موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

الموت البطيء..

 مقال د. رفيق حاج - الموت البطيء..

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

تخيلوا ان كل الناس او اغلبيتها تختار ان تبقى في منطقة الراحة الخاصة بها! هل ستكون هنالك مبادرات جديدة؟ هل سندرك من نحن وما هي قيمتنا الحقيقية؟ هل سنكتشف الطاقة الكامنة في داخلنا؟
لقد صادفت كثيرا من الناس في حياتي الذين يرفضون تغيير نمط حياتهم ولو بذرة واحدة- يمارسون نفس المهنة منذ عشرات السنين ويقطنون بنفس البلدة ويتواصلون مع نفس الاصدقاء الذين يعرفونهم منذ الطفولة ويمارسون نفس العادات والهوايات ويضحكون من نفس النكات ويسمعون نفس الموسيقى. الخروج عن المألوف في اعينهم هو تمرد او تدهور او نكران لنعمة الخالق او تنازل عن الثوابت او خيانة للمبادئ، وإن سألت واحدا منهم عن السبب الذي يجعله قابعا في مكانه وملازما لزمانه ينهال بالمديح على وظيفته ومكان سكناه ومدى اخلاص اصحابه له وكأنك اتيت لتصادرهم منه، ويختم اقواله بأنه يفضل الموجود على المنشود خشية من غدر الزمان وانعدام الامان وان من تعرفه أحسن بكثير ممن لا تعرفه. انهم غارقون حتى اذنيهم فيما يعملون ويمارسون وغير مستعدون ان يلتفتوا يمينا او يسارا خشية الخروج من منطقة الراحة التي رسموها لأنفسهم. النظر الى حياتهم واعمالهم وعلاقاتهم من زاوية اخرى يرعد فرائصهم لأنه يتطلب بعض المجازفة والمجهود.
منطقة الراحة هي مصطلح مركزي هام في عالم التدريب (coaching) ويستعمل لوصف المكان الذي نشعر به بالراحة التامة والذي يضمن لنا الأمان والاستقرار. من غير ان ندري نلوذ اليه ونستقر به حتى لو كان ذلك لا يخدم مصالحنا و يقف حجر عثرة امام تقدمنا، وبالرغم من انه يسبب لنا الحزن والمعاناة و الملل والاحباط، وتواجدنا به ينافي كل المبادئ التي آمنّا بها وهو غير ملائم لشخصيتنا ولا لطباعنا لكنه مع كل ذلك مريح لنا. لقد رفضت احدى السيدات الالتحاق بوظيفة "مديرة مشاريع" في احدى الجمعيات الكبيرة مع انها كانت تحلم كل حياتها بالعمل في مجال تخصصها وان يكون لها دور في تطوير مجتمعها وذلك لأن العمل به يتطلب ساعات كثيرة والتنقل من مكان الى مكان. لقد فضّلت "سيدتنا" ان تبقى في مكان عملها وان تدرّس موضوعا خارج نطاق اهتماماتها وان تصغي لمدير لا تطيقه وان تقوم بتدريس نفس المادة كل سنة  من ان تجري وراء حلمها. تقول هذه السيدة ان مكان عملها الحالي قريب من بيتها والدوام به يتيح لها ان تكون في البيت الساعة الثانية بعد الظهر وهكذا تستطيع ان تقوم بواجباتها تجاه الزوج والأولاد والعائلة.
منطقة الراحة هي مكان نأبى مغادرته او عادات نأبى الإقلاع عنها او حالة نفسية او صورة اخترنا الظهور بها. من المريح لنا ان نظهر  كـ"مساكين" لكي نحظى بمساعدة واهتمام من حولنا  او "سريعي الغضب" ليحظروا الاقتراب منا او "جبناء" لكي لا يطلبوا منا الاستثمار. نحن لا نعبأ بالأوصاف التي يطلقونها علينا ما دامت تخدم رغبتنا بالبقاء على ما نحن عليه. لن تجد بين الذين اختاروا البقاء في منطقة راحتهم من يغيّرون قصة شعرهم او هندامهم او الوانهم المفضلة او رائحة عطرهم او مظاهر احتشامهم.
هذا هو الموت البطيء الذي يتحدّث عنه بابلو نيرودا، الشاعر التشيلي الذي حاز على جائزة نوبل للآداب سنة 1971 إذ قال:" من يصير عبداً للعادة /  من يستعمل كل يوم نفس الطريق /  من لا يغير أبداً سِمَتَه /   من لا يجازف بتغيير لون ملابسه / أو من لا يتحدث إلى مجهول / يموت ببطء.."
ما اود الاشارة اليه ان منطقة الراحة هو نتاج خيالنا وهو قرار اتخذناه لأنفسنا وهي تختلف من شخص الى شخص، والخروج منها قضية تتعلق بنا فقط. كذلك الأمر بالنسبة لمستوى تشبثنا بها.  هناك بعض الاشخاص الذين لو اخرجتهم من منطقة الراحة لحكمت عليهم "بالإعدام" او "بالإقصاء" او "بالأعمال الشاقة" فهم لا يجيدون غير ما يعرفون ولا يتكلمون لغة لم  يرثونها عن امهاتهم او احتاجوها لتكملة تعليمهم ولا يجيدون التصرف مع اشخاص من غير جنسيتهم او طائفتهم او حزبهم او مهنتهم وان اجبروا على ذلك فيلزمون الصمت وتراهم واجمين على وشك البكاء كالصغير التي تركته امه لوحده بين "أغراب".
لو لم يكن للأمر تداعيات على المجتمع لما تجرأت على الخوض في هذا المقال فكل انسان حرٌّ في تصرفه ومسؤول عن قراراته ومن نحن لنجبره او نشجعه للخروج من منطقة راحته. تخيلوا ان كل الناس او اغلبيتها تختار ان تبقى في منطقة الراحة الخاصة بها! هل ستكون هنالك مبادرات جديدة؟ هل كنا سندرك من نحن وما هي قيمتنا الحقيقية؟ هل كنا سنكتشف الطاقة الكامنة في داخلنا؟
لم يُصنع التاريخ ولم تُنجز المعجزات من قبل اشخاص قرروا المكوث في اماكنهم  وانما من اشخاص صمموا ان يخرجوا منها وان يبحثوا عن مواقع وساحات واشخاص ولغات وعادات وتقاليد أخرى. صحيح ان قسما كبير منهم دفع ثمنا غاليا لكن النفع الذي اتوا به على من حولهم جراء تجاربهم ومغامراتهم ورحلاتهم واكتشافاتهم لا يوصف ولولاهم لكنا قابعين في غياب الجهل والتأخّر.
كما اسلفت ان نبقى او نرحل من منطقة الراحة الخاصة بنا هذا امرٌ منوط بنا. لنبدأ بالخطوة الاولى. لنخُض مجالات جديدة وان لم تُجدِ نفعا فلننتقل لأخرى حتى النجاح وإن لم ننجح نعود الى مواقعنا ونقول لأنفسنا "لقد حاولنا" لأن الامتناع عن التجربة هو "الموت البطيء" بعينه!

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية