موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

إندونيسيا في مرمى المصالح الأمريكية

 مقال علي عبدالعال - إندونيسيا في مرمى المصالح الأمريكية

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

بعد سنين من التباعد والفتور طالت بين الدولتين، وفي إطار جهود حثيثة لإعادة ووصل ما كان قد انقطع، قام وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس بزيارة جاكرتا، يوم 25/2/2008م، ضمن مساع لتعزيز العلاقات مع إندونيسيا ـ حسب ما أعلن ـ وللتباحث حول قضايا الأمن البحري الإقليمي. وقبيل زيارته قال جيتس : إن توطيد العلاقات مع أكبر دولة إسلامية ـ من حيث عدد السكان ـ مهم للغاية لأمريكا، ليس على السياق الإقليمي بل للدور الأكثر شمولاً الذي قد تلعبه.

وقد عودنا الأمريكيون ألا ننظر كثيراً إلى تصريحاتهم، بشأن جهة أو دولة ما خاصة إذا ما شرعوا في كيل المديح لها، حتى ننتظر ما عسى أن يكون بين طيات هذه التصريحات وحقيقة ما يطمحون إلى الحصول عليه من ورائها. فقد تغير الموقف الأمريكي كثيراً من إندونيسيا، بعد قطيعة دامت 13 عاماً منذ توقفت العلاقات العسكرية بينهما عام 1992، احتجاجاً على مزاعم انتهاك جاكرتا لحقوق الإنسان أثناء مواجهتها للانفصاليين ـ المدعومين من الغرب ـ في تيمور الشرق.

لكن مع بداية عام 2005 سعت واشنطن وبقوة إلى إعادة بناء العلاقات، لإدراكها جيداً مدى الخسارة إذا ما تجافت عنها هذه الدولة الإسلامية الكبيرة، ذات الموقع الاستراتيجي، القوية في محيطها وإقليمها. ومرر الأمريكيون قراراً برفع الحظر عن بيع الأسلحة لها، على الرغم من رفض مجلس الشيوخ لهذه الخطوة، لكن في خضم سياسة الإدارة الأمريكية الداعمة للتطبيع الكامل دافعت هذه الإدارة عن توجهاتها قائلة : إن إندونيسيا بلد إسلامي معتدل، ومن المهم الحفاظ على علاقات صداقة بثالث أكبر دولة ديمقراطية في العالم.

ولعل قراءة ملف العلاقات الأمريكية الإندونيسية ـ خلال الأعوام القليلة الماضية ـ تشير إلى محاولات واشنطن الحثيثة لتطوير التعاون المشترك، وتذليل أي عقبات في طريق الوصول إلى علاقات قوية ومتشعبة مع حكومة جاكرتا. فبعد أن كانت لدى الأمريكيين النية بالإبقاء على الحظر المتمثل في منع المساعدات المالية ومبيعات الأسلحة، بحجة أن إندونيسيا ليس لديها إدارة مدنية قوية تحكم قواتها المسلحة، قامت واشنطن بتزويدها بقطع غيار طائرات النقل العسكرية من طراز (C- 130هيركليز) وهي طائرات حربية يتم تصنيعها في إندونيسيا. ووعد روبرت جيتس بتأييده القوي لمبيعات السلاح لإندونيسيا. مذكراً بأن القوانين والعقبات البيروقراطية بالولايات المتحدة أخرت بيع أجزاء من طائرات (إف16) المقاتلة، لكن وزارته تتعاون مع وزارة الخارجية الأمريكية من أجل تذليل تلك العقبات.

ومن جانه، صرح وزير الدفاع الإندونيسي يونو سودارسونو، بأن الحكومة الأمريكية تبرعت بخمسة رادارات تعرف باسم نظام المراقبة البحري المتكامل سوف تقام على طول مضيق ملقا أحد أكثر الممرات البحرية إزدحاماً في العالم، والذي تطل عليه إندونيسيا وسنغافورة وماليزيا، وعرض الجانب الأمريكي أيضاً صفقة مساعدات أخرى، لتحديث طائرات (فالكون) المقاتلة الأربعة التي يملكها سلاح الجو الإندونيسي. 

أهداف التوجهات الأمريكية

وإذا كان هذا العطاء السخي بالمجان غير معهود على الأمريكيين، خاصة في حال تعاملهم مع دول العالم الإسلامي، كان لزاماً البحث في طبيعة هذا المقابل الذي تنتظره القوة الإمبريالية الأولى في العالم.    

تلعب إندونيسيا ـ التي يسكنها (235) مليون نسمة، وتتكون من أرخبيل جزر تزيد على الثلاث عشرة ألف جزيرة، تمتد في المحيطين الهندي والهادي لمسافة خمسة آلاف كيلومتر من الشرق إلى الغرب، وألفي كيلومتر من الشمال إلى الجنوب ـ تلعب دوراً محورياً وريادياً في محيطها الإقليمي. ففي مقال له تحت عنوان التأقلم مع حقيقة إندونيسيا الديمقراطية هاجم والتير لوهمان – مدير مركز الدراسات الآسيوية بمؤسسة هيريتيج – الرافضون في الكونجرس لبناء علاقات قوية مع إندونيسيا، متحدثاً عن جملة كبيرة من المصالح تعود على الولايات المتحدة من هذه العلاقات المُهمة في المنطقة المهمة. فإندونيسيا اليوم ليست دولةً آسيويةً عادية؛ وإنما هي مفتاح أساسي للغز الجيو-إستراتيجي بآسيا؛ فضلاً عن كونها أهم شركاء الولايات المتحدة في حربها على (الإرهاب)، كما يقول لوهمان.. مضيفاً أن العلاقات الأمريكية الإندونيسية تُمثل تطابقاً في المصالح القيمية والجيو- سياسية والأمنية؛ وهو أمرٌ نادر جداً إذا ما تحدثنا عن علاقة الإدارة الأمريكية بدول العالم النامي. ومن ثم، فلم يكن من الحكمة أن يظهر الكونجرس لهذه الدولة العداء.

وفي السياق ذاته، فإن الولايات المتحدة باتت ترصد باهتمام ظاهرة تنامي العداء لها في شمال وجنوب شرق آسيا، فمنذ مطلع التسعينيات وحتى الآن لا تزال موجة العداء تتنامي وتتعمق داخل تلك المجتمعات الشرقية، ففي اليابان مثلاً كان هناك أكثر من مظاهرة ضد القواعد العسكرية الأمريكية لدى الحليف الأول والتاريخي للولايات المتحدة في آسيا، وقد امتدت هذه الظاهرة لتصل إلى كوريا الجنوبية، حيث ألقى متظاهرون القنابل على قاعدة أمريكية عام 2002م، كما انتشرت ظاهرة منع الأمريكيين من ارتياد المطاعم الكورية، حيث يتهم عموم الكوريين الجنوبيين ـ الذين تربطهم بالشمال روابط الدم والقرابة واللغة والدين ـ الولايات المتحدة في حمل كوريا الشمالية على انتهاج سياسة عدائية ضد شقيقتها الجنوبية. كما أن الدراسات التي جرت منذ الغزو الأمريكي للعراق توضح أن المشاعر المناهضة لأمريكا باتت تتزايد في إندونيسيا ـ أكبر دولة إسلامية في العالم من حيث عدد السكان ـ ولعل سلسلة التفجيرات التي استهدفت الجالية الأسترالية ورعايا أوروبيين وأمريكان في المطاعم الإندونيسية لا تخرج عن هذا الإطار.

ومن هذه المنطلقات وغيرها، تتضمن جملة المصالح الأمريكية :

1ــ رغبة الولايات المتحدة في استثمار نفوذها، وتحسين علاقاتها العسكرية مع إندونيسيا بغرض تقوية الوجود العسكري الأمريكي في منطقة جنوب شرق آسيا، حيث تطمح واشنطن في أن يشكل هذا الوجود تأكيداً لنفوذها العسكري في جزء هام من العالم خاصة إذا كانت على مقربة من (الصين وروسيا وكوريا الشمالية). حيث تهدف الإدارة الأمريكية ـ التي تتنازعها المخاوف من طموح كوريا الشمالية النووي، وتنامي قدرات الصين العسكرية ـ نحو تحقيق توازن لصالحها في المنطقة يحول دون هيمنة الصين عليها، خاصة بعد أن أعادت إندونيسيا بناء علاقاتها مع الصين ـ العدو النائم للولايات المتحدة ـ والتي كانت مقطوعة منذ عام 1967 في أعقاب اتهام جاكرتا لبكين بمساندة الشيوعيين المحليين في محاولة الانقلاب عام 1965.

ويذهب والتير لوهمان إلى أن الاهتمامات الإستراتيجية الأمريكية شهدت تغيراً كبيراً تجاه إندونيسيا منذ 1999، وإن لم يكن التغير مُصاحباً لإندونيسيا فقط ، وإنما كان مُصاحباً أيضاً للمنطقة بأسرها؛ الأمر الذي استلزم تغيراً في إستراتيجيات الإدارة الأمريكية داخل المنطقة. يتمثل هذا التغير ـ حسب لوهمان ـ في الصعود الصيني المُريع الذي تشهده آسيا والعالم، والذي استلزم اعتماد الولايات المتحدة على أصدقاء أقوياء في المنطقة؛ وأن يكون توثيق الصلة بهؤلاء الأصدقاء مصلحة إستراتيجية أمريكية أساسية، وإزاء ذلك تمثل إندونيسيا الخيار الأسهل والأنسب للولايات المتحدة. إذ يكفي القول، إن طبيعة جغرافيتها المائية مكنتها من تجهيز نصف الشُحنات التجارية العالمية؛ وإن طبيعتها السكانية مكنتها أيضاً من أن تكون قوة لا يُستهان بها في منظمة الآسيان.

2ـ ومن بين ما يهدف إليه الأمريكيون من بناء هذه العلاقات مع الحكومة العلمانية في إندونيسيا، الحد من انتشار وتمدد الحركة الإسلامية الجهادية المعادية للإمبريالية الأمريكية، وإقامة نقاط استخباراتية وزرع عملاء في المنطقة، التي تشير التقارير إلى دورها المحوري في تحركات واستقطاب رموز إسلامية هامة شديدة المناهضة للمطامع الأجنبية في دول العالم الإسلامي بشكل عام.

ويسعى الأمريكيون إلى ذلك مطمئنين إلى حكومة جاكرتا التي تحارب الحركة الإسلامية وتناصبها العداء. فعلى عكس التقارب الذي تبديه الحكومة الإندونيسية للأمريكيين، تعتمد هذه الحكومة سياسات متشددة مع مواطنيها في الداخل، خاصة مع توسعها في القوانين الاستثنائية، وتطبيقها قانون الأدلة السرية الذي تعتمده استراليا والولايات المتحدة؛ كما كانت جاكرتا قد أقامت لهذه التوجهات تحالفات أمنية، وأنشأت حلقات وصل استخباراتية مع الولايات المتحدة وأستراليا وتايلاند وغيرها. كما لجأت حكومة سوسيلو يودويونو إلى تكتيكات جديدة مع مواصلة استخدام الوسائل العسكرية والأمنية التقليدية التي يلعب الدور المحوري فيها المفرزة 88، وهي مجموعة من قوات النخبة عالية التدريب والمهارات إلى الحد الذي وصفها مسؤول أمني استرالي بأنها واحدة من أفضل وحدات مكافحة (الإرهاب) في العالم.. إذ يعود جزء كبير من الفضل في تأسيس المفرزة 88 ودعمها مالياً وفنياً واختيار عناصرها وتدريبهم إلى الأمريكيين، ناهيك عن استراليا التي قدمت لها أحدث ما تملكه في مجالات الرصد والمتابعة والتنصت على مكالمات الهواتف النقالة·

3ـ التعامل مع المخاوف الغربية من تحول الدولة في إندونيسيا ناحية الإسلام، وتسهيل عملية التبشير والتغلغل الأجنبي في مفاصل البلاد، والتقريب بينها وبين الكيان الصهيوني من جانب آخر. حيث بدأت إندونيسيا ومنذ العام 1997 تشهد نمطاً جديداً من التدخلات الأجنبية، يجمع بين خصائص التدخل الاستعماري التقليدي الهادف إلى السيطرة على الموارد الطبيعية والمقدرات، وخصائص الصراع الحضاري والعقائدي. حيث برزت تلك التدخلات مع اندلاع الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت نمور  آسيا عام 1997، وهي أزمة يعيدها باحثون وسياسيون (مثل محاضر محمد رئيس الوزراء الماليزي السابق) إلى التدخلات الأجنبية وبخاصة الأمريكية، حيث توقفت بسبب هذه الأزمة مشروعات كبرى كبناء الطائرات والتصنيع الحربي، وأدت إلى انهيار المكتسبات الاقتصادية، وهو ما انتهزه الغربيون جيداً لتتوالى ضغوطهم على حكومة جاكرتا ودفعها للقبول بانفصال إقليم تيمور الشرقية.

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية