موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

خصائص فنية في ديوان اوراق الزيتون للشاعر محمود درويش

 مقال كمال ابراهيم - خصائص فنية في ديوان  اوراق الزيتون  للشاعر محمود درويش

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

محمود درويش : نبذة عن حياته وأعماله

ولد محمود درويش في قرية البروة في الجليل الغربي في فلسطين عام 1941 وبسبب الحرب في عام 1948 اضطر وهو طفل أن يلجأ مع أهله الى لبنان.

في لبنان عاش محمود درويش حياة اللاجئين سنة كاملة قضاها في أحد المخيمات في الجنوب . بعد ذلك تسلل مع عمه عبر الحدود بهدف العودة الى البلاد فوصل الى قرية دير الاسد في الجليل التي عاش فيها حياة اللاجئ في بلاده ( هذا ما قاله محمود درويش نفسه في حديث أدلى به الى الصحفي الاسرائيلي ، يوسي الغازي ونشر في صحيفة زو هديرخ في عام 1969 . كما أن نفس الحديث عن حياة محمود درويش نشرته صحيفة الآداب البيروتية عام 1970 . )

في دير الاسد دخل محمود درويش المدرسة الابتدائية وكان تلميذا ً متفوقا ً . لقد مارس كتابة الشعر في سن مبكرة وكانت أولى محاولاته الشعرية تقليد الشعر الجاهلي ، حيث كان مولعا ً بدراسة الأدب العربي القديم .

في عام 1960 أصدر محمود درويش ديوانه الأول عصافير بلا أجنحة بعد ذلك وفي عام 1964 صدر ديوانه الثاني أوراق الزيتون وحتى عام 1970 صدرت له مجموعة دواوين هي عاشق من فلسطين ، آخر الليل ، حبيبتي تنهض من نومها ، يوميات جرح فلسطيني ، العصافير تموت في الجليل و الكتابة على ضوء البندقية .

في هذه المدة عاش محمود درويش في اسرائيل حياة ثورية تمثلت في أشعاره التي كان يلقيها في المهرجانات الشعبية أو ينشرها في الصحف والمجلات العربية الصادرة في اسرائيل تحت اشراف الحزب الشيوعي الذي كان محمود درويش عضوا ً فيه .

في عام 1971 ترك محمود درويش اسرائيل ولجأ الى القاهرة فأثارت خطوته هذه ضجة عارمة بين الاوساط الادبية الفلسطينية داخل اسرائيل من جهة وبين الاوساط الادبية في العالم العربي عامة ً . أما سبب هذه الضجة فيرجع الى أن محمود درويش اعتبر قبل وصوله الى القاهرة من أبرز شعراء المقاومة الفلسطينيين داخل اسرائيل .

      بعد عام 1971 صدرت لمحمود درويش مجموعة دواوين اخرى منها : احبك أو لا احبك و محاولة رقم 7 ودواوين اخرى .

أوراق الزيتون -خصائص فنية

تمهيد :

يجمع نقاد الادب الذين عالجوا قضايا الشعر الفلسطيني على أن عام 1956 شهد تحولا ً جوهريا ً في تاريخ هذا الشعر. وهذا التحول هو انتقال الشعر الفلسطيني من مرحلة اليأس والحزن التي كانت تخيم على الشعراء بعد هزيمة العرب عام 1948 الى مرحلة التفاؤل والثورة . ومن بين هؤلاء النقاد : رجاء النقاش في كتابه عن محمود درويش الذي صدر عام 1969 . وهناك عدة دراسات تناولت موضوع الشعر الفلسطيني أهمها :

1 – للدكتور صالح أبو اصبع – الحركة الشعرية في فلسطين المحتلة .

2 – كامل السوافيري – الاتجاهات الفنية في الشعر الفلسطيني المعاصر .

3 – عبد الرحمن الكيالي – الشعر الفلسطيني في نكبة فلسطين .

4 – احسان عباس – فن الشعر .

الدكتور عبد الرحمن الكيالي الذي عالج المضمون في الشعر الفلسطيني الحديث يرى أن هذا الشعر اقتصرت أغراضه بعد عام 1948 بالدرجة الاولى على البكاء ، العويل ، الحنين ، المناجاة ، الحصار ، الغربة ، الضحايا ، الشهداء والنقد الذاتي .

  ويرى رجاء النقاش في مستهل دراسته عن محمود درويش أن الشعراء الفلسطينيين بدأوا يتحررون بعد عام 1956 من قيود المأساة ، ومن أهم العوامل التي ساعدت على ذلك كما يقول النقاش حرب بور سعيد وقرار الوحدة بين مصر وسوريا في عام 1958 . وأهم الشعراء الفلسطينيين الذين مارسوا هذا التحول في شعرهم في تلك الفترة : حنا أبو حنا ، حبيب قهوجي و توفيق زياد .

في عام 1960 علا صوت محمود درويش في ديوانه الأول عصافير بلا اجنحة ومن ثم ديوانه الثاني أوراق الزيتون في عام 1964 الذي جاء أكثر فنا ً وأعمق تجربة ً وقد وضع هذا الديوان محمود درويش ، في تلك الفترة ، في طليعة الشعراء الفلسطينيين داخل اسرائيل ، فقد ركز محمود درويش أهم قصائده في هذا الديوان على قضايا الشعب والوطن . ومن الناحية الفنية لجأ محمود درويش في هذا الديوان الى استعمال التعابير المؤثرة ، الموحية والقريبة من ذهن الشعب وذلك في اسلوب واضح إذ أراد – والحديث لا يزال عن تلك الفترة – أن يكون شعره سهلا ً وأكثر شيوعا ً على ألسنة الناس إذ يقول محمود درويش في احدى رباعياته في هذا الديوان ص . 130

     أجمل الاشعار ما يحفظه عن ظهر قلب

       كل  قارئ !

       فإذا لم يشرب الناس أناشيدك شرب

       قل : أنا وحدي خاطئ !

ومن خلال دراستي لديوان أوراق الزيتون توصلت الى أن أفضل قصيدة يمكن أن تمثل مدرسة محمود درويش الشعرية في تلك الفترة هي قصيدة : عن الشعر التي دعا فيها سائر الشعراء الى الثورة على المضمون والفن في الشعر . وفي هذه القصيدة يقول :

  (1)

       أمس غنّينا لنجم فوق غيمة

         ولبدر قرب نجمة

         وإنغمسنا في البكاء

       أمس عاتبنا الدوالي والقمر

       والليالي والقدر

       وتوددنا النساء

     دقت الساعة ، والخيام يسكر

     وعلى وقع أغانيه المخدر

     قد ظللنا بؤساء

    يا رفاقي الشعراء !

    نحن في دنيا جديدة

    مات ما فات ، فمن يكتب قصيدة

     في زمان  الريح والذرة

     يخلق أنبياء

(2)

     قصائدنا ،

     بلا لون

     بلا طعم

     بلا صوت

     إذا لم تحمل المصباح

     من بيت الى بيت

     وإن لم يفهم البسطا معانيها

     فأولى أن نذريها

     ونخلد نحن ... للصمت

(3)

     لو كانت هذي الاشعار

     إزميلا ً في قبضة كادح

     قنبلة ً في كف مكافح

     لو كانت هذي الاشعار

     لو كانت هذي الكلمات

     محراثا ً بين يدي فلاح

     وقميصا ً أو بابا ً ... أو مفتاح

     لو كانت هذي الكلمات .

    أحد الشعراء يقول :

    لو سرّت أشعاري خلاني

    وأغاظت أعدائي

    فأنا شاعر ...

    وأنا سأقول .

                      -------------------

  في هذه القصيدة نرى الشاعر محمود درويش يحث الشعراء الآخرين على الكف عن البكاء والغزل والخمريات والبؤس ونسيان الماضي لأن هذه الاغراض لم تعد تصلح في عصرنا الحاضر وكما يقول محمود درويش : مات ما فات  فمن يكتب قصيدة في زمان الريح والذرة يخلق أنبياء .

إن نفسية الشاعر العربي القديمة التي تحدث عنها محمود درويش في القصيدة والتي ثار عليها – هذه النفسية – عاد ولخصها في قصيدة اخرى بعنوان : الكلمة ( ص .65 ) إذ يقول :

         الشاعر العربي محروم

         دم الصحراء يغلي في نشيده

         وقوافل النوق العطاش

         أبدا ً تسافر في حدوده .

يقول محمود درويش هنا إن الشاعر العربي لا زال ينشد القصائد المستوحاة من خلفية الصحراء وأن هذا الشعر دائما ً يتحدث عن النوق العطاش وهي رمز يشمل أغراض الشعر القديم كالهجير والحرمان والأطلال ... على هذه النفسية ومثل هذا المضمون في الشعر ثار محمود درويش في شعره وطالب الشعراء العرب بتغيير هذه النفسية.

ومن الناحية الفنية دعا محمود درويش الى أن تكون القصيدة واضحة المعاني ليفهمها البسطا على حد قوله . وإذا نظرنا الى قصيدة عن الشعر وقصائد اخرى في ديوان أوراق الزيتون نجد أن محمود درويش قد استعمل التعابير والكلمات الرائجة والمعروفة أو الدارجة بين أوساط الشعب بطبقاته المختلفة . فإذا أخذنا من هذه القصيدة الكلمات : نجم ، غيمة ، الدوالي ، المصباح ، إزميل ، قنبلة ، محراث ، قميص ، باب ، مفتاح ، كل هذه التعابير معروفة وهي جزء من حياة وبيئة كل فلسطيني يتحدث اليه الشاعر في شعره . كما أن محمود درويش ذهب الى أبعد من هذه الخطوة عندما استعمل مثلا ً عاميا ً في القصيدة وهو مات ما فات بيد أن الصيغة التي وضعها الشاعر تختلف عن الصيغة العامية الاصلية للمثل وهي اللي فات مات والسبب حسب اعتقادي هو الوزن في القصيدة وهي من بحر الرمل ، فلو وضع الشاعر المثل بصورته العامية الأصلية لانكسر الوزن . وعندما أتحدث هنا عن الوزن فإني أستبعد إمكانية كون الشاعر يرفض استعمال الصيغة العامية  لمجرد كونها عامية ، كما أميل الى الاعتقاد الى أن الصيغة العامية لو جاءت مطابقة لوزن القصيدة لوضعها الشاعر باللهجة العامية تماما ً كما فعل في نفس القصيدة عندما استعمل كلمة البسطا وهو استعمال ناجح جدا ً إذ جاءت الكلمة معبرة تماما ً عن المعنى الذي رمز له الشاعر في القصيدة . فعندما دعا محمود درويش في القصيدة الى أن يكون الشعر واضحا ً كي يفهمه البسطاء قال : البسطا مستعملا ً التعبير العامي وهو أكثر دلالة في معناه من التعبير الفصيح  .

  إن دعوة محمود درويش في قصيدة عن الشعر الى جعل الشعر واضح المعاني هي ظاهرة بارزة في الشعر الفلسطيني المعاصر . بيد أن هذه الظاهرة كانت ولا تزال موضع جدل ونقاش حاد بين الشعراء الفلسطينيين أنفسهم من جهة وبين نقاد الأدب من جهة أخرى . عن هذه الظاهرة يقول الدكتور صالح ايو اصبع في كتابه الحركة الشعرية في فلسطين المحتلة ص . 374 .. وحينما نتابع تصريحات الشعراء في الأرض المحتلة وآراءهم حول مسؤولية الشعر تجاه المجتمع والجمهور ، نجدها توافق تلك المباشرة التي لجأوا اليها أحيانا ً مستخدمين اللغة البسيطة التي تقارب اللهجة العامية . وفي كتاب عن الموقف والفن لسميح القاسم ص .101 عرض الشاعر وجهة نظره حول رسائل القراء العرب في اسرائيل والذين يحتجون ضد ظاهرة الغموض في الشعر .

إن دعوة محمود درويش الى توضيح القصد في القصيدة قد مارسها الى حد ما بالنسبة لجميع قصائد ديوان أوراق الزيتون . ففي الواقع ليس ثمة صعوبة في فهم معاني أية قصيدة من قصائد الديوان . ويمكن القول إن الرموز أو الصور التي استعملها الشاعر كانت شفافة غير معقدة وسهلة الفهم . أما دعوة الشاعر للكف عن البكاء والغزليات والخمريات فلم يمارسها عمليا ً إذ جاءت في ديوان أوراق الزيتون عدة قصائد قريبة في شكلها ومضمونها من شعر القدماء . سأعود وأتناول موضوع هذه القصائد في فصل لاحق.

        لقد وصلت استراتيجية محمود درويش الشعرية في توضيح المعاني في الشعر الى استعمال الاسلوب الخطابي المباشر وأهم القصائد التي جاءت على هذا النمط قصيدته المشهورة بعنوان بطاقة هوية وهي قصيدة الديوان الاولى التي يقول فيها :

       سجل

        أنا عربي  

       ورقم بطاقتي خمسون ألف

       وأطفالي ثمانية

    وتاسعهم ..

    سيأتي بعد صيف !

    فهل تغضب ؟

وفي نفس القصيدة يقول محمود درويش :

   أنا من قرية عزلاء ... منسية

    شوارعها بلا أسماء

   وكل رجالها ... في الحقل والمحجر

   يحبون الشيوعية

   فهل تغضب ؟

في هذه القصيدة لجأ محمود درويش الى المباشرة فجاء شعره صاخبا ً صارخا ً يعبر عما يجول في أعماقه دون لف أو دوران بعيدا ً عن الرمزية المبهمة في الشعر . وفي هذه القصيدة عاد واستعمل التعابير الدارجة القريبة من حياة وفهم ابناء شعبه فاستعمل : بطاقة الهوية ، رغيف الخبز ، الاثواب ، الدفتر ، السرو ، الزيتون ، المحراث ، الاعواد والقصب .

لقد بلغ الوضوح والمباشرة في هذه القصيدة الى أبعد الحدود عندما قال وكل رجالها في الحقل والمحجر يحبون الشيوعية ، ففي هذا السطر بالذات كشف الشاعر عن رأيه السياسي الشخصي وعممه على كافة ابناء القرية . ومن المعروف أن محمود درويش كان عضوا ً في الحزب الشيوعي الاسرائيلي .

الموسيقى في شعر محمود درويش

ان أي قصيدة من قصائد ديوان أوراق الزيتون تعرض لنا ميزة خاصة في شعر محمود درويش وهي : الايقاع الجميل الذي تحدثه اشعاره عامة ً . إن من أبرز الخصائص التي يمتاز بها هذا الديوان : الايقاع الجميل الناتج عن تدفق الموسيقى والنغم في شعره ، إذ حرص الشاعر على أن يكون شعره موزونا ً حسب أوزان الشعر الحديث أي التفعيلة ، هذا في حين جاء ببعض القصائد المبنية على النمط الشعري القديم.

ولم يكن الوزن لوحده هو الذي ولّد في قصائد الديوان ايقاعا ً حسنا ً بل كذلك اكثاره من استخدام القافية في كل القصائد مما جعل الموسيقى في شعره متوفرة ورائعة . لنأخذ مثلا ً قصيدة عن الامنيات ص . 61

       لا تقل لي :

       ليتني بائع خبز في الجزائر

       لاغني مع ثائر !

       لا تقل لي :

       ليتني راعي مواشي في اليمن

      لاغني لانتفاضات الزمن .

      لا تقل لي :

      ليتني عامل مقهى في هفانا

      لاغني لانتصارات الحزانى

      لا تقل لي :

      ليتني اعمل في اسوان حمالا ً صغير

      لاغني للصخور

      يا صديقي !

      لن يصب النيل في الفولجا

      ولا الكونغو ، ولا الاردن في نهر الفرات !

      كل نهر وله نبع .. ومجرى .. وحياة

      يا صديقي !!

     أرضنا ليست بعاقر

     كل أرض ، ولها ميلادها .

     كل فجر، وله موعد ثائر !

إن هذه القصيدة من بحر الرمل استعمل الشاعرفيها تفعيلات هذا البحر فقط وجاءت في السطر الاول هكذا :

     فاعلاتن

     فاعلاتن فعلاتن فاعلاتن

     فعلاتن فعلاتن

وكذلك تفعيلات الاسطر الاخرى هي نفسها تفعيلات بحر الرمل .

في هذه القصيدة نرى كيف استعمل محمود درويش القافية بكثرة وهذه القافية وإن اختلفت من مقطع الى آخر فهي تشكل عاملا ً رئيسيا ً في بناء الموسيقى في القصيدة .

وهناك ايضا ً عامل التكرار الذي لجأ اليه محمود درويش ليضيف من جودة الموسيقى في القصيدة ففي القصيدة السابقة مثلا ً هناك تكرار اللازمة لا تقل لي التي أضافت الى التركيب الموسيقي في القصيدة . وعندما جاء تكرار اللازمة في المقاطع الاربعة الاولى وتغيرالقافية بين المقاطع بصورة وتيرية تنبه محمود درويش الى الرتابة التي قد تملّها الاذن فيما لو واصل قصيدته كلها على هذا النمط فقام في المقطع الخامس وبدّل اللازمة لا تقل لي بعبارة جديدة يا صديقي كما بنى هذا المقطع بصورة تختلف عن بناء المقاطع الاربعة السابقة إذ زاد اولا من عدد التفعيلات ، وجاء المقطع مؤلفا ً من ثلاثة اسطر بدلا ً من اثنين، كل ذلك ليخفف من صخب الموسيقى الذي أحدثته القصيدة حتى المقطع الرابع . وانطلاقا ً من هذا المبدأ لجأ محمود درويش في المقطع السادس والاخير الى بناء ثلاثة اسطر تماما ً كما فعل في المقطع الخامس الا انه غير من موقع القافية .

إن هذه الموسيقى الرائعة التي نجدها في قصيدة عن الامنيات متوفرة كذلك في جميع قصائد الديوان. والحقيقة أن محمود درويش شاعر مبدع في موسيقى الشعر وذو مقدرة فائقة في التحكم بموسيقى قصائده ، يعرف تماما ً متى يكثر من ايقاع نغمة معينة ومتى يحول هذه النغمة الى ايقاع جديد ليرهف الاذن ولا يدعها تمل القصيدة على الاطلاق .

تأثير الشعر القديم على قصائد الديوان

تكثر في ديوان أوراق الزيتون قصائد قريبة في بنائها ومضمونها من الشعر القديم . (وهذه ظاهرة يمكن أن ناخذها على محمود درويش في هذه الدراسة إذا وضعنا هذه القصائد مقابل دعوته التي عرضناها في قصيدته عن الشعر والتي دعا فيها الشعراء الى الكف عن الغزل والخمريات والتوفيق بين الشعر وروح العصر) . ففي أوراق الزيتون ثمة قصائد يلجأ شاعرنا فيها الى استخدام الالفاظ والتعابير المزخرفة والمبالغة القريبة جدا ً من الشعر القديم . فهذه مثلا ً قصيدة وهم ص .73

      يا ضحكة العينين لا تتجبري          لا لن يصدق قلبي الموهوم ُ

     ارجوك غطّي بالوعود بدايتي          ودعي المصير ... كما المصير يروم ُ

     انا عارف أن الرماد نهايتي            ما دمت ُ حول لظى الشفاه أحوم ُ

     لكنني وحياة أبخل نسمة                يعتز فيها عمري المهزومُ

     راض ٍ بأي نهاية ما دام في            حضن الملاك ضريحي المرحوم ُ

في هذه القصيدة استعمل محمود درويش المبالغة الشديدة في وصف شعوره تجاه حبيبته تماما ً كما كان يفعل الشعراء الرومانسيون القدماء وشعراء الغزل في الشعر العربي القديم . ( انظر رجاء النقاش في كتاب محمود درويش ص. 140 ) . وتجدر الاشارة الى ان محمود درويش قد أكثر في ديوان أوراق الزيتون من القصائد الغزلية التي تشير الى تؤثر الشاعر في تلك الفترة بشعراء الرومانسية من امثال ناجي ، طه والياس أبو شبكة .. ( وهذا ليس عيبا ً في نظري ذلك أن تأثر محمود درويش بشعراء الرومانسية قد أكسب شعره احساسا ً رقيقا ً وجميلا ً حتى في قصائده الوطنية ).

ومن الغزليات الاخرى التي نراها في الديوان قصيدة الموعد الآخر ص.71 يقول فيها :

نقول شكرا ً للطريق الذي

لمّ خطانا من مدى اسود

نقول شكرا ً للقطار الذي

توأمنا في ذلك المقعد

نقول شكرا ً للزمان الذي

لملمنا من دونما موعد !

لمن يكون الشكر يا حلوتي

إن عاش قلبانا معا ً ... في غد ؟!

إن هذه القصيدة برغم جمال وعذوبة كلماتها تفتقر للتجربة الوجدانية الحقيقية فبدلا ً من أن يلجأ الشاعر الى وصف شعوره الحقيقي تجاه حبيبته لجأ الى صياغة الصور الكلامية الجميلة كقوله : شكرا ً للقطار الذي توأمه مع حبيبته وشكرا ً للطريق الذي جمعه واياها وشكرا ً للزمان وهذا نوع من الصور الرومانسية العامة .

ومثل هذه الصور الغزلية تكثر في ديوان أوراق الزيتون . فهناك قصيدة بعنوان غزلية ص.83 :

      سأقول عن عينيك أجمل ما يقال

      لو نلتقي في العمر يوم ٌ

      سأقول للصدر المحمل بالغلال

      يا ليتني ناطور كرم .

في هذه الابيات  يتمنى الشاعر أن يكون ناطور كرم ليقطف غلال صدر حبيبته . فهذه الصورة والصور الغزلية الاخرى شبيهة الى حد كبير بصور الرومانسيين مثل الياس أبو شبكة . وهذه صورة من شعر أبو شبكة مثلا ً : ( ص .174 من دراسة عن أبي شبكة لجورج غريب )

حبها كان معطرا ً لعذابي          قمت منه الى نعيم دائم

ونقاء على جبينك يا ليلى          كأن الملاك ما زال حائم .

إن هذين البيتين شبيهان في مضمونهما والمبالغة التي وردت فيهما بالأبيات التي قالها محمود درويش في قصيدة وهم وخاصة ً البيتين الأخيرين.

وعلى منوال هذه الغزليّات يقول محمود درويش في أوراق الزيتون :

        أأزور منزلها ولكن ما أقول

        ماذا أريد

        أأقول من فرط الفضول

        يا ليتني ساعي بريد.

وفي قصيدة  صلاة (ص.42) يقول :

   من أنا كافرٌ بكل صيام

   مدمنٌ مدمنٌ بكل قواه

   حسب عمري – يا كل مطلب عمري

   انني شاعرٌ وأنت اله.

ان هذه الصورة الجميلة التي رسمها الشاعر نتجت عن انطلاقة الشاعر للمبالغة في اكرام واجلال حبيبته مقابل الحط من مركزه هو كقولِهِ انه شاعر اما حبيبته فهي اله.

   ان كلامنا عن الملامح الفنية القديمة في شعر محمود درويش يجرّنا الى خاصّة أخرى تبدو واضحة في ديوان أوراق الزيتون وهي لجوء الشاعر الى صياغة الحكم والأمثال في شعره وهي ظاهرة تكثر عادة ً في الشعر القديم وخاصة ً الشعر الجاهلي. انّ أبرز هذه الحكم أو الأمثال التي صاغها محمود درويش في هذا الديوان نجدها في قصيدة عن انسان ص.17 وهو يقول :

   يا دامي العينين، والكفين :

   ان ّ الليل زائل

   لا غرفة التوقيف باقية

   ولا زرد السلاسل !

   نيرون مات، ولم تمت روما :

   بعينيها تقاتل !

   وحبوب سنبلةٍ تجف ُّ

   ستملأ الوادي سنابل .

في هذه الأبيات صورة انسانية رائعة رسمها محمود درويش مخاطبا الانسان المضطهد، الحزين فيطمئنه على أنّ الليل زائل والليل هنا رمزٌ للظلم والتعسف، ويضيف على أنّ مظاهر الاضطهاد، كغرفة التوقيف وزرد السلاسل زائلة بزوال الطاغية، تماما كما حصل لنيرون الذي مات اما مدينته، روما فظلّت حية تكافح بعينيها ضد الظلم والطغيان. وفي السطرين الاخيرين يقول الشاعر انه مهما تعرض المظلومون للاضطهاد فان عزمهم على مواصلة الحياة والكفاح سيتضاعف تماما كما تملأ سنبلة تجف الوادي سنابل..

وفي قصيدة عن الأمنيات ص.61 ياتي محمود درويش بحكم اخرى فيقول :

    لن يصبَّ النيل في الفولجا

   ولا الكونغو ولا الأردن في نهر الفرات

   كل نهر ٍ وله نبعٌ ومجرى وحياة .

   وقوله : كل ارض ٍ ولها ميلادها

            كل فجر ٍ وله موعد ثائر .

هذا قليل من كثير من الحكم والأمثال التي صاغها محمود درويش في شعره في ديوان أوراق الزيتون. ولا شك أن هذه الحكم قد استنبطها الشاعر من تجربته الشخصية ومن تجربة شعبه الفلسطيني الذي يعيش ظروفا قاسية. وبهذه الحكم التي يطرحها أراد الشاعر أن يهوّن على أبناء شعبه مأساتهم وأحزانهم اذ يبدو محمود درويش في شعره ومن طرحه لهذه الحكم متفائلا ً جدا ً وهو يبشر بحتمية التحرر والتخلص من المعاناة .

ان هذه الحكم التي نراها في ديوان أوراق الزيتون قريبة جدا في شكلها وأسلوبها من تلك التي نجدها في الشعر القديم وخاصة الجاهلي وهي تذكرني بقول الشاعر الجاهلي :

   اذا المرء لم يدنس من اللئم عرضه           فكل رداء ٍ يرتديه جميل

   أو :

   تعيرنا انا قليل عديدنا                         فقلت لها ان الكرام قليل ُ

أن وجود الحكم في ديوان أوراق الزيتون هو اشارة اخرى لمعرفة محمود درويش المتعمقة بالشعر القديم الذي تعلم منه الكثير وتأثر به. وفي قصيدة عن الصمود ص.55 اشارة اخرى الى ذلك عندما يقول:

       النار تلتهم الحقول الضارعات

      وأنت تسهر

ان هذا البيت يذكرني بقول المتنبي في هجائة كافور :

نامت نواطير مصرٍ  عن ثعالبها

كلمة اخيرة

أود ان اشير الى أن ديوان اوراق الزيتون هو الديوان الثاني فقط من مجموعة دواوين عديدة صدرت للشاعر محمود درويش بعد هذا الديوان . وعلى الرغم من كون هذا الديوان قد صدر في المرحلة الاولى من مراحل محمود درويش الشعرية الا انه جاء غنيا جدا ً شكلا ومضمونا ً. وعبر فيه الشاعر عن عواطفهِ التي تنم عن شعور ٍ ووعي ٍ انساني عميق. هذا الديوان أثبت قدرة محمود درويش الفنية واللغوية فعبّر من خلاله عمّا يجول في نفسِهِ من خيال ٍ وأفكار، وكل ذلك بأسلوبٍ شعري ٍ غني بالموسيقى العذبة والخيال الغزير واللغة الجميلة. أمام شاعر مبدع كمحمود درويش وديوان ٍ غني كهذا لا تزال هذه الدراسة متواضعة اقتصرت على معالجة الجوانب الفنية البارزة والرئيسية في الديوان ولم يكن المقصود منها تقييمه من وجوهه المختلفة، فهذه الدراسة لم تعالج قضية المضمون مثلا كما لم تحلل او تعالج جميع القصائد المطروحة .

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية