موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

الواسطة ظاهرة غير أخلاقية

 مقال د. رفيق حاج - الواسطة ظاهرة غير أخلاقية

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

الواسطة في نظري هي محاولة لإختزال الطريق (شورت كات) واستبدال العمل الجاد والكفاءات العالية بالعلاقات الشخصية من اجل الحصول على مكاسب بدون كد او تعب وهذا ينعكس على مستوى الخدمات التي نتلقاها وعلى تطور المجتمع. "الواسطة" ظاهرة غير اخلاقية وتمس بالقيم السامية

في قُطرٍ تشح به المصادر ويتنافس به الناس على كل وظيفة تزدهر ظاهرة "الواسطة", حيث تتقزّم الكفاءات المهنية والتجربة الحياتية والشهادات العالية أمام شبح "الواسطة" ويفوز بالوظيفة  اشخاص متوسطو القدرات وعديمو المواهب والدافعية, وهذا احد الاسباب لتدني مستوى الانجازات المجتمعية عامة ومستوى الخدمات خاصة. تكثر ظاهرة "الوساطة", إذا صح التعبير في القطاع العام – المكاتب الحكومية والسلطات المحلية والدوائر الرسمية, والمستشفيات والمراكز الطبية الرسمية وحتى المدارس لأن عامل النجاعة بها لا يتواجد في سلم الأفضليات. بما مفهومه بأن إدارة هذه المؤسسات تسمح لنفسها ان تقبل للعمل موظفا اقل كفاءة من غيره وهذا لن يؤدي الى اندثار المؤسسة, لأنها لا تعمل من اجل الربح مقارنةً بالشركات التي لا تستطيع ان تسمح لنفسها بذلك. أي تحيّز غير موضوعي وقبول اشخاص للعمل عن طريق الواسطة مع انهم اقل كفاءة من غيرهم سيؤدي حتما الى تدهور اوضاع الشركة وخاصة في حالة وجود تنافس شديد بين الشركات العاملة في نفس المجال.

تنشط الواسطة ايضا في مجتمعات تسود بها الفئوية على اساس عرقي او طائفي او عائلي تتباين فيما بينها بالقدرات الاقتصادية والثقافية حيث تسعى الأفراد الى التحيز والوساطة للفئة التي ينتمون اليها على حساب الفئات الاخرى, كما ان انعدام نظام للرقابة في المؤسسات على كل ما يخص مسار قبول العاملين او الموظفين للعمل حسب مناقصات وامتحانات مهنية هو سبب آخر لتفشي الظاهرة.

الواسطة هي جزء من ظاهرة اكبر وهي ظاهرة الفساد, و"دولتنا العتية" تعج بظواهر الفساد على كل انواعه ابتداء من رئيس الدولة الى رئيس الحكومة الى الوزراء الى قائد اركان الجيش الى الراب الأعظم والى المسؤول عن وحدة محاربة الفساد في الشرطة. كما هو معروف الفساد مقرون بانعدام الشفافية في العمل وفي اتخاذ القرارات, وحسب   معيار منظمة الشفافية العالمية تتواجد اسرائيل في المكان الـ 36, وهذه مكانة متدنية جدا لدولة تدعي التطور ومنضمة الى منظمة الـتعاون والتطور الاقتصادي (OCED)

 تباعا لما ادعيته سابقا بأن هنالك علاقة مباشرة وطردية بين ظاهرة الفساد والتدريج الاقتصادي-الاجتماعي, نجد ان الدول المتطورة والغنية والديمقراطية مثل الدنمارك, نيوزلندا, فنلندا والسويد اكثر الدول شفافية وتقع في اعلى القائمة, بينما  تقع الدول الفقيرة ودول العالم الثالث مثل الصومال, افغانستان, كوريا الشمالية, سوريا, العراق في اسفل القائمة. الفقر مهين وصراع البقاء يدفع الناس الى التخلي عن القيم واللجوء الى كل الوسائل ومن ضمنها "الواسطة" من اجل الحصول على منافع اقتصادية.

تجلب "الواسطة" اضرارا جسيمة للمؤسسة التي تتعامل معها وهذا ينعكس على المجتمع. الكل يعرف ان مبدأ التنافس هو محفّز اساسي لنجاعة المؤسسات ومن ثم الى تطور المجتمع, هذا بالإضافة الى القضية الأخلاقية. عادة تطلب "الواسطة" مقابلا لخدماتها وهذا امر بغاية الخطورة, فقد تشترط مساعدتنا بتأييدها بالانتخابات وهذا أمر يتعدى الاخلاقية ويعتبر عملا غير قانوني. نسمع ايضا الكثير من الفتيات والنساء الذين دفعن ثمنا "جسديا" مقابل حصولهم على الوظيفة وهذا بنظري أمر خطير جدا. نظام "الواسطات" يعمل ايضا بمبدأ "المقايضة", اساعدك في قبول ابنتك للعمل كموظفة, فساعدني للفوز في المناقصة. بالإضافة الى ذلك,       فهي تخلق اجواء عمل مشحونة وغير صحية. يتهامس الموظفون في اروقة المؤسسة فيما بينهم "هذا الموظف تم تعيينه من قبل فلان "فاحذروا منه" او لا مجال لتقويمه لأنه يخص علان, او "تعالوا لنسود عيشته لأن من عينه غير موجود في المؤسسة". تعج سلطاتنا المحلية العربية بالتعيينات السياسية التي تعتبر مرادفا آخر لتعيينات من قبل "واسطات" وهذا ينعكس بمستوى الخدمات البلدية التي نتلقاها.

وما العمل؟ كأية آفة اجتماعية هنالك مساران للعمل: الأول هو مسار الرقابة والعقاب والثاني هو مسار التربية والتوعية. بما يخص الرقابة والعقاب- يجب على كل مؤسسة رسمية تبني مسارات قبول واضحة وتحت اعين الجميع وايضا تبني معايير مهنية  مُلزمة وإنزال العقوبات على من يتعامل مع "الواسطة". كلنا نُدرك العقاب الذي تلقاه الوزيرين تساحي هنجبي وايهود اولمرت من جراء التعيينات السياسية التي قاما بها في سلطة المصالح الصغيرة. يجب سن قوانين اكثر وضوحا واشد عقوبة على كل من يتعامل مع "الواسطة". على ناخبينا ايضا ان يقوموا بمعاقبة كل رئيس سلطة محلية يتعامل مع "الواسطات" بسحب تأييدهم له.

اما بخصوص التربية والتوعية فنحن بحاجة الى الى معلمين ومربين, لم يُقبلوا للعمل عن طريق الواسطة, ليربوا تلاميذهم على القيم الانسانية ومن ضمنها الاستقامة. للمدرسة يوجد دور وللأهل يوجد دور في بناء جيل يتحلى بالأخلاق والمثل العالية. هنالك نصوص يجب ان يطلع عليها كل طالب وورشات عمل يجب ان يخوضها كل مربي وكل مدير. نحن بحاجة الى صحافة غير مساومة تفضح كل محاولة لقيام مسؤول "بالتواسط" الى ذويه.

 

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية