موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

دعوة الى التفكير في واقع التربيّة الاُسريّة والمدرسيّة العربيّة

 مقال د. كمال موعد - دعوة الى التفكير في واقع التربيّة الاُسريّة والمدرسيّة العربيّة

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

كثيرة هي المقالات والتقارير الرسميّة وغير الرسميّة، الصحفيّة والاكاديميّة، التي تناولت بالأرقام وبالنسب وبالتحليل قضيّة هبوط تحصيل الطالب العربي مقارنة بقرينه الطالب اليهودي على مختلف الاصعدة والمستويات: امتحانات الميتساف، البجروت، البسيخومتري، الامتحانات الدوليّة في العلوم والرياضيات وفهم المقروء وفي نسب القبول للجامعات الاسرائيليّة.(اهم المعطيات موجودة في تقارير جمعيّة "سيكوي" وفي دائرة الاحصاء المركزيّة למ"ס). هذا فضلا عن الابحاث التي تناولت تحصيل الطالب العربي الجامعي غير المرضي. هذا وقد كان من الطبيعي ان تتعدد وتختلف وجهات النظر حول المسببات وسبل الخروج من هذه الازمة. منها من نظر الى الاسرة العربية والى نمط التربية السائد فيهاعلى انه السبب، ومنها من رأى بأن اللوم يقع على الوزارة وعلى المناهج ومنها من أكّد بان المدرسة بمديرها ومعلميها تتحمل القسط الاكبر من المسؤوليّة.

في هذه المقالة المتواضعة ارجو ان الفت النظر الى ان سلوك وتحصيل ومستوى وطبيعة وثقافة الطالب لا تعبّر إلا عن سلوك ومستوى وثقافة مجتمعه وعن نوع ومستوى التربية التي يتلقاها. بكلمات ابسط اقول بان الطالب هو دائما "منتوج" وبالتالي فهو غير مسئول عن جودته ولا يجب ان يلام عليها.  ان ضعف تحصيل وأداء الطالب العربي انما يرتبط ارتباط عضوي بالمكونات المعرفيّة، الاجتماعيّة والنفسيّة لشخصيته والتي مصدرها هو البيت الذي يولد وينشا فيه وكذلك المدرسة التي تشارك البيت بالطفل مبكرا ابتداء بعمر سنتين(الحضانة) او ثلاث. ان التربية التي يتلقاها الطفل العربي في البيت وفي المدرسة غالبا، مع تقديرنا البالغ للآباء وللأمهات الواعين المدركين، لا تشجعه ولا تساعده على صقل شخصيّة متطورة قويّة منفتحة واثقة قادرة على التحدّي والصمود في عالمنا الاخذ بالتعقيد.

المؤسف حقا ان الطفل العربي في معظم الحالات يجد من يفكر ويقرر ويتصرف عنه، يتلقى أوامر وتوجيهات باستمرار، هامش الحريّة لديه هامشي للغاية، لا يُسمح له بإسماع رأي او ابداء رغبة، وعندما يستجاب لرغباته يكون الهدف هو مجرد اسكاته كي يتوقف عن "الازعاج". الطفل العربي غالبا يستهلك التكنولوجيا بلا حدود ولا مراقبة، تسحره وتغيّبه عن الوعي فيدمن عليها بسهولة ويصبح من شبه المستحيل اعادة العجلة الى الوراء والسيطرة عليه خصوصا عندما لا يكون الاهل من اصدقاء التكنولوجيا. ان الطفل العربي لا يعرف طعم التربية التقدميّة التي تقوم على الحوار، احترام الذات والغير، لا يعرف طعم الاطراء او التشجيع، ينال من الصراخ والضجيج والتوبيخ بل والضرب ما يشل العقل ويمسح الابداع ويسطّح الوعي. ان المعلّم العربي عموما يختار الطريق الاسهل: التلقين، الايداع، التعليم الميكانيكي، غرس الافكار (אינדוקטרינציה).

المعلم العربي غالبا يطعم الطالب طعاما جاهزا، يريحه من عناء التفكير والتحليل والاستنتاج والتجربة ويعتقد انه يفعل ذلك لمصلحة الطالب، يتجاهله اذا تراجع ويعنفه اذا اخطأ. غالبا، لا مكان للنقاش، للمعارضة، للتفكير الناقد. انه لمن المقلق ان تغدو الغاية بالنهاية عند المدرسة وعند الطالب(خصوصا في المرحلة الثانويّة) هي العلامة، الشهادة، جائزة التفوّق، الارقام والنسب... المفاخرة. لكن هل بإمكان الطالب العربي مثلاً ان يتخذ قراراَ واحدا متعلّقا بمستقبله مستقلا معتمدا على ذاته  دون ان يلجأ الى من حوله؟  هل يتعلّم الطالب العربي مضامين في تعميق الثقافة والهويّة وفي بناء وتطوير وتعزيز الشخصيّة والإرادة والمنطق السليم؟ هل يعرف شيء عن الفلسفة وعلم النفس والتنمية البشريّة وفن الحوار والخطابة وتشكيل الاراء والمواقف وعرضها والدفاع عنها؟ هل يطّلع على الادب العالمي وعلى الثقافات الاخرى؟ هل يعرف الطالب العربي من هو والى اين هو ذاهب؟ قد يزعم بعض الغيورين المخلصين ان المنافسة شديدة والمنهاج ثقيل والوقت يضغط والمدرسة تحولت الى "مصنع" فلم يبقى فيها متّسع لغير العلامات والمعدّلات والجوائز. هنا اقول: ومن قال ان شهادة البجروت التي ينالها الطالب العربي يجب ان تتضمّن 40-35 وحدة وأحيانا أكثر! اليس بإمكانه ان يدخل الجامعة لدراسة الطب والهندسة والمحاماة وعلم الحاسوب وعلم النفس... بأقل من ذلك!! ثم ماذا عن الطالب الذي لا يتعلّم هذا العدد المهول من الوحدات، هل يحظى بمضامين انسانيّة ادبيّة من النوع الذي يقوّي الشخصيّة ويوسّع الثقافة ويبني الهويّة ويعزز النفس ام يُنظر اليه على انه فقط "كمالة عدد"!!  

اذاً، اذا ما اردنا لتلك النتائج ان ترتفع ولذلك الاداء ان يتحسن، فمن الواجب التفكير مليّا بأداء المربين الكبار،اباء ومعلمين، قبل اتهام الصغار، علينا اولاَ مراجعة ما نقدمه نحن لهم لا ما يقدموه هم لنا.   

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية