون رسالته إلى نفسه، ورسالته إلى العالم، بما فيه أهله والمحيطون به. وبما أن رسالتنا إلى العالم يجب أن تقدمنا أفضل تقديم، عليه أن يتعب على رسالته، روايته، كاتبته الشابة. عليه أن يطوّل روحه وألاّ يستعجل الأمور. الجمال لا يكون إلا بالإكمال. أبوه أوصاه بألاّ يقترب من الثمار الفجّة، وأن يتنتظر حتى تنضج. النضج هو غاية الثمار الطيبة. فكيف يكون الحال في "ثمرات الأوراق"؟ ليتأنَّ، ليطوِّل روحه!

ويتوقف عن التفكير. يشعر بصوت يخرج من أعماقه. لقد اعتاد على هذا الصوت كلما وصل إلى طريق مسدود أو معارضة شديدة من إنسان آخر في داخله يراقبه ويحصي عليه حركاته. يقول له الصوت: علامَ تتأنّى؟ ولماذا تطوّل روحك؟ المرأة، الرواية تطرق بابك وأنت تطلب من نفسك أن تتأنّى. لقد تأنيت ثلاثين عامًا، فماذا أفادك التأني؟ وبماذا عادت عليك طولة الروح؟ ثم ألم يكن الأجدر بك أن تحذو حذو همنجواي وأن تحمل نفسك وأنت في العشرين على أن تكتب روايتك الأولى، على اعتبار أن الكثيرين من أبناء جيله كتبوا في تلك الفترة رواياتهم الأولى؟! اسمع جيدًا. الفرصة تأتي مرة واحدة في العمر. صحيح أنها قد تتكرّر، لكن ليس بنفس الطريقة ولا بنفس الرائحة واللون. اغتنم الفرصة. أم أنك تنتظر أن تأتي هي وتسلمك نفسها؟! اسعَ إليها يا أخا العرب، وإلاّ فإنها ستفرّ مرة أخرى. ثم كم ثلاثين من الأعوام تبقّى في حياتك؟ أنت لا تعرف أنك تغامر في السنوات الأخيرة، وعليك أن تكون حصانًا أصيلاً يجود في نهاية الشوط. اذهب إليها الآن، الآن وليس غدًا. خذها من يدها. قل لها أنا أكثر الناس احتياجًا إليك في العالم. احتضنها وعش فيها كي تعيش فيك.

***

عندما جاء المساء شعر بانقباض. إذا لم يرها الآن، لم تلامس يده يدها، لم ترفرف روحها حوله، فإنه لا يعرف ماذا سيحل به. ذلك الصوت حرّضه لدرجة أن شعر بجبن لم يشعر بمثله طوال حياته. واستنفره الصوت: قم. اسعَ إليها. هي بحاجة إليك أكثر مما أنت بحاجة إليها. أعطها وكن صادقًا، وهي ستعطيك وسوف تكون صادقة. المرأة، ومثلها الرواية، لا تسلم إلا لمن يصدق معها. الصادق مع المرأة يفوز دائمًا. الكاذب قد يفوز بها مرة واحدة، بعد ذلك تنبذه مثل الحذاء القديم المقطّع، وتتركه نهبة للشك في وجوده ولمرارات الحياة. اسعَ إليها يا صاح. هي سعت إليك في المرّة الأولى وتوقَّعت أن تسعى إليها في الثانية. وفعلتَ فجاءت إليك. هي تريد أن تتأكد من أنك تريدها لذاتها، لشخصها، وليس لأي سبب آخر. اسعَ إليها وسوف تكون لك امرأة أولى، ورواية أولى وعالمًا من اللازورد والنوارس، تحمل على أجنحتها رائحة البحار وأشكالها.

أسكرته الصورة التي رسمها له صوتها، دفعته إليها، فاندفع مثل عاصفة، بالضبط مثلما فعلت هي في زيارتها الأولى له.

اندفع واندفع واندفع. بعد ساعة بالضبط كانا يجلسان، هو وهي، كل منهما قبالة الآخر في مقهى "نشاز"، وكان كل منهما ينظر في عيني الآخر، يحتسي شراب الليمون ويوحي أن الوقت غير متأخر، وأنه بإمكاننا أن نبدأ. لقد كانا أسعد إنسانين، لولا دخول شاب حلق شعره على الصفر، دلالة على أنه مثقف!!

توقّف الشاب في مدخل المقهى، وراح ينظر في كل الاتجاهات، كأنما يريد أن يحدّد هدفه قبل الدخول. كان المقهى شبه خالٍ إلاّ من قلة من الزوار. وكانت الطاولات محاطة بالكراسي بصورة منظمة، وكأنما هي جزء من مسرح ينتظر الممثلين.

تقدم الشاب خطوة إلى الأمام. الكاتب الكبير يعرف ذلك الشاب، فقد التقى به للمرة الأولى حين جاء إلى هذا المقهى، ولفت نظره ذلك اللباس الذي ارتداه. كان يرتدي بنطالاً تمزق من بعض أطرافه، ويبدو جديدًا في الآن ذاته، وكان يضع حلقة في أذنه. يوم التقاه في المرة السابقة قدم له نفسه على أنه يحب الكتابة وله محاولات شخصية فيها، وسأله عما إذا كان قرأ الكاتب البرتغالي جوزيه سراماجو، فأخبره أنه لم يقرأه للأسف. فاقترح عليه أن يفعل، وهو ما فعله فيما بعد.

انقبض وجه الصبية وانفرد قبالة الكاتب. أراد أن يسألها عن سبب ما يحصل. تردّد. في هذه الأثناء تقدّم الشاب الأقرع من طاولة الكاتب وغمز بعينه:

-        أهلا بكما في نشاز.

ومضى دون أن يستمع إلى الرد. توجه الكاتب إلى صديقته الشابة:

-        أتشعرين بعدم الراحة؟

هزّت رأسها.

-        هل تعرف هذا الشاب؟

-        نوعًا ما. وأنت، هل تعرفينه؟

-        إلى حد ما.

هذا هو سبب التوتر إذًا. وها هي الأيام تأتيك بما لم تزود. ها هي اللحظة دنت كي تعرف في أي موقع أنت وفي أية ساعة. وكان من الواضح أن الكاتبة الشابة تريد أن تنصرف بأسرع وقت ممكن. سألها الكاتب:

-        ولماذا ننصرف؟ هناك متسع من الوقت، وبإمكاننا أن نجلس دقائق أخرى.

وقبل أن يتخذا موقفًا من البقاء أو الانصراف، دنا الشاب الأقرع من طاولتهما وبيده كباية كبيرة مملوءة بالبيرة.

-        كيف الحال؟ هل يمكن أن أجلس؟

وجلس قبل أن يسمع رأيهما.

-    الأجواء في هذه المدينة قاتلة. افتتحنا هذا المقهى لعلنا نشارك في التغيير. إلا أنه من الصعب أن تتغيّر هذه البلدة. لا شيء يمكن أن يتغيَّر. كنا نعرف منذ البداية أن التغيير صعب، إلا أننا فضلنا أن نخوض في غماره. هذا أفضل من أن نجلس وننتظر أن يأتي التغيير من الخارج.

وأضاف:

-        التغيير يأتي من الداخل، بعد ذلك يأتي التقدم.

وتوجه إلى الكاتب:

-        هل قرأت سرماجو؟

هز الكاتب رأسه علامة الإيجاب. فأضاف الأقرع يقول:

-    العالم كل يوم يتغير. سرماجو يحكي عن هذا. إنه ينتقد العالم ويسخر منه في الآن ذاته. الكتابة تغيّرت في عالم اليوم. أصبحت وسيلة للاستفزاز وليس للتفكير فحسب. العالم اليوم أصبح قرية صغيرة وبات يطالب بالجديد ليل نهار. لقد مضى الزمن الذي كان للرواية الواقعية.

رفعت الصبية حاجبيها الرفيعين:

 

-    عماذا تتحدث أنت؟ صحيح أن العالم أضحى قرية صغيرة، إلاّ أن الجديد، ومعناه يختلف من مكان إلى آخر، والجديد الذي يصلح في أوروبا قد لا يصلح في أمريكا بنفس القدر، ويكتسب هذا الكلام صفة التناقض إذا ما دار الحديث عما يسمى العالم الأول والعالم الثالث.

وردَّ الشاب:

-        هذا كلام مناقض للحداثة.

فردّت عليه بحزم:

-    عن أي حداثة تتحدث؟ الحداثة بمعناها الغربي ما زالت بعيدة عنا.صحيح أن ما يحدث في مكان ما في العالم يؤثر على آخرين في أماكن أخرى، بسببب وسائل المواصلات والاتصال الحديثة وما أحرزته من تطور. إلآّ أن الشخصية والهوية يبقيان من متطلبات الوجود في عالمنا الثالث.

-    انفرجت أسارير الكاتب الكبير. هذا الكلام أعجبه. قال له أنه يفكر بصورة صحيحة، وأن زمنه الجميل لا يمكن أن ينتهي ببنطال ممزق على الموضة وبحلَقَة في أذن رجل. فقال:

-        يتهيأ لي أنك من المتشيّعين للعولمة..

فقاطعه الشاب:

-        ولماذا لا أتشيّع لها؟

فردّ الكاتب:

-    تمهّل قليلاً. أنا استمعت إليك جيدًا، فاستمع إلي. العولمة تعني فيما تعنيه ظهور سمات عالمية للأشياء. هذا جيد إلى حد ما.لكن هل فكرت في أن العولمة هي بضاعة أمريكية، وأن الولايات المتحدة الأمريكية أرادت بها أن تجعل العالم على صورتها ومثالها؟ ثم ألم تفكر أن العولمة هي واحد من الأسلحة الأمريكية لضرب المساكين في عالمنا الثالث وجعلهم مستهلكين للمخزون من البضائع الأمريكية؟

رد الشاب بعنف:

-        هذا كلام رجعي يريد أن يكرّس الوضع القبائلي في العالم الثالث.

وتدخلت الصبية:

-        إن العولمة تسلبنا أمننا ووجودنا باسم السلام، وتسلب خيرات بلادنا باسم القوة.

وثار الشاب:

-        هي تعطينا أكثر مما تأخذ منا.

-        غير صحيح

-        وهل تريدينني أن أعيش في عصر اين المقفع؟ وأكتب رواية "حكايات سطيح" و "مقامات الهمذاني"؟

-    كلا لم أقل هذا. لكل فترة ملامحها. وما كان مقبولاً في الأمس قد لا يُقبل اليوم. الأدب والثقافة لا يعرفان الجمود. أنا لا أختلف معك في هذا. ما أختلف معك فيه هو إيحاؤك أن الإنسان والكاتب المبدع يمكن أن يبدأ من الصفر، وكأنما هو بلا ماضٍ وبلا هوية وتاريخ.

وصفق الكاتب بكلتا يديه:

-        هذا ما كنت أفكر فيه. أعتقد أن الوقت حان كي نعود من حيث أتينا.

نهض الإثنان وسارا باتجاه الباب، فتبعهما الشاب بنظراته وهو يقول: هل يمكن أن نراكما مرة أخرى؟

الجو في الخارج كان باردًا. التصقت الصبية بصديقها الكاتب. هو الآن يشعر بها أقرب إليه من أي يوم آخر. وهو يتأكد الآن من قربها. وكأنما هو عاش في شك طوال ثواني معرفته بها ودقائقها. إنها المرأة الأقرب إلى روحه وقلبه. مؤكَّد أنها روايته. مؤكَّد أنها تحدثت بلسانه أنها تحدثت بلسانه. قالت له دون أن تقول: إن ما مضى من أيّام، أسابيع، شهور وعشرات الأعوام، لم يذهب هدرًا ولا سُدى، وأنك كنت على صواب، لأن من يخلص لعالمه لا بدّ لهذا العالم أن يخلص إليه!!

الجو البارد جذب الإثنين إلى الجدران القريبة من أرصفة الشوارع. وهذه جذبت كلاً منهما إلى الآخر، فاقترب منه حينًا وابتعد آخر. وكان هو يحس بيدها تلامس يده، بقصد أو بغير قصد، فيشعر أنه سار في طريق صحيح وأنه واصل في النهاية إلى مبتغاه ومستقر روحه.

أنظارها تمتد عبر الشارع الطويل. تقول له وهي سائرة إلى جانبه، ودون أن تتوقف:

-        هل تعرف أنني أردت أن أخرج عندما دخل ذلك الشاب؟

يشعر أنه يعرف! إلا أنه بقي صامتًا. تتابع كلامها:

-        لقد أرادني أن أكون روايته.

انقبض وجهه، فقالت:

أعرف أن هذا يضايقك. على أية حال، هذا كان في فترة الضياع، أيام كنت أبحث عن نفسي. وقد رفضت أن أكون رواية إنسان يريد أن يكون بلا جذور، بادعاء أنه هو الجذور. أنا لا يمكن أن أكون إلاّ من هذه الأرض. في هذه الأرض جذوري وتاريخي، ولا يمكن أن أتنكر لها. أنا لم آتِ إليك مصادفة بالمرة، أنا لم أفعل هذا. أنا قرأتك بكل نبضة من نبضات قلبي، في الابتدائية والثانوية. أنا عرفتك كما لم يعرفك أحد. عرفت حبك الكبير لهذه المدينة الجاحدة. عرفت حبك لأمك، لأخوانك ولأهلك. أعرف أنك غاضب قليلاً لأن بلدتك لم تُعطِكَ شيئًا. لكني أعرف أنك أنت البلد. أنت من يعطي ومن يفرح بعطائه، فيأخذ المقابل أثناء العطاء وليس بعده.

أحسَّ أنها قريبة منه. أقرب من ظله إليه. أراد أن يضع يده على كتفها. أراد أن يقول لها: أنا لا أغضب وأنت معي تتدفقين بكل هذا الكلام. أنا لا أخاف ما دمتِ جئتِ. أنت جئت متأخرة نوعًا ما، لكنك جئتِ، وهذا هو عزائي. وسرى الدفء بينهما... كان كل منهما يقترب من الآخر، وكأنما هو يريد أن يصيره. وفجأة، باتفاق وبدون اتفاق، رددا معًا: لننطلق.

هذه المرة لم يسألا إلى أين. وانطلقا باتجاه المكتب.

***

في المكتب كان كل شيء يبتسم. الطاولة، الحاسوب، الأقلام، الأوراق، الصور المعلقة على الجدران، النافذه المطلة على الأشجار، الكرسي، وحتى الأرض!

شعور قوي، أقوى من أي شعور آخر كان في السابق جذبه إليها، إلى تلك الصبية الكاتبة. هي روايته. ولا يمكن أن تكون إلا كذلك. هي روايته هو وليست رواية ذلك الشاب الأقرع المتغرب، المبتعد عن جذوره وانتمائه. هي روايته هو .. هو..هو.. وليست رواية أي إنسان آخر. إنها صورة لشرقه هو ولأحلامه هو ولتطلعاته هو أيضًا.

ينظر في عينيها. يرى نفسه أجمل منه في عيني أي إنسان آخر. ما ينقصه هو أن تقول له احبّك، كي يكون جميلاً. لكن لا... لا.. هو لا ينقصه هذا الكلام وأمثاله، أن العيون تتحدث والحواجب المثمنة، وحركات الكتفين. إن الوجه الشرقي يتحدث، ولون هذا الوجه يصبح ساخنًا. إنه يحسه، يحسه يسري في دمه. أجمل وجه. أرق نظرات.

يخيم الصمت على المكان. هما الاثنان ليسا بحاجة إلى الكلام. كل منهما يريد الاقتراب من الآخر. يريد أن يقول له: أنا معك بروحي وفكري. كل منهما يريد أن يتجاوز كل ما سبق وقاله من كلام. يريد أن يتجاوز ذلك اللقاء في مقهى "نشاز". يريد أن ينسى، أن يعيش اللحظة الراهنة، وكأنما هي اللحظة الفريدة التي انتظرها طوال أيام عمره الماضية، بكل ما فيها من ثوانٍ، دقائق وساعات. يريد أن يقول كلامًا غير مألوف، هو أشبه بحديث الصمت. لكن هل يتحدث الصمت؟ بالطبع بإمكان الصمت أن يتحدث. لماذا نحن نلجأ إلى الحديث إذن؟ إننا نلجأ إليه حينما يضيق بنا الصمت أو نضيق به.

امتدّت يداهما معًا. لامست كل منهما الأخرى، تريد أن تقول لها: ها أناذي معك ورهن إشارتك. ها أناذي معك بالضبط مثلما أنت معي. لقد أثبت كل منهما، هما الهائمان في دنيا الخيال وأفاقها الرحبة، أنه للآخر. لا يهم أن يكونا معًا جسديًا، المهم أن يكونا كما هما بروحيهما. وضاق الصمت عليهما، فضاقا به. كان لا بد لأحدهما أن يتكلم.

تنظر إليه هي. تسأل بهمس منخفض، كأنما هي لا تريد أن يستمع إليه أحد آخر في العالم:

-        متى ستبدأ في كتابة روايتك؟

-        لماذا تسألين الآن؟

-        لأن كل ما أردته كان. أنا معك.

يصمت، وتتابع:

-        لقد أوشكت العزلة أن تأتي على روحك. إذا لم تقتلها سوف تقتلك. يجب أن تعرف أنني فعلت كل ما فعلته كي أساعدك في البداية.

-        أوافقك الرأي. أوافقك دون أي تحفظ. أنا ابتدأت بالاحتراق. أنا أريد أن تحترق روحي بنار العزلة كي أبدأ بالكتابة. أريد أن أحترق لأضيء.

-        ألا يكفيك ما حل بك من احتراق؟

-        لا أعرف.

-        بل أنت تعرف.

-        قلت لك لا أعرف.

واستلقى على الكنبة مُديرًا ظهره إلى العالم وإلى المكتب، وإليها هي أيضًا. كان يفكر في ذلك الشاب الأقرع. إلى أي مدى وصل في علاقته بها؟ هو شاب من أبناء هذه الفترة، مؤكد انه تمادى معها، وربما كان قد تمكن من إقامة علاقة معها من نوع ما. هو يختلف عنه تمام الاختلاف. ذاك الشاب يعتبر أنه في صراع مع العالم. هذا واضح من كل كلمة صدرت عنه. أما هو فإنه يعتبر أن صراعه مع نفسه، فهو لم يخرج من نفسه ولا يريد أن يخرج. إنه يعرف أن مواجهة الإنسان، خاصة الكاتب، لذاته، هي أصعب أنواع المواجهات، وإننا حينما ننتصر على ذواتنا إنما ننتصر على العالم.

أحس بيدها تمتد إلى كتفه بحنو لا حدود له. إنها يد الورد تمتد إليه، تريد أن تبعث فيه رائحة الياسمين في صباح مُندٍ.

تسأله:

-        ماذا بك؟

يتهرب من أفكاره كلها. يدير دفة الكلام إلى منطقة أخرى بعيدة. هو لا يريد أن يجرح الورد. يقول لها:

-        إنني أفكر في روايتي.

-        ولماذا لا تشرع بالكتابة؟

-        لأني لا أريد أن تخرج مبتسرة وغير ناضجة.

-        لكنك انتظرت طويلاً.

-        بالضبط، هذا ما افكر فيه. لقد انتظرت ثلاثين عامًا. ماذا يحدث إذا انتظرت قليلاً؟

-    يخيم بينهما صمت. هو يفكر في عالمه، وفي أكثر من سبب للحزن. وهي تفكر فيه. تفكر في هذا الحالم الأبدي، وفي إصراره أن يتواصل الحلم إلى ما لا نهاية. ماذا أصابه يا ترى؟ أيكون استسلم للحلم ونسي أن الحلم بلا تحقيق يبقى خيالاً، ويزول بزوال صاحبه من عالمنا. عيناها قالتا له: لا وقت! أرجوك أن تبدأ. لا وقت لديك تضيعه. اكسب الفترة الراهنة، فغدًا ستكتشف أهمية الوقت الضائع.

يخطر في باله أن تردّ عليه. تقول له:

-    إن تنتظر كل هذه السنوات لا يبرر أن تنتظر سنوات أخرى. أبدًا. أرجوك اكتب شيئًا. أي شيء. أنا متأكدة من أنك سوف تكتب رواية جيدة. إنك في سنوات النضج. أكتب. أرجوك!

 ينسى سبب حزنه. يدخل في حزن آخر. هو هكذا قضى عمره، تتقاذفه الأحزان. يستغرقه النقاش معها. يستولي على روحه وقلبه. ينساق وراءها. يقول لها:

-    هنا، بالضبط هنا، في التجربة المتراكمة، في السنوات، تكمن المشكلة. إنني أشعر باحتقان في رأسي. أخشى إذا ابتدأت من انفجار لا يفضي إلى شيء. إنني بحاجة إلى عدد من الفتحات في الذاكرة كي أخرج ما فيها دون انفجار.

-        تضع يدها على كتفه مرة أخرى:

-        هذا الكلام كان قبل أن آتي. أما الآن بعدَ أن أتيت، وبعد أن وافقت على أن أكون روايتك، لم تتبقَّ لك حجة واحدة – ابدأ، أنا معك.

-        هل أنتِ متأكدة من هذا؟

-        بالطبع، هل عندك شك؟

تذكّر ذلك الشاب مرة أخرى، إلا أنه سرعان ما انصرف عن التفكير فيه.

-        كلا، ماذا تقولين! إنني أفكر في أمر آخر.

وسألته في دلال:

-        بماذا تفكّر؟

وردَّ بحزم:

فيك. إنني أفكر في كل ما انهال عليّ بعد انقضاء نصف قرن من عمري. فها أنت ذي تقتربين مني، وها أنا ذا أبتدئ، لأول مرة في عمري بكتابة روايتي. إنني كثيرًا ما أفكر فيك، بل إنني أشعر أنك أصبحتِ مدار أفكاري. أنتِ معي في نومي وصحوي. في حلّي وفي ترحالي. وأنا أراكِ في كل ما تقع عيناي عليه. ولا أخفي عنك أنني مندهش لكل ما يجري. إن ما أشعر به هو شعور الإنسان على حافة سكين أو فوهة بركان. أعرف أني معك وأنك معي، ولا أعرف شيئًا في نهاية الأمر.  صدقيني، إنني أشعر أحيانًا أنك خيال جاءني في آخر الأيام، أراد أن يوقظني، لأعود بعد ذلك إلى نوم لا متناهٍ.

أدنت وجهها من وجهه. همست في أذنه:

-    هذا ما يدفعني للإلحاح عليك في البدء بالكتابة. اكتب أي كلام. لا تهم المساحة التي يمتد عليها. اكتب من قلبك، من أعماق قلبك. أنا متأكدة أنك ستكتب كلامًا صالحًا للقراءة، ويتخطى حدود المكان.

ما أجملها. ما أجمل هذه المخلوقة الشرقية السمات الرائعة. إنها تبعث الحماس في أطرافه، فتجعله كتلة من الشجاعة.

تمتد يده، غصبًا عنه، إلى كتفها:

-        أإلى هذا الحد يهمك أن أكتب؟

ويطلّ بريق من عينيها:

-        وأكثر.

وتضيف بصوت هامس بالكاد يسمعه:

-        ألستُ روايتك؟

ويهتف بصوت أكثر همسًا:

-        بلى، أنتِ روايتي. وأنا متأكد من أن أحدنا سيكتب الآخر.

***

بعد أن خرجت بخمس دقائق فقط، شعر الكاتب بحركة على باب مكتبه. أتكون عادت؟ ليتها تفعل. أنه يشعر بنفسه الآن أقرب من أي يوم ماضٍ إلى روايته، إليها.إذا عادت الآن فإنه سيباشر الكتابة. سيكون سيد الكون وملك مدينته غير المتوج. سيكتب كلامًا جديدًا لم يكتب أحد مثله. سيخرج ذلك الكلام من أعمق أعماق روحه. من تلك الحنايا التي تكمن في حقيقته.

مد يده إلى أكرة الباب، برفق مُحب لا حدود لحبه، أدار الأكرة وفتح الباب.

مفاجأة شلَّته للحظة. مفاجأة لم تكن متوقعة. كان يقف هناك بالباب الشاب الأقرع، وبيده زجاجة بيرا. كان يبدو كمن شرب وشرب طوال الوقت، فبدا السكر عليه واضحًا. فكّر في أن يردَّ الباب في وجهه، في أن يقول له إنه متعب ولا يمكنه مقابلته، أو أن يتحجج بأي سبب. غير أنه ما لبث أن غيّر اتجاه تفكيره. فلماذا لا يدعوه للدخول؟ إنه متعتع من السكر. ها هي الفرصة تأتيه ليعرف ما دار بينهما... بين روايته وبينه...ايبدّل ما خالجه من شك باليقين الساطع، يقين الرواية التي ما زالت في أطوار التشكّل.

يدخل الأقرع بصَلَفٍ واضح. يسير هو وراءه. يجلس الأقرع على الكنبة.

-    كنت أعرف أنك ستدعوني للدخول. أنت رجل شهم. أنا قرأت كتاباتك منذ كنت في الابتدائية حتى الثانوية. يوم حكيت لك عن ساراماجو أردت أن أستفزّك. أن أقول لك إنك إنسان تقليدي، وعليك أن تتعلم من التجربة الغربية في الكتابة. على أية حال، أنا لم آتِ لهذا الغرض. أنا أتيت لأنبهك إلى أمر آخر.

صمت وتابع:

-    أريد أن أنبهك إلى تلك الصبية. هذه الصبية لي. ولا يمكن أن أسمح لأحد في الدنيا أن يأخذها مني. إنها روايتي التي بنيت عليها عالمي. ولا يمكن أن تكون لأحد آخر غيري. أنا إنسان مثقف. أنا قرأت ساراماجو. هي لم تفهمني جيدًا. أردت أن أوضح نفسي لها، فحاولت حينًا ولم تتمكن آخر. إلى أن كان ذات يوم وابتدأت أشعر أنها آخذة في الابتعاد عني. في البداية اعتقدت أنها تتخبط في متاهاتها، وبقيت على هذا الاعتقاد إلى أن رأيتها اليوم معك. فعرفت أنك ضحكت عليها وأقنعتها بأن تكون صديقتك، وروايتك أيضًا.

-        أنا لم أضحك على أحد.

-    بل أنت ضحكت عليها، وأقنعتها بكلامك الفارغ عن الانتماء والهوية، عن التاريخ والقومية العربية، أن تكون لك. أنا إنسان عصري. أنت لست من هذا العصر. أنت قادم من عصر قديم موغل في القِدَم. أنت لا تتقن اللغة الإنجليزية. لا تتقن لغة العصر. أنا أتقنها كلامًا وكتابة. وسوف تكون تلك الصبية لي، لأنني سأكتب رواية يقرأها العالم، وليس رواية مثل التي ستكتبها بلغتك الميتة، أو التي تلفظ أنفاسها الأخيرة.

يكوّر الكاتب الكبير قبضته. يريد أن يلكم بها ذلك الأقرع المتطفل، إلاّ أنه يتراجع. فالأفضل له أن يفهم. الأفضل له أن يعرف أين هو يقف. أن يتأكد من قطرة الشك في بحر اليقين. ويبقى الكاتب يتراجع إلى أن يغير اتجاهه في الحديث كي يسلك باتجاه ما يريد. يسأل الشاب الأقرع باسمًا:

-    لغتنا العربية أصبحت ميتة. ما أتعس هذا الكلام. ما أتعسنا إذا كان الكثيرون من كتابنا يفكرون بطريقتك المدمّرة هذه. أنت لا تعرف أن اعتزاز الإنسان بلغته هو جزء من إبداعه، وأنه لا إبداع هناك بدون الاعتزاز بالذات، باللغة والانتماء؟

يرشف الأقرع من زجاجة البيرا رشفة سريعة:

-        عن أي اعتزاز تتحدث؟ أإلى هذا الحد أنت ما زلت ضيقًا؟ ما زلتَ أسير العرب والعروبة. أفِق يا رجل أفِق! ولتكن ابنًا للإنسانية.

-        يشع من عيني الكاتب شعاع ساطع:

-    وهل تتناقض العروبة مع الإنسانية؟ بإمكاني أن أكون عربيًا وإنسانًا في الآن ذاته. وأنا أفضل أن أتنفس برئتي على أن أتنفس بأية رئة أخرى.

يصمت ويتابع بسرعة:

- أضف إلى هذا أنك مهما حاولت أن تكون متأوربا أو متأمركا، ستبقى الأجنبي الذي يكتب بالإنجليزية. أفق أيها الأحمق. أفق. لأن الإنسان إذا ما خلع أثوابه أصبح عاريا. أثوابنا أفضل لنا من أية أثواب أخرى، لأننا سنبدو في أثواب أخرى غير ما نحن. أنت لا تعرف ما هو الإبداع. الإبداع الحقيقي أيها الصغير هو أن تكون أنت وليس أي إنسان آخر. أن تكون أنت بحجمك الحقيقي، وألا تحاول الظهور بأي حجم آخر.

يضع الأقرع زجاجة البيرا على الأرض. يشرئب بعنقه باتجاه الكاتب قبالته يصفق بكلتا يديه.

-          برافو. برافو. لقد ألقيت خطبة طنانة رنانة. خطبتك تؤكد أننا نحن العرب ظاهرة صوتية، نحب الكبرة ولو على خازوق وندبج الكلام تدبيجا. علام تتحدث يا رجل. أنت لم تعش في السنوات العشر الأخيرة، لم تعرف ماذا حصل لعربك بعد حرب الخليج. أنت لا تعرف أن هؤلاء العربان، قذفوا خارج التاريخ، وأنهم لا يقررون شيئا في العالم.

يضع الكاتب رأسه بين يديه:

-          اعرف ما تقول. اعرفه جيدا. لكن هل يعني إخراجنا خارج التاريخ أن نقبل؟ أن نستسلم؟ أن نقدّم إلى من أراد، ما أراده، على طبق من ذهب؟

-          وماذا تريدنا أن نفعل؟ أنت لا تعرف أننا كنا نشفق على الأفغان، فتبين لنا أننا أجدر بالشفقة منهم.

-          وماذا علينا أن نفعل في رأيك؟

-          أن نتحدث مع العالم بلغته.

-          ولغتنا؟

-          لغتنا أصبحت شبه ميتة أيها السيد، والأفضل لنا أن نتقن لغة الآخر.

ينقر الكاتب على المنضدة هناك. مغالطات مغالطات مغالطات. عن أي لغة يتحدث هذا؟ حتى أن نتحدث بلغة الآخر، لا يعني أن ننسى لغتنا. رحم الله الجزائري مالك حداد. حين كان يكتب بالفرنسية ويصف هذه اللغة بأنها منفاه، على اعتبار أنه لا يستطيع أن يكتب بالعربية.

يواصل الكاتب نقره على الطاولة: بدها نقر. والله بدها نقر. انه يعرف ما يتذرع به هذا الأقرع، يعرفه جيدا، لهذا من الأفضل له أن يتوقف عن مجاراته، وان يرجعه إلى ما أراد أن يفهمه منه كي يقطع الشك باليقين.

-          فهمت ما تريد أن تقوله. ماذا تريد أن تقول، ما هو مختصر القول لديك؟

ينظر الأقرع إليه بحدة:

-          أن تترك تلك الصبية لي.

الكاتب يقرر أن يستفزه كي يفهم منه جلية الأمر:

-          ومن أنت حتى تطلب مني هذا الطلب؟

يغرس الأقرع عينيه في عيني الكاتب:

-          أنا أحبها.

-          كذاب.

-          وإذا ثبت لك؟

تطفر دمعة غضب إلى عيني الكاتب:

-          بماذا تثبت لي؟

يقول الأقرع بتحد:

-          بصورها. بصورها معي. أنا على استعداد لان أريك صورها.

يتهاوى الكاتب على أقرب مقعد. الآن فهم لماذا رفضت أن تحدد مواعيد لزياراتها له. الآن فهم لماذا قالت له دائما "دع أمر لقائنا للظروف" هي كانت تذهب إلى ذلك الأقرع إذا. كانت تحاول أن تكون حبيبته وان تكون روايته أيضا. لكن كيف لصبية شرقية مثلها أن توافق على مرافقة متغرب مثله؟ ثم لماذا هي لم ترفض أن تذهب إلى مقهى نشاز حيث يجلس هذا الأقرع. الأرجح أنها تراجعت عن علاقتها به. وهذا ما أشعل نار الغيرة في أحشائه. لا. الكاتب الشرقي الأصيل لن يستسلم لهذا المسخ المهجن.

شعور بالقوة يجتاح الكاتب.

-          أنت تريد أن تثيريني بصورها إذا. هذه هي طريقة أسيادك الذين تريد أن تكتب رواية بلغتهم. لا. هذا لن يكون. الشرق للشرق، والغرب للغرب. بإمكانك أن تنصرف الآن.

-          لن أنصرف أريد أن استرد حبيبتي، روايتي. لقد أوشكت على إقناعها بان تتغرب، وفجأة أتيت أنت لتقلب كل ما فعلته رأسا على عقب.

ووضع زجاجة البيرا على شفته ونغد منها:

-          هذه الصبية لي، إنها روايتي أنا، وليست روايتك.

الكاتب يراجع ما دار بينه وبين الأقرع، فيتضح له ما كان غامضا. لو كانت الصبية حبيبته لبقيت معه، ولما رافقته إلى مكتبه، يرافقهما كل ذلك الحب. ثم أن قلب المؤمن دليله، وقلبه يقول له إن ما يقوله الأقرع ما هو إلا ماض، وعفى عليه الزمن.

يظهر أن الأقرع يشعر بالهزيمة. يجتاحه شعور بالعجز، فلا يبقى أمامه إلا أن يتناول الزجاجة ويقذف بها الكاتب. يزوغ هذا من الزجاجة، ترتطم بالحائط. ترتد شظية منها تنغرس في يد الكاتب. يقترب الأقرع من الكاتب، يلكمه على وجهه. الكاتب يزوغ من اللكمة يرتد إلى الوراء. يستوعب بسرعة ما يحصل. يصوب لكمة بكل ما لديه من غضب إلى وجه الأقرع، يترنح هذا الأخير ويقع. يجلس الكاتب ليرتاح، فينهض هذا مجددًا ويسدد إليه ضربة قاسية جدا. يتعارك الإثنان، يضرب كل منهما الآخر بعنف شديد وبلا رحمة. إلى أن تهدأ العاصفة ويتوقفان. لم يعد لديهما ما يكفي من القوة.

يزيل الأقرع الدم عن شفته:

-          لماذا لا تريد أن تتركها لي؟

يجيبه الكاتب بإصرار:

-          لأنها ليست لك ولا تريد أن تراك.

يمد الأقرع عنقه:

-          بل إنها لي.

يرد الكاتب بحزم:

-        هي ليست لك.

-        وإذا قالت إنها لي؟

الكاتب يغرس عينيه في الأقرع:

-        اسمع جيدًا. أنت تقول إنها لك. وأنا أقول إنها لي. ما دام الأمر على هذا النحو، لا يبقى أمامنا إلا أن نحتكم إليها. موافق؟

-        موافق.

***

هناك من الناس مَن يرون ولا يرَون في الآن ذاته، وهناك منهم من يرون ويرون مائة بالمائة. وهناك من يرون بعيون قلوبهم، ذلك أنهم يفكرون بأحاسيسهم، ويرون ما يريدون رؤيته قبل أن يرَوه، وتصبح المعاينة المباشرة لديهم بعد ذلك مجرّد إتمام معاملة.

لحظةَ دخلَتْ الكاتبة الشابة على صديقها الكاتب في مكتبه، بعد يومين من تركها إياه، حاول الكاتب إخفاء يده المجروحة جرّاء الشظية التي تطايرت من زجاجة البيرة أثناء الشجار بينه وبين الشاب الأقرع. أزاح يده بصورة لا شعورية، حتى لا ترى الجرح. وحاول أن يكون طبيعيًا في توجهه إليها، بل إنه بالغ في طبيعيته، مرحبًا بها:

-        أهلاً بروايتي الرائعة.

إحساس بعدم الاستقرار خيم على المكان. تحرك الكاتب. إنه يريد أن يخرج من هذا الجو. لا يمكن له أن يبقى هنا. إن روحه تريد أن تخرج. أن تغادر إلى أماكن أخرى. هو لم يتعوَّد أن "يحطها واطية" لأحد. ولو كان بإمكانه أن يتنازل عن كبريائه، عن انتمائه لعروبته، لشرقه الحبيب، لكان وضعه غير ما هو عليه الآن. ربما كان التقى بها، بروايته، ولكانَ عايشها وكتبها منذ ثلاثين عامًا. لكن لا. هو ليس من هذا الصنف من الناس. هو يدخل إلى الأشياء، إلى أعمق أعماقها، ليكتشف أسرارها، ليتجاور معها. وهو لا يخشى هذه الأسرار شأن أنصاف الرجال، بل هو يواجهها غير هياب، بالضبط مثلما يفعل الرجال الرجال!

تحسَّس الجرح في يده في غفلة منها. تحرّكت فيه روح التمرّد الرفض والمواجهة. أضمر أن يواجه ذلك "المتأورِب"، أن يجعله يعرف أين هو يقف وقبالة من. وكان يعرف أن الفرق بينه وبين ذلك الأقرع، واضح، وأنه دائم اليقظة في حين أن ذاك دائم السكر. والطريقة التي واجهه فيها قبل يومين هي طريقة الغدر والأخذ غيلة. فهل يمكّنه من ممارسة طريقته الرخيصة هذه مرة أخرى؟ أم أنه سيؤدّبه مرة واحدة وإلى الأبد؟

بدا الجو منقبضَا. سألته ما إذا كان متضايقًا من أمرٍ ما. فرد عليها قائلاً:

-        الأفضل لنا أن نخرج.

خرج من المكتب، وخرجت هي وراءه. لم تسأله إلى أين، وماذا يريد أن يفعل. كانت واثقة منه إلى حد أنها يمكن أن تسير معه، وإلى جانبه ووراءه، دون أن تسأل إلى أين.

الاثنان يسيران في شوارع الناصرة، ينظران إلى الأمام. ينتقلان من شارع إلى آخر. يعبران الساحات. يمشيان ويمشيان.. هذه الشوارع هي من يعرفهما حقًا. ومن لم يسر فيها لا يمكن أن يعرفهما.

في مقهى نشاز كان الجو السابق ذاته. أضواء خافتة، الحركة بطيئة. الطاولات تجلس وحدها، حولها الكراسي تنتظر مَن ياتي ليجلس عليها، دون أن يدخل أحد إلى المقهى. مؤكد أن أصحاب المقهى كانوا في الخارج، رأوا مثل هذا المقهى هناك فجاؤوا كي يفتحوا مثله في الناصرة. وكأنما هم يريدون أن ينقلوا أوروبا. وضحك لأول مرة منذ يومين. هؤلاء لا يعرفون أن أجمل ما نريده قد يكون إلى جانبنا، لهذا هم يسافرون إلى أصقاع بعيدة في العالم، كي يعودوا إلينا بالكلام المستورد.

الاثنان يتخذان مجلسهما حول الطاولة ذاتها. يضع النادل شراب الليمون أمام كل منهما. يرفع كل منهما كوب الليمون على شفتيه. قبل أن يشرب هو ينظر في كل الاتجاهات، كي يعلّم ذاك الأقرع درسًا في التعامل مع أسياده. لا يرى أحدًا. ما إن يهم بأن يأخذ رشفة من الليمون، حتى يقترب منه الشاب الأقرع وبيده زجاجة بيرا. ينظر في عينيه. إنهما حمراوان. مؤكد أن تلك لم تكن الزجاجة الأولى. يتقدم الأقرع خطوة أخرى. يقف الكاتب على رجليه تحفزًا للخطة التالية. هو لن يسمح له بأن يأخذه غدرًا هذه المرة، وسوف يحاول أن يتعامل معه بلغة كاتب متحضر يعتز بانتمائه، وليس بلغة إنسان لا لغة له سوى لغة البيرا.

يبتسم الأقرع. تبرق عيناه بخبث غبي:

-        هه... ها.. أنت ذا هنا..

يلتفت إليها:

-        وأنتِ أيضًا؟!

تقدح عينا الكاتب بالشرر. بإمكانه، إذا ما صدرت أية حركة عن ذاك الأقرع، أن يتناول الكرسي الأقرب إلى يده، وأن يكسره على رأسه. لكنه لن يكون المعتدي بأي حال من الأحوال. وربما يكتفي بأن يحتكم ذاك الأقرع، بكل ما تبقى لديه من ذوق ولياقة، إلى تلك الصبية، فإما أن تحكم له وإما أن تحكم عليه، ومؤكد إنها ستحكم له.

يسحب الأقرع رشفة طويلة من زجاجة البيرا. يحاول أن يصعِّدَ الجو. يتوجه إليه:

-        أرِها الجرح في يدك. هل أخبرتها بالجرح؟

يتطاير الشرر من عيني الكاتب. الأقرع قبالته لا يريد أن "يجيبها البرّ"..إن والديه لم يؤدباه. هو الكاتب الغاضب سيؤدبه هذه المرّة. يصرخ به:

-        اخرَس أيها القمئ واخرج من هذا المكان. اذهب من قبالتي وإلاّ كسرت رأسك.

يتراجع الأقرع إلى الوراء قليلاً، يحاول أن يقذف الكاتب بزجاجة البيرا.  يتناول الكاتب الكرسي ليهوي بحدّها على يده بأقصى ما لديه من قوّة.

يصرخ الأقرع:

-        آخ.. لقد كسرت يدي.

تقف هي مرتبكة. يطلب منها الكاتب أن تخرج من المقهى. يتحلّق بعض الشبّان حول الكاتب. يهتف بهم:

-        انفضوا من حولي، وإلاّ أصاب من يتقدّم ما أصاب السكران.

يخرج الكاتب من المقهى. يشعر بنوع من الزهو. الآن استردّ بعض كرامته، وردّ على الجرح بكسر اليد. الآن انقطعت اللغة مع ذلك الأقرع مُدّعي الكتابة، وابتدأ التحدّي. فإذا كان رجلاً علمه درسًا لا ينساه. وإذا لم يكن كذلك، وهذا هو الواضح، فإنه يكتفي بما لقّنه إياه.

يسير الاثنان في شوارع الناصرة. إنهما يسيران جنبًا إلى جنب ويخترقان الشوارع، كأنما هما يخططان لرواية. لقد انتهى الرهان الآن، مجرّد أن تنصاع لأمره، أن تسير إلى جانبه، أن تترك وراءها ذاك المدّعي، هو أفضل تأكيد على أنه ربح الرهان.

***

لكن هل ربح الكاتب الرهان حقًا؟ هل حقق ما لم يحققه معين بسيسو طوال أيام حياته وعرضها؟ هل بات قريبًا من كتابة روايته، خلافًا لكل مَن تمنّوا من الفلسطينيين أن يكتبوا رواياتهم؟ هل هو بات قريبًا من صبيته، روايته، إلى هذا الحد؟ وما عليه بعد ذلك إلاّ أن يسرع في الكتابة.

يتظر الكاتب في اتجاهات مكتبه كلها. يتوقف عند الكنبة حيث تجلس صبيته. يمعن النظر فيها. عندها، لديها وفيها الخبر اليقين والإجابة الأكثر يقينًا. الآن، وقد مضى وقت، بالإمكان أن تظهر فيه النتائج كلها، بات عليه أن يستطلع وأن يرى، وأن يتوجه إليها.

الصبية جالسة تفكّر. هي ليست هي. ترى، أتكون زعلت منه لأنه ضرب ذلك الأقرع؟ أم لأنها لم تتوقع منه أن يكون عنيفًا؟ هل كانت تتوقع أن يكسر رأسه أمامها كي يظهر رجلاً محترمًا؟ أو لا تعرف أن الإنسان المحترم يدافع عن كرامته وعن شخصه، ولا يسمح لأحد بالاعتداء عليه وإهانته، كائنًا من كان. انتظرَ أن تتحدّث. بقيت صامتة. دنا منها حدَّ الالتصاق:

-        ماذا بك؟

-        دعني وشأني.

-        لماذا؟

-        لماذا أخفيتَ عني أمرَ جرحك؟

-        ظننتُ أنكِ عرفتِ. على أية حال، أردت أن أكسر رأسه قبل أن تعرفي أنه جرحني.

يفتر ثغرها عن ابتسامة خجلى، ربما كانت تتوقع أن يقول مثل هذا الكلام. أو ربما أرادت أن تجري له امتحانًا. النساء لا يترددن في إجراء الامتحانات لمن يحببن ويهوين. وربما أرادت أن ترى مدى محبته لها، اهتمامه بها. ومع هذا أدارت دفة الحديث إلى ناحية أخرى:

-    حتى ولو.. أنا لا أريد أن أعرف لوحدي، أريد أن أعرف منك.. أريد أن أشعر بأنك تشاركني في كل شيء ولا تخفي عني شيئا مهما كان صغيرًا. ما بيننا لا تحدّه حدود. هو أكبر من الجرح وأصغر من الاعتداء.

ينظر إليها. من أين أتته هذه الصبية الغضة الطرية؟ من أين تأتي بكل هذه الحكم، رغم أنها لمّا تتجاوز العشرين بعد؟ أتكون جاءت حقًا كي تدفعه إلى كتابة روايته، أم أنها جاءت كي يعيش التجربة الأعمق، تجربة الرجل والمرأة، تلك التي حلم بها جبرا إبراهيم جبرا وجسدها في روايته "سراب عفّانة"؟! كي يكتب روايته؟! من أين جاءت هذه الصبية؟ حقًا من أين جاءت في آخر المشوار؟ وفي آخر هذا الليل؟ من أين جاءت كي يعيش معها كل هذه التجربة بكل ما تحويه من تناقضات؟!

أراد أن يقترب منها أكثر. أن يضع حدًا للحاجز الأخير بينه وبينها:

-        على أية حال، أؤكد لك أنني كنت سأخبرك بكل شيء.

-        غير صحيح.

-        بل هو الصّواب بعينه.

-        بأمارة ماذا؟

وأراد أن يردّ عليها. أن يقول لها بأمارة أنني أحبك، وأنني قاب قوسين وأدنى منك، أنتِ يا روايتي العزيزة. إلاّ أنه ما لبث أن تراجع لأنه ربأ بنفسه عن أن يفرض نفسه عليها. في كل الأمور من حق الرجل أن يكون المفتتح والبادئ، إلاّ في المرة الأولى مع من يحب حقيقة، ويكفي المحبوب أن يشعر بما يبثه قبالته، وأن ينعم به فيتجاوب معه.

وكرَّرت سؤالها. وبقي صامتًا.

كرَّرت السوال مرة أخرى، فما كان منه إلا أن قال لها:

-        بأمارة أني على استعداد لأن أكسر رؤوس كل المتأوربين دفاعًا عنكِ وعمّا تؤمنين به من قيَم.

ابتسمت. بدت مرتاحة لأول مرّة منذ نظر إليها قبل قليل. أدرك أنها فهمت. سرح في عالمها المورد الجميل. تصوّر نفسه معها، العين بالعين، والأنف بالأنف والفم بالفم. أسكرته رائحتها. إنها رائحة امرأة حديثة العهد باكتشاف الحياة. ابتعد عنها كي يقترب منها. في هذه الأثناء صدر من الخارج ضجيج. ارتعدت فرائصها قبالته:

-        ربما يكون هو.. ذاك الأقرع!

تناول عصا من هناك. خرج. أنصاف الرجال المتأوربون لا يأتون إلا بالعصا.

لحقت به. فتح باب المكتب. لا أحد هناك. يقول لها:

-        كنت أعرف أنه لا يوجد أحد هناك. أمثال الأقرع من المتأوربين لا يصمدون أمامنا نحن الشرقيين. ومع ذلك أردت أن أتأكّد.

يعود الرجل إلى داخل المكتب. يبتسم. إنها تعرف أنهما، هما الاثنان، هو وهي، أصبحا إنسانًا واحدًا، عادا مثل جدهما الإنسان الأول، ذي الأربع عيون وأربع آذان، أيدٍ وأرجل. إلاّ أنها تريد أن تكون معه قلبًا وقالبًا. تريد أن تسأله:

-        ألا تريد أن تعرف لماذا كنت غاضبة؟

-        بلى، أريد. لماذا كنتِ غاضبة؟

-        لأنني أخطأت.

اشرأبَّ:

-        بماذا أخطأتِ؟

-        في أنني ذهبت إلى ذلك الأقرع!

-        أنتِ لم تخطئي.. أعتقد أنك كنتِ تبحثين عن نفسك. الحمد لله أننا التقينا في هذا الوقت بالذات.

تغمض عينيها. هي امرأة مشاكسة، متحدية. فهمت، وتفهم وسوف تفهم أمرًا واحدًا، هو أنها جاءت كي تعيش تاريخ كاتبها الأقرب إلى نفسها، وكي تدفعه إلى الكتابة. تفتح عينيها. تغرسهما فيه:

-        متى ستبدأ كتابة روايتك؟

-        لا أدري.

-        بل أنت تدري.

-        قلت لكِ لا أدري.

-    بل أنت تدري. لقد انتهت كل التحديات وخرجتَ منتصرًا. انتصرت على ذلك المتأورب في المقهى، وها أنت تتأكد من أنني لك، ولا يمكن أن أكون لسواك. ماذا تريد أكثر؟ ابدأ الكتابة. ابدأ اليوم قبل الغد. العمر قصير. وكل يوم يذهب يصبح من الماضي التعيس.. ابدأ أرجوك.

تنظر إليه. إنه يبدو صامتًا مثل طفل لا يعرف بماذا يرد على ما يواجهه من تحديات متجددة.

-        قلتُ لكِ.. لا أدري متى بإمكاني أن أبدأ.

-        بل إنك ستبدأ الآن.

لم يسأل كيف. لم تُعطه الفرصة. تقدَّمت منه. لامس صدرها الشاب وجهه الكهل. عبقت رائحتها.. هبّت في أنفه عالمًا من السحر والخيال. راح يفك أزرار قميصها، واحدًا تلو الآخر، بيدين راعشتين. صدرها يشع نورًا... يأخذه إلى مرافئ بعيدة.. ابتعدت عنه ثلاثين عامًا. أعادته ليبدأ من هناك، من النقطة التي أضاع فيها روحه. دنا منها حتى صار هي... دنت منه حتى صارت هو...

بعد قليل شرع في كتابة روايته:

العينان المدققتان تريان كلَّ شيء...

 

الناصرة 13/7/2005