موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

المواقفُ..ما الذي يُحدّدها!

 مقال د. رفيق حاج - المواقفُ..ما الذي يُحدّدها!

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

تَتحدّدُ المواقفُ بحَسب القيمِ والأخلاقِ التي يحملها كلّ واحدٍ منّا كالشجاعةِ والعدالةِ والتسامح. هنالك عواملٌ أخرى كالآراء المُسبقة والمعلوماتِ الموجودة بحوزتنا تجاه الأشخاص أو الأحداث، وقدرتنا على تحليلها، وقد تكون الأحاسيس والعواطف أشدّها تأثيرًا على اختيارنا للمواقف.

هنالك كمٌّ هائلٌ من الجهدِ الذي نبذلهُ من أجلِ إقناعِ المحيطين بنا بوجهةِ نظرنا، وقد نخرجُ من طَورِنا لجعلهم يتبنون موقفنا، ونستشيطُ غضبًا ويغيب صوابنا عندما نلمس لديهم موقفا مغايرا، ولا نتورّع عن نعتهم بالنفاق، أو الجُبن، أو القسوة، أو الكراهيّة، أو نقبع في أماكننا "محتاسين" وقلقين، في حيرة من أمرنا بمحاولة لتفسير معارضتهم لنا، وكأنّ هنالك موقف واحد ووحيد يجب أن يتبنّاه كلّ من كان شاهدا على الحدث، أو كلّ من تسير في دمه قطرة دم أو كلّ من يتمتّع بمستوى أدنى من العقل. لماذا لا تتّفق الناس على المواقف؟ لأنّ المواقف متعلّقة بكثير من العوامل التي تؤثّر على اتّجاهها وحدّتها واستمراريّتها، وهذا ما سنسكب عليه الضوء في هذه المقالة.

العامل الأساسيّ الذي يؤثّر على الموقف هو كميّة المعلومات الموجودة لدى الناس حول الحدث، أو الشخص، أو التنظيم، أو القضيّة التي نحن بصدد اتّخاذ موقف منها. الاختلاف في كمّيّة المعلومات وفي جودتها تؤدّيان حتما إلى الاختلاف في المواقف. من كان على كثب ساعة الحدث قد يحمل موقفًا مغايرًا ممّن سمع عنه من بعيد، ومن عمل مع الشخص جنبًا إلى جنب قد يحمل موقفًا مغايًرا ممن لم يرَه في حياته. هذا لا يعني أن "نتعاطف" ونقف بشكل تلقائيّ إلى جانب كلِّ من كانَ على قدرٍ أكبر من المعلومات، لأنّه من الجائز أن يختار صاحبنا موقفًا مغايًرا لما كان شاهدا عليه لأسباب تتعلّق فيه. على سبيل المثال قد لا يتّفق موقفه مع مصلحته، أو مكانته، أو قِيمه، فتراه يصمت أو يتخاذل عن إبداء موقفه الحقيقيّ. لعلّ التصريح الذي أطلقه اريك شارون من على منصّة الكنيست، رئيس الحكومة الأسبق، خير دليل على ذلك حين قال "ما نراه من هنا لا نراه من هناك"، وقد قال ذلك إثر اضطراره إلى اتّخاذ مواقف أقلّ تطرّفا بعد انتقاله من المعارضة إلى الحكم ركضًا وراء المصلحة.

هنالك الكثير من المواقف التي تتطلّب قدرًا كبيرًا من الشجاعة لتظهر على الملأ. فليس من السهل أن نتّخذ موقفًا معاكسًا لما اتّفقت الأغلبيّة عليه. ليس من السهل أن تبدي موقفًا مغايرًا لرئيسك في العمل، أو لحزبك، أو لفريقك، أو لمجتمعك، أو لعائلتك، أو للعادات والتقاليد. لكن هذا لا يعني أنّ كلّ من يعارض موقف الأكثريّة شجاع، فقد تكون المعارضة من باب التفرّد بالموقف ولفت الأنظار. لكن وجود مثل هؤلاء لا يقلّل ولو بذرة واحدة من أهمّية الشجاعة في إبداء المواقف، والتاريخ الإنسانيّ يشهد على ذلك.

تتعلّق المواقف أيضا بالقيم التي نحملها- لكي نتّخذ موقفًا تجاه الغبن والظلم يجب أن نؤمن بقيمة العدل، ولكي تقلقنا مظاهر الفقر التي نراها يجب أن نؤمن بقيمة المساواة، ولكي ننبذ العنف والقتل والحروب يجب أن نؤمن بكرامة الإنسان وحقّه في الحياة. يتفاوت الناس فيما بينهم من ناحية القيم التي يحملونها، ومنسوب القيم السائدة في المجتمع قد يعلو وينخفض إثر تغيّرات اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة. وقد تُستبدل القيم الإنسانيّة السامية بالقيم الماديّة وهذا يؤثّر جدّا على المواقف التي نتّخذها.

المعلومات التي بحوزتنا غير كافية لتحديد موقفنا، لأنّ المعلومات بحاجة إلى "معالجة" و"تحليل" لكي تصبح "معرفة" أو "بيّنة"، وهذا يتعلّق بقدراتنا الذهنيّة والتحليليّة وبالتجربة الحياتيّة التي يتمتّع بها كلّ واحد منّا. وهذا يؤدّي إلى تباين بالمواقف بين شخصين كانا شاهدين على الحدث ويملكان نفس المقدار من المعلومات. هنالك أيضا الآراء المسبقة التي تؤثّر على مواقفنا بشكل مقلق. نحن لسنا بحاجة أحيانا لمعلومات وقدرات تحليليّة لنتّخذ موقفًا تجاه من نحمل ضدّهم آراء مسبقة، ولن تُجدي كلّ البيّنات والحقائق التي تقف أمامنا لأنّنا قد حدّدنا موقفًا مُسبقًا ولن يزيحنا عنه أحد.

هنالك أيضا عامل العواطف الذي لا علاقة له بالعقل والمنطق والذي يؤثّر على الموقف الذي نتّخذه. على سبيل المثال، الموقف الذي نتّخذه ضدّ شخص نحبّه ونقدره أو نعشقه أو تربطنا معه صلة الرحم والذي قام بفعلة معيّنه منافية للأخلاق، أو القانون، قد يختلف عن شخص لا نعرفه أو نكرهه. لقد شاهدنا العديد من زوجات المشاهير والشخصيّات الرسميّة اللواتي وقفن إلى جانب أزواجهن إثر فضيحة ما كسرقة ماليّة أو خيانة زوجيّة. نحن نبدي موقفا متفهّمًا ومتسامحًا تجاه أخطاء أبنائنا وبناتنا ونلوم الآخرين بما اقترفوه ولكنّنا نثور ونندّد وندين الآخرين الذين قاموا بنفس الفعلة.

عندما نُصعق من مواقف الآخرين المخالفة لرأينا، أو عندما ننتظر بفارغ الصبر من الآخرين أن يبدوا مواقفهم المساندة لنا ولكنّها تتأخر أو لا تأتي أبدا، أو عندما تخيب آمالنا من أصدقائنا ومعارفنا الذين تقاعسوا أو صمتوا علينا أن نتذكّر أنّ هنالك عوامل عديدة تؤثّر على مواقف بني البشر. لهذا السبب، ليس من السهل تغيير مواقف الآخرين لأنّ العوامل التي جعلتهم يتّخذون هذا الموقف أو ذاك غير معروفة لنا.

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية