موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

الشجاعة أُمُّ القيم..!

 مقال د. رفيق حاج - الشجاعة أُمُّ القيم..!

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

لا يمكن أن نكون عادلين إذا لم نكن شجعانا، لأنّ الحكم بالعدل يتطلّب الشجاعة وإلّا فسنقف مع القويّ ضدّ الضعيف. لا يمكن أن نكون أحرارا في تصرّفاتنا واختياراتنا إلّا إذا كنّا شجعانا، وإلا فسنبيع ضميرنا لمن يزاود. لا يمكن أن نكون دمقراطيين إلّا إذا كنّا شجعانا وتشاطرنا القوّة مع الآخرين ورحّبنا بالنقد البنّاء. تكاد لا تتواجد قيمة في الكون لا تحتاج إلى رجال شجعان لتحقيقها وتثبيتها.

هنالك اعتقاد سائد بأنّ الشجاعة هي خاصّة تولد مع الإنسان ولا علاقة لها بالتربية التي نتلقّاها، أو الظروف الحياتيّة التي نعيشها. وهنالك مقولات على غرار "الجبان يبقى جبانا"، والشجاع لا تخبو شجاعته، هذا طبعا غير دقيق بالمرّة. هنالك الكثير من الأشخاص الذين اتّصفوا بالشجاعة بالماضي، ولكن وبحكم ظروف اجتماعيّة واقتصاديّة معيّنة تلاشت شجاعتهم وأصبحوا يميلون إلى الحرص والخشية منها إلى البسالة والإقدام. هنالك العديد من الذين كانوا في ماضيهم يُرعبون القاصي والداني تراهم اليوم يخافون من خيالهم.

باعتقادي، لا يوجد رجل "شجاع"، بل يوجد رجل قام بأعمال شجاعة، في فترة زمنيّة ما، فاكتسب هذا الاعتراف بأنّه "شجاع"، لكن من الجائز أن تكون شجاعته "محليّة" أو "مؤقّتة" أو "لمرّة واحدة".

من الملاحظ أيضا، أنّ هنالك تضخيما وتهويلا بمعنى الشجاعة وبأنّها مقصورة على نزر قليل من الناس الذين لا يتعدّون نسبة الواحد من الألف، لذا تراودنا بين الفينة والأخرى أسئلة إذا كنّا شجعانا أم جبناء، ونستعين بالآخرين ليزوّدونا بوجهات نظرهم، ونُذهل عندما نقارن أنفسنا بمن أقرّ الناس بشجاعتهم فنجدهم أناسا عاديّين. برأيي، الشجاعة هي محصلة الأعمال الشجاعة المتراكمة التي نقوم بها.

الشجاع ليس فقط من يهاجم الأسد ويقتله (أساسا لم تبق أسود لنقتلها!)، أو من يتسلّق الطابق الرابع لإنقاذ حماته من بيت تأكله ألسنة اللهيب، أو من يقفز من السيّارة المسرعة للقبض على المجرمين. قد تُختزل الشجاعة إلى أن تقوم بالإشارة للمتجاوز على الدور بأن يقف بالدور كغيره، أو أن تقوم بالتوجّه إلى مدير العمل طالبًا منه علاوة تستحقّها، أو أن تطلب من القصّاب مكفهرّ الوجه أن يزيل الدهن من قطعة اللحم التي ستقتنيها، أو أن تسافر إلى دولة غير مطروقة، أو أن تغيّر المهنة التي تمارسها، أو تنفصل عن الشريك المشاكس الذي تشاطره مصلحتك، أو أن تنتقل للسكن في مدينة أخرى، أو أن تقرّر الحصول على شهادة الماجستير في جيل متأخّر.

الشجاعة كانت وما زالت الوقود الذي يُدير محركاتنا، وبدونها تبقى مركباتنا عالقة في مكانها. الشجاعة هي منبع الخصال الحميدة، ولا قيمة للخصال الحميدة بغيابها، لأنّها أداة ضروريّة لتنفيذ عمل الخير الذي نوينا عليه. الشجاعة هي قيمة يتحلّى بها الأقوياء والواثقون بأنفسهم وباستقلاليتهم وبقدراتهم الشخصيّة والمهنيّة، وهي من أهمّ القيم الموجودة في البسيطة لأنّها تشكّل شرطا أساسيّا "لتفعيل" باقي القيم. يقول ابراهام لنكولن "الشجاعة هي ينبوع الخصال الحميدة ومعظمها منشؤها من الشجاعة".

وما هي "القيمة"؟ إذا استعرنا هذه الكلمة من المعجم الاقتصاديّ لوجدنا أنّها تعني الثمن الخاصّ بالشيء. أجل، هنالك ثمن يدفعه الإنسان الشجاع لتقرَّ الناس بشجاعته، فأعماله الشجاعة قد تكون مقرونة بالخسارة، أو الألم. لا يوجد شخص يحمل قيّما سامية لا يدفع ثمن استقامته وعدله ورحمته وانتمائه وغيرها من القيم.

لا يمكن أن نكون عادلين إذا لم نكن شجعانا، لأنّ الحكم بالعدل يتطلّب الشجاعة وإلّا فسنقف مع القويّ ضدّ الضعيف. لا يمكن أن نكون أحرارا في تصرّفاتنا وقراراتنا واختياراتنا إلّا إذا كنّا شجعانا، وإلا فسنبيع ضميرنا لمن يزاود. لا يمكن أن نكون دمقراطيين إلّا إذا كنّا شجعانا وتشاطرنا مع الآخرين بالقوّة التي نملكها ورحّبنا بالنقد البنّاء. تكاد لا تتواجد قيمة في الكون لا تحتاج إلى أناس شجعان لتحقيقها وتثبيتها، وبدون الشجاعة تظلّ تلك القيم بمثابة شعارات رنّانة أو نظريّات صعبة التطبيق.

من هذ المنطلق نستطيع أن نقول أنّ الشجاعة هي "أُمّ القيم"، وإذا صادفت شخصا شجاعا في حياتك فاعرف أنّه يحمل الكثير من القيم الأخرى. يقول فرجيل، الشاعر الروماني القديم: "الجبن عبوديّة، والشجاعة حريّة". الشجاع دائما كريم ومعطاء، والجبان دائما بخيل وخسيس. الشجاع دائما صادق ومستقيم، والجبان دائما كذّاب ومنافق.

كما أسلفت سابقا، بإمكاننا تطوير قيمة الشجاعة لدينا إنْ عقدنا العزمَ على ذلك. لو قمنا اليوم بعمل شجاع وغدا بعمل شجاع واستمريّنا بذلك نصبح شجعانا. على ما يبدو هنالك مبالغة من طرفنا حول الثمن الذي سندفعه مقابل شجاعتنا لكي نجد مبرّرا لصمتنا وتنازلنا، ومهما كان ثمن الفشل باهظا علينا أن نتقبّله برحابة صدر ونعتبره درسا نتعلّمه في الطريق إلى عمل شجاع آخر.

لكي نصبح شجعانا، علينا أن نكتسب معرفة في المجال الذي نخوضه والذي يتطلّب الشجاعة، لئلّا نقع ونفقد شجاعتنا. تعلّم عن عالم الأسهم والأوراق النقديّة وعن وضع الأسواق وأهواء الزبائن، ومن بعدها تشجّع واستثمر بما تراه مناسبا.

لنرَ الشجاعة بالأمور البسيطة، أن نبتسم لخصومنا ونبادرهم بالتحيّة، أن نقرع بيت شقيقنا الذي تخاصمنا معه لأسباب واهية ونتصالح معه، وأن نتنازل عمّا وهبه الله لنا ونقتسمه مع الآخرين. وأن نبحث عن اهتمامات أخرى ونمارس عادات جديدة ونقيم علاقات جديدة وننضمّ إلى جمعيّة لخدمة البلد ومن بعدها نرتقي إلى ما هو أكبر من ذلك... أخذ خطوة جديدة و نطق كلمة جديدة هو أكثر ما يهابه الناس، هذا ما قاله تيودور توديسكى.

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية