موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

الشخصية الطاووسية

 مقال د. رفيق حاج - الشخصية الطاووسية

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

صاحب الشخصية "الطاووسية" يؤمن في قرارة قلبه أنه الأعظم والأنجح والأجمل ويعتقد انه على صواب دائما. قد تبدو الشخصية الطاووسية مسلية بعض الشيء او مثيرة للضحك وللتهكم, لكنها وللأسف بعيدة كل البعد عن ذلك لأن حاملها يشكّل خطرا على نفسه وعلى الآخرين.

"الطاووسية" هي استعارة مُشتقّة من كلمة طاووس, ذلك الطير الذي يُعتبر من أكثر الطيور بهرجة وزهوًا لكثرة الوانه ولطول ريشه ولجماله, فالذكر يمكنه نشر ريشه إلى الخلف في شكل مروحة جميلة تصل الى طول يبلغ يفوق الخمس مرات من طول جسمه. و"الشخصية الطاووسية" هو ذلك الشخص الذي لا يُشغله شاغل غير إثارة الانطباع "الجيد" لدى الآخرين لينتبهوا لجماله ولذكائه ولقوته ولعظمته غير آبهٍ بتجنب الناس لمجلسه او عدم اصغائهم له او عزوفهم عن البقعة الجغرافية التي يتواجد بها لأنه ينجح دائما بالعثور على شلة من المنافقين والضعفاء او من الأقارب الذين لا حول لهم ولا قوة ليفاخر بنفسه وبأعماله, وإن لم يجد مثل هؤلاء من حوله فتراه يبادر الى التعرف على أُناس جدد في القطار او الطائرة او المؤتمرات ليشرع بسرد القصص عن نجاحاته وعن أوسمته وبطولاته.
صاحب الشخصية "الطاووسية" يؤمن في قرارة قلبه أنه الأقوى والأعظم والأنجح والأجمل ويعتقد انه على صواب دائما ومن حوله على خطأ, وهو لا يُصغي الى الآخرين ويستمع الى نفسه فقط وهو يشفق احيانا عليهم لضعفهم وقلة فهمهم. لا تهمه آراء الناس ولا مواقفها ولا ينتظر إجاباتهم لأنه يعرف بماذا يتفوهون وكيف يفكرون ويعتقد انه يتفوق عليهم بدرجات حتى لو كانوا يتحدثون في مجالات لا يتقنها ولن يتقنها. باختصار, صاحبنا يعتقد بأن لا مثيل له في هذه الدنيا بغض النظر اذا كان متفوقا او صعلوكا او إذا كان ثريا أم فقيرا مدقعا ولو نظرتم حولكم تجدون الكثير منهم في مجتمعنا الذي بات دفيئة لأمثاله.
قد تستغربون لو قلت لكم ان ظاهرة "الطاووسية" تنمو وتزدهر في المجتمعات الفقيرة أو بالتحديد في المجتمعات التي تسود بها ثقافة الفقر. يدّعي الانتربولوج العالمي اوسكار لويس بأن المباهاة والمفاخرة وإثارة حسد الناس هي مَعلَماً من مَعالم ثقافة الفقر, وان ثقافة الفقر تستنسخ نفسها حتى بعد زوال الفقر. ان اول ما يقوم به الفقير عندما يغتنى هو شراء بيت كبير او سيارة فخمة لتقرّ الناس بثروته وتعترف بتفوقه. وتراه يرتدي الملابس الفاقعة الألوان والبراقة ويضع السلاسل الذهبية على عنقه ويمرغ جسمه بأكواب من العطور التي تفوح رائحتها على بعد كيلومتر, وإن احتفل بعرس ابنته او ابنه يدعو اليها اشهر المطربين ويقدّم افخر الطعام لتظل الناس في ذكر سيرته ويظل اسمه على لسانهم.
قد تبدو الشخصية "الطاووسية" مسلية بعض الشيء او مثيرة للضحك وللتهكم, لكنها وللأسف بعيدة كل البعد عن ذلك لأن حاملها يشكّل خطرا على نفسه وعلى الآخرين. يعمل صاحب الشخصية "الطاووسية" جاهدا وبدون كلل من اجل إخفاء عيوبه عن المحيطين به ولهذا الغرض كل شيء بنظره مُباح حتى الكذب والتكذيب والافتراء والتخوين والتستّر وبيع الضمير والخ, وإن لم ينجح في التستر على فشله تراه ينهار تماما ويدخل في حالة كآبة عميقة وليس من المستحيل ان يقوم بإيذاء نفسه او بإيذاء الآخرين او حتى بالانتحار, وهذا ما حصل للمذيع الكوميدي الاسرائيلي "دودو طوباز" عندما قامت مُعدّة البرامج التلفزيونية بتنحيته حيث قام بإرسال بلطجية للاعتداء عليه وعندما سُجن على هذه الخلفية فقد قام بالانتحار. قد نجد أمثلة أخرى لهذه الشخصية بالقذافي وبصدام حسين وبزعماء آخرين.
يفضّل صاحب الشخصية الطاووسية ان يكون وحده في الساحة, ولا يطيق وجود اصحاب شخصية "طاووسية" مثله, لأن وجودهم يهدده ويعرقل مساعيه ومن أجل اقصائهم عن الساحة لن يتورع بارتكاب الفواحش ضدهم والقيام بقذعهم وتحقيرهم وبالتشهير بهم وبتلطيخ سمعتهم, وهذا أمر مقلق. ينبغي الحذر من الوقوف بصف مثل هؤلاء لأنهم يفتقدون النزاهة والموضوعية والنية الحسنة في أقوالهم وأفعالهم.
يعاني مجتمعنا العربي في اسرائيل من ظاهرة "الطاووسية" لكونه مجتمعا انتقاليا عانى من الفقر والقلة في منتصف القرن السابق وتحسنت ظروفه المعيشية مع الزمن. هنالك الكثير من الأشخاص الذين اغتنوا وكسبوا ثروة ولكن تطورهم الاقتصادي لم يرافقه وعي وتطور فكري وظلت ثقافة الفقر تعشعش في نفوسهم, ومن ثمّ ترى اغلبنا نجاهر بإنجازاتنا وبشهاداتنا وشهادات أولادنا ونفخر بعلاقاتنا وبشروط العمل التي حظينا بها, ونضع "الجمال الخارجي" كأهم معيار لاختيار شريك او شريكة الحياة وننفق الاموال الباهظة على الأعراس واعياد الميلاد وحفلات التخرج ونخرج من طورنا من أجل فوز عائلتنا في الانتخابات لنضمن لها الصدارة.
لا حاجة ان نثقل على سامعينا بأخبار نجاحاتنا لأن التحدّث عنها سينتقص منها وسيؤدي الى نفورهم منا ومعاداتهم لنا. وان سألتنا الناس عن أخبارنا والى اين وصلنا نجيب بتواضع وحذر إلا اذا لمسنا لديهم رغبة بمعرفة المزيد. المفاخرة بما عملنا لن يزيدنا إلا بؤسا ويجعلنا مدعاة للشفقة لأن اعمالنا تتحدث عنا فلم المزاودة؟!. لهذا السبب قامت كل الاديان السماوية بالتواضع واعتبرته خصلة من الخصال الحميدة وأنا أعتقد ان التواضع يحافظ على الهدوء النفسي والاستقرار المجتمعي وإلا سنتحول الى اضداد محمومة وموتوره متنازعة فيما بينها على "المكانة" وعلى المظاهر الكذابة.

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية