موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

الشعارات الرنّانة

 مقال د. رفيق حاج - الشعارات الرنّانة

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

تنمو وتزدهر الشعارات الرنّانة في المجتمعات التي يسود بها التصلّب الفكريّ وتغيب عنها ملكة الإبداع والتجديد. المشاكل والأزمات التي نعيشها بحاجة إلى حلول جذريّة، وإلى تعامل مهنيّ وليس إلى "طحن هواء". نحن بحاجة إلى قوى مهنيّة تدرس الوضع القائم بحذافيره، ومن ثمّ تخطّط وتفصّل لنا الحلول الشافية وليس خطابات ناريّة وشعارات رنّانة.

الشعارات الرنّانة هي تلك الشعارات الجوفاء التي نسمعها بين الفينة والأخرى من قبل قادتنا وزعمائنا والقيّمين علينا، عندما يقومون بتحليل أوضاعنا وبتقديم الحلول لأزماتنا ليتستروا على تقصيرهم في انتشالنا من الوحل الذي نقبع به. أتدرون  لماذا سُمّيت الشعارات الخالية من المضمون والمعنى بـ"الرنّانة"؟

أوّلا، لأنّها "جوفاء" فكما تعرفون، الإناء الأجوف إذا نَقَرتَ علية يرنُّ خلافا للإناء المليء. وثانيًا، "الرنين" الصادر من تلك الشعارات يحوي تردّدات أو موجات صوتيّة متكرّرة تضيق أحيانا وتتّسع أحيانا أخرى، لكنّها تحمل نفس النمط.

تنمو وتزدهر الشعارات الرنّانة في المجتمعات التي يسود بها التصلّب الفكريّ وتغيب عنها ملكة الإبداع والتجديد. ما أهون إطلاق الشعارات فهي تريح مُطلِقها من العمل والجهد أو الالتزام بالتنفيذ. وبما أنّ الشعارات الرنّانة تنسخ بعضها وتكرّر ذاتها، فلا خوف أن تكون ثقيلة على أذن السامع، وأغلب الظنّ أنّها ستحظى بموافقة الأغلبيّة. على ما يبدو أنّ هنالك اتّفاق غير مرئيّ بين  مُطلق الشعارات وسامعها، بحيث أنّ الاثنين  لا يريدان بذل أيّ جهد إضافيّ للبحث عن طرق بديلة أو حتّى عن  شعارات جديدة ليقولوها أو يسمعوها.

من الشعارات المألوفة في مجتمعنا العربيّ تجد "محاربة العنف" و "نبذ الطائفيّة" و"مساواة المرأة بالرجل" و"مصلحة البلد فوق الجميع" " و"سياسة التمييز والاضطهاد القوميّ" و"المحافظة على النسيج الاجتماعيّ" وغيرها, ولا حرج ان نضمّ لها "استرجاع الأندلس".  كلّها طلبات وأمنيات لا جدال على أهميّتها،  وعندما تُقال فهي تقع على آذان مُصغية ولكن للأسف على أذهان "سائحة" وغير عابئة بما يدور حولها.

ما الذي نفعله من أجل هذه الأزمات ونيل تلك الأمنيات؟ مُطلقو الشعارات غير واعين لمَركبة التطوّر العالقة في مكانها منذ قرون والتي تحتاج إلى أكثر من الشعارات لتخرج منها. لا أحد يستطيع مخالفة هذه الشعارات، أو انتقاد قائلها لأنّها باتت من "المتّبعات"، لا، بل من "المسلّمات".  من يقوم بتفنيد تلك الشعارات أو بالاستئناف عليها تُلصق له صفة "العابث"، أو "المستهتر"، أو "المتمرّد"  وغيرها حتّى لو كان موضوع النقد هو عبثيّة تلك الشعارات.

أظنّ أنّكم لن تُفاجأوا إذا قلت لكم، أنّ أكثر الناس استعمالا للشعارات الرنّانة هم رجال السياسة الذين يحاولون التملّص من المواجهة الحقيقيّة، ومن العمل الجادّ. عندما نطالب حكومة إسرائيل بتوسيع مسطّح البناء، يردّون علينا بشعار "ابنوا بنايات عالية". وعندما نطالب بزيادة الميزانيّات لسلطاتنا المحليّة، فيردّون علينا بشعار "ارفعوا نسبة الجباية في بلدكم". وعندما نستغيث مدّعين التمييز ضدّنا يجيبوننا بشعار "انظروا إلى الفيلات المبنيّة على جانبي وادي عارة واحكوا لنا بعدها عن التمييز". ونحن كأحزاب وجمعيّات ومؤسّسات نتعامل أيضا مع الحكومة بإطلاق الشعارات. هم يطلقون الشعارات، ونحن نردّ بالشعارات، وهكذا تظلّ الأمور على ما هي.

متى نفاجئ الحكومة بدراسة مستفيضة عن أحوال فقرنا، ومتى نعرض عليها مقترحات لحلول عينيّة نأخذ بها قسم من المسؤولية على عاتقنا؟ متى نفاجئ الحكومة بمخطّط مدروس لحلّ أزمة الأرض والمسكن والمناطق الصناعيّة واستقلاليّة جهاز التربية والتعليم وغيرها وغيرها؟

استعمال الشعارات الرنّانة ليس مقصورا فقط على رجال السياسة، هنالك أيضا استعمال للشعارات الرنّانة من قِبل الناس في أماكن العمل، أو في الإطار العائليّ، فتجد الأب يعوّل على الشعارات الرنّانة التي ورثها عن أبيه من أجل "إرشاد" أولاده، ولا يحاول أن يتفهّم نفسيتهم، وأن يضع نفسه مكانهم، وأن يجاريهم ليكسب ثقتهم وأن يصل معهم إلى لبّ المشكلة لحلّها. فهذا يتطلّب جهدًا وربما يحطُّ من مقامه.  ما لا يُدركه صاحبنا أنّ أولاده قد توقّفوا منذ زمن عن سماعه، وأنّ الشعارات التي يطلقها لا تقدّم ولا تؤخّر.

كما أسلفت، تساهم الشعارات الرنّانة في التصلّب الفكريّ الذي يصيب المجتمعات العاجزة والمستضعفة. يؤدّي التصلّب الفكريّ إلى صدّ أيّة طروحات، أو عقائد، أو آليّات جديدة، وحتّى إلى إدخال شعارات جديدة. لو حاولنا تتبّع شخصيّة مطلقي الشعارات الرنّانة لوجدنا أنّ أغلبهم أصحاب فكر متصلّب وهم شديدو "الحرص" على أفكارهم، وهم غير قادرين على التخلّي عنها، حتى لو بدا لهم خطؤها، في حين أنّ أصحاب الفكر المرن يذعنون للحقّ، ويتشوّقون إلى معرفة الجديد سواء كان موافقًا، أو مخالفًا لما يرونه.

يبدو للسامع لأوّل وهلة، بأنّ مطلقي الشعارات الرنّانة أناس فصحاء، يملكون القدرة على التعبير والخطابة، لكنّهم بالحقيقة لا يمتّون للفصاحة أو البراعة الكلاميّة بصلة، لأنّهم يردّدون كالببغاء عبارات يوجُب قولها في ظروف معينة، وإن اختلفت الظروف تراهم يتلعثمون وتحمرّ وجوههم خجلا ويأتونك بتعليقات ركيكة بعيدة كلّ البعد عن الموضوع المطروح، وإذا قمت بدعوتهم للخوض في المشاكل وفي إيجاد الحلول تراهم يتملّصون بالذرائع الواهية، أو يصمتون في الجلسات كما لو كانوا في دير الرهبان الصامتين. الخوض في الموضوع يفقدهم صوابهم والإبحار في الأعماق يؤدّي إلى اختناقهم لأنّهم يفضّلون الطوف على السطح.

المشاكل والأزمات التي نعيشها بحاجة إلى حلول جذريّة وإلى أيدٍ مهنيّة تنفّذها وتصونها. نحن بحاجة إلى قوى تدرس الوضع القائم بحذافيره، ومن ثمّ تخطّط وتفصّل لنا الحلول الشافية، وليس خطابات ناريّة وشعارات رنّانة. لنضع الشعارات على الرفّ ونبحث عن الحلول نتدارسها ونختار الأحسن منها. عهد الشعارات قد ولّى وحلّ محلّه عهد المهنيّة العالية والقيادة الجماعيّة والتشبيك والعمل الدؤوب.

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية