موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

ثرثرة في مقهى شعبي – 7

 مقال سليمان عباسي - ثرثرة في مقهى شعبي – 7

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

جلس صاحبي بقربي في المقهى متأففاّ بعبارات لم أحاول ترجمتها لإنشغالي في قراءة عناوين الصحف كعادتي فأجواء مقهاي هذا لا تساعد على التركيز بسبب ضجيج عمال المقهى وهم يهرولون لتلبية طلبات الزبائن وصوت المذياع وهو يبث أغان لمطربين ومطربات تذهب بكل ما تبقى من جمال  في دنيانا البائسة هذه .

ربت صاحبي على كتفي قائلاّ : نحن هنا يا أخ !!

رفعت رأسي عن الصحيفة : عفواّ يا صاحبي لم أنتبه إليك .. فأنا كما ترى منهمك في القراءة .

بتأفف ظاهر وبلهجة آمرة قال : ضع صحفك جانباّ ودعنا نثرثر قليلا .

ضحكت وتجاهلت لهجته الآمرة : أمرك .

وضعت الصحف جانباّ وأشعلت سيجارة جديدة ثم قلت له : تفضل أنا جاهز للثرثرة حسب أوامرك سيدي .

قطب مابين حاجبيه وسألني : قرأت في كتاب أن الحقيقة شيء والواقع شيء آخر فهل هذا صحيح ؟؟

استغربت عبوسه وتكشير ته ومازحته قائلاّ : طبعاّ صحيح فمثلاّ إبتسامتك الحلوة هذه وان كنت أحار في تفسيرها وإدراك دوافعها في هذا الزمن الأغبر حقيقة وان كانت غير ملموسة آما أنت شخصياّ فإنك واقع أستطيع أن ألمسه .

أدرك سخريتي ورغبتي في ممازحته فنهرني قائلاّ : دعك مني ومن إبتسامتي المحيرة ولنتكلم بجدية .

لمحت الإصرار وبوادر الغضب في عينيه فقلت : للإبتعاد عن الفلسفة واللغة الخشبية ولتبسيط الأمور سأذكر لك بعض الأمثلة من واقعنا الراهن .

المثال الأول : دعوة الزعماء العرب في مؤتمرهم الأخير إلى التمسك بالمبادرة العربية دون تعديل حسب        الأوامر الإسرائيلية والأمريكية حقيقة .

والواقع  أن الكثير منهم يقف في الطابور أمام البيت الأبيض ينتظر دوره  للتوقيع على التنازل عن البقية الباقية من الأرض الفلسطينية وعلى إلغاء حق العودة لسبعة ملايين لاجئ في الشتات .

المثال الثاني: دعوة الزعماء والقادة العرب من المحيط إلى الخليج لفك الحصار الاقتصادي الجائر عن الشعب الفلسطيني حقيقة.

والواقع أن الجميع ومن المحيط إلى الخليج أيضاّ مشاركون وبفعالية يحسدون عليها وبإخلاص نادر في الحصار الاقتصادي الجائر ضد الشعب الفلسطيني .

المثال الثالث : دعوة القادة الفلسطينيين للتمسك بالسلطة وإنجازاتها  والتحذير من إنهيارها حقيقة .

والواقع : أنه ليس هناك سلطة ولا يحزنون بل هناك وهم أطلقوا عليه اسم السلطة وما يحدث على الأرض يثبت أن الجميع متهافت على امتلاك هذا الوهم حتى ولو كان الثمن ضياع الوطن برمته .            

التفت على عامل المقهى وقلت : تعال يا فادي وأحضر لي فنجاناّ من الشاي السادة على روح الحقيقة والواقع المستعصية الفهم على صديقي هذا .

تململ صديقي في كرسيه وقال : لكن هناك حكومة ووزراء واستقبال ووداع وبساط أحمر .

أشفقت عليه لكنه أثارني مما دفعني للقول : من المؤكد أن الغباء قد أعمى بصيرتك وجعلك لا ترى إلا ما تحت قدميك فمجموع من ذكرت لا يملكون السيطرة على شارع واحد في غزة المحررة حسب زعمهم ، وبنبرة حادة أردفت : لقد شاهدنا جميعاّ رئيس تلك الحكومة يجلس على حجر عند معبر رفح ينتظر الأذن من أو لمرت للرجوع إلى منزله وبعد كل هذا تقول لي حكومة ووزراء وبساط احمر وبساط اخضر .

أشعلت سيجارتي العاشرة وبلهجة غاضبة قلت : دعنا من السلطة وأهل السلطة ومن الحكومة ومن الوزراء ومن الحقيقة ومن الواقع وأشرب الشاي ودعني أعود لقراءة عناوين تلك الصحف اللعينة .

                                 سليمان عباسي ----- دمشق

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية