موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

الماسترشيف للدولة العبرية!

 مقال د. رفيق حاج - الماسترشيف للدولة العبرية!

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

لقد قامت نوف عثامنه بإدخالِ تعديلاتٍ طفيفة على المأكولاتِ العربيّةِ المألوفةِ وجعلت مذاقها مقبولًا على الإنسان الغربيّ والعربيّ على حدّ سواء؟ أليس هذا إنجازًا بحدّ ذاته ومدعاة للتأمّل والتفكير؟ لقب البطولة في أيّ مجال مدعاة للفخر بغضّ النظر إذا كان في مجال الطهو أو الغناء أو الرسم أو الرياضة أو العلوم. الشخص هو الذي يُكرّم المجال الذي يعمل به وليس العكس.

لقد تباينت العربُ فيما بينها وانقسمت في مواقفها تجاهَ فوزِ الدكتورة نوف عثامنه من مدينة باقة الغربيّة بلقب الماستر شيف للدولة العبريّة. هنالك من يعتبر ذلك نصرًا معنويًّا ومهنيًّا وحتّى قوميًّا وآخرون، خاصّة رجال السياسة منهم، يعتبرون ذلك ذَرّ رمادٍ في العيون وتغطيةً على تقصيرِ الدولة العبريّة في حقّ العرب. منهم من يقول إنّ القصّة تتلخّص بفتاة تتقن الطهو أو ما يُسمى بالعاميّة "الطبيخ"، الذي لم ولن يُحتسب من المجالات الجدّية التي نعتزّ بمن تألّق بها. فكما هو معروف نحن أناس "جدّيون" ومنهمكون بالأمور "الجدّية" كقضيّة الصراع اليهوديّ العربيّ وقضيّة المساواة ومثل تلك الأمور غير هامّة ولا تعنينا، خاصّة أنّها تخلّد صورة العربيّ الذي يتقن صنع الحمص والفلافل والشوارما والحلويات الشرقية وغيرها التي بات اسمها مقرونا باسم العرب, وكأن هذا المجال هو الوحيد الذي نجيده.
عندما نقوم بتحليلِ حدثٍ ما، ينبغي أن ننظرَ إليه من عدّة زوايا. هنالك من يرى نصف الكأس الفارغ وهنالك من يرى النصف المليء. هنالك من يرى النصف الفارغ ويندب حظّه ليل نهار على الغبن الذي لحق به ويتّهم الآخرون بذلك، وهنالك من يرى النصف المليء ويعتبره إنجازا ويسعى حثيثًا من أجل الوصول إلى الكأس المليئة مستعينا بالآخرين. أي نصفٍ نختار يتعلّق بنا وبإدراكنا للحياة. هنالك الكثير من العبر التي يمكن أن نستقيها من فوز الدكتورة نوف بلقب الماستر شيف في البلاد ومن فوز لينا مخول بالمكان الأول ببرنامج "ذي فويس" ومن آخرين وأخريات الذين اِنتُخبوا، على ما يبدو، من قبل المشاهدين اليهود.
أنا شخصيًّا أكنّ كلّ الاحترام والتقدير لنوف على إنجازها واعتبره فخرًا لنا بغضّ النظر عن سياسة الحكومة الاستيطانيّة والغبن اللاحق بالعرب، وذلك لعدّة أسباب: أوّلًا، لأنّها من الشعب الذي أنتمي إليه، ولقب البطولة في أيّ مجال مدعاة للفخر بغضّ النظر إذا كان في مجال الطهو أو الغناء أو الرسم أو الرياضة أو العلوم. الشخص هو الذي يُكرّم المجال الذي يعمل به وليس العكس. ثانيا، هنالك الكثير من الشجاعة والجرأة التي نستطيع أن نعزوهما لنوف على اختيارها التنافس في حلبة غير سهلة بعيدة كلّ البعد عن مجال تخصّصها، فهي حائزة على لقب الدكتوراه وما بعد الدكتوراه في موضوع الميكروبيولوجيا. القوا بربّكم نظرة على حملة شهادات الدكتوراه والبروفيسوراه في مجتمعنا، هل تجدون بينهم من يجرؤ على المنافسة العلنيّة في هذه الحلبات؟ ثالثا، اللقب الذي تلقّته نوف نابعٌ من مستواها المهنيّ العالي ومن تأييد الناس لها، وخاصّة اليهود، وهذا ليس منحةً أو جائزةً "حكوميّة" مُنحت لها للتغطية على التقصير اللاحق بالوسط العربيّ. لماذا لا نُطري لمن نجح من بين ظهرانينا؟ هل أصبح الإطراء عملة صعبة في هذه الأيام؟ رابعا، لم تُخفِ نوف احتجاجها واستيائها من أنّها لم تجد وظيفة تلائم المجال العلميّ الذي اختارته وأنّ مثيلاتها من الفتيات اليهوديّات لم تجابهن مثل تلك الصعاب. أي أنّ نوف واعية جيّدا للواقع السياسيّ الذي تعيشه ولم تقم بالتملّق للطرف الآخر بل استغلّت الفرصة لعرض قضيّة التمييز ضدّ العرب على أحسن وجه.
لكلّ الذين يعتبرون فوز نوف مزيّفًا وأنّه "على عينك يا تاجر" وأنّه أتى للتستّر على التمييز المُمارس ضدّنا، أريد أن أطرح سؤالًا- لو لم تَفُز نوف بهذا، بلقب الماستر الشيف، وفاز به شخصٌ آخر هل ساعتها سيتوقّف التمييز ضدّنا؟ وكأنّ فوز نوف هو الذي يقف حجر عثرة أمام توسيع المسطّح السكنيّ أو استيعاب مهندسين عرب في شركة الكهرباء؟
لقد قامت نوف بإدخال تعديلات طفيفة على المأكولات العربيّة المألوفة وجعلت مذاقها مقبولًا على الإنسان الغربيّ والعربي على حدّ سواء؟ أليس هذا إنجازًا بحدّ ذاته ومدعاة للتأمّل والتفكير؟ ألا يستوجب ذلك نسخ هذا النجاح ونقله إلى مجالات أخرى والقيام  بتعديل بعض من أفكارنا ووسائل نضالنا ومن خطابنا السياسيّ لتصل إلى مسامع وأذهان "الطرف الآخر"، هذا إذا أردنا أن نصل إلى إنجازات حقيقيّة.
لقد قامت نوف بنقل صورة إيجابيّة حول المواطن العربيّ بعد أن قامت وسائل الإعلام بتشويهها على مرّ الأزمنة- كالقتل على خلفيّة ما يُسمى بشرف العائلة أو العنف ضدّ حكّام المباريات في كرة القدم، وغيرها.. وهذا أمر يستحقّ الثناء. أنا متأكّد أنّ نوف قامت باحتلال قلوب مئات الآلاف الذين قاموا بتأييدها وهي قادرة على تجنيد ذلك من أجل القيام بمشاريع تعود عليها وعلى المجتمع العربيّ بخير. هنيئا لنوف ولأمثالها ومثيلاتها.
 

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية