موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

الجبهة والانتخابات المحليّة

 مقال د. رفيق حاج - الجبهة والانتخابات المحليّة

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

على الجبهة أن تحملَ آمالَ الناسِ وآلامِها ، وهي قادرةٌ على ذلك لو سعت إلى تغيير وسائل العمل التقليديّة، وتجنّبت النهج الذي يستعمله منافسوها للوصول إلى السلطة، وفرضت أسلوبا جديدا ومميّزا في إدارة السلطة المحليّة. على الجبهة أن تحافظ على تفرّدها وتميّزها ورؤيتها البعيدة وعدم الاكتفاء بالإنجازات الموضعيّة والآنيّة.

كان والدي، رحمه الله، عضوًا في الحزب الشيوعيّ، ومن ثمّ عضوًا بالجبهة، وقد اطلق عليّ اسم "رفيق" محبّة بالرفاق وايمانا بهذا الطريق. وكنت انخرطت منذ نعومة أظفاري في إطار أبناء الكادحين والشبيبة وشاركت بفعاليّات ونشاطات ومظاهرات مع الرفاق، ووزّعت جريدة الاتحاد في الحارات. وكم كنت أطرب عندما أسمعهم ينادونني ب"الرفيق رفيق". دارت الأيّام وابتعدتُ عن العمل السياسيّ وكرّست جُلّ وقتي للتّعليم وبناء السيرة المهنيّة، لكنّ الجبهة ظلّت في "القلب" حتى لمّا ابتعدتُ عنها أو ابتعدَت عنّي. وأظنّ أنّ هنالك الكثير من أبناء شعبنا الذين يكنّون الاحترام والتقدير للجبهة، وإن لم يكونوا من ناشطيها، أو  لم يُعرفوا كمؤيّديها. إنّ من يفرح لانحسار قوّة الجبهة في بلده، أو لاضمحلالها- حسب رأيي- ينقصه وعيٌ سياسيّ وضميرٌ حيٌّ، وعليه مراجعة نفسه قبل فوات الأوان.

لقد اخترتُ هذه المقدمة لا لأثقل عليكم بمعلومات غير ضروريّة، أو لاقتناص بعض نقاط الإعجاب، وإنّما لتتأكدّوا أنّ تحليلاتي واقتراحاتي التي سأطرحها نابعة من الحرقة على هذا الخطّ السياسيّ النظيف والوطنيّ.

يَتوقّعُ الجميعُ من قائمة الجبهة التي تخوض الانتخابات المحليّة أن تكون قدوة في طريقة انتخابها لمرشحيها، وفي إدارتها للمعركة الانتخابيّة، وألّا "تنزلق" كغيرها من القوائم التي تستبيح كلّ الطرق والوسائل من أجل الوصول إلى كرسيّ السلطة المحليّة، كالصفقات المسبقة وامتطاء موجة العائليّة والطائفيّة بهدف "كسب المعركة".

إنّ حسابات الربح والخسارة التي تقوم بها بعض "الجبهات" تستوجبُ التوقّف وإعادة التفكير. لقد شوهدت الجبهة تنصاع أحيانا لإملاءات الناخبين وضغوطاتهم، ومن ثمّ إلى "الاتّحاد" مع قوى رجعيّة ظلاميّة وانتهازيّة كانت البارحة معدودة على خصومها اللدودين. هنالك من مرشّحي الرئاسة من يدّعي "الجبهويّة" من أجل كسب تأييد الجموع التي تصوّت للجبهة، أو تتماثل أفكارها مع الجبهة، وبعد أن يصل إلى الحكم يدير لها ظهرها ويتنصّل من تعهداته إليها.

لا خلاف حول قيام بعض القوائم المحليّة باستعمال آليّات "محرّمة" وأسلحة "ممنوعة" أخلاقيّا  لكسب المعركة الانتخابيّة، وهذا يؤدّي ببعض الجبهات، في بعض البلدان، إلى استعمال آليّات وأسلحة مشابهة  "للردّ على النار" بالمثل أو من أجل تعظيم فرص النجاح، أو من أجل دحر "التجمع"، وكأنّ حزب التجمع هو عدوّ الأمّة اللدود. الغاية لا تبرر الوسيلة في هذه الحالة مهما تفاقمت أهميّتها. في عصر غابت به المبادئ والقيم كعصرنا، باتت الوسيلة أهمّ من الغاية. ما أشدّ حاجتنا لمن يرينا نوعا "آخر" من التعامل مع أزماتنا ومع الآفات الاجتماعيّة التي تنهش بنا. ما أشدّ حاجتنا إلى نوع آخر من القياديين الذين يرَون إعادة بناء الانسان العربيّ هو الهدف الأكبر والأسمى.

عندما اعتلت الجبهة دفّة الحكم في السلطة المحليّة لم نرَها، في أغلب الأحيان،  تستعمل طريقة مختلفة في الإدارة ولا أسلوبا مغايرا في القيادة  البلديّة والتعامل مع الأمور. ولم تصل إنجازاتها إلى درجة جعلتها تؤثّر جذريّا على حياتنا، لا لعيبٍ بها أو لنقصٍ في مهنيّة طواقمها، أو لمأخذ على نزاهتها، أو لشكّ في وطنيّة قادتها، وإنّما بسبب واقع اقتصاديّ- اجتماعيّ مرير يعيشه المجتمع العربيّ، الذي يُفشل كلّ رئيس، وكلّ إدارة بلديّة بغضّ النظر عن الكفاءات والقدرات المتواجدة. الصندوق البلديّ خاوٍ، والعجوزات الماليّة وصلت حدّ السماء، والناس تستبيح حرمة الحيّز العامّ، والعنف صار حكاية اليوم، وهنالك الكثافة السكانيّة والضجيج وغيرها وغيرها. ماذا يستطيع الرئيس الجبهويّ، أو العضو الجبهويّ أن يفعل لينقذنا من هذا الوضع المأساويّ الذي نعيشه؟

على الجبهة أن تعمل على إعادة ترتيب أوراقها والتخطيط إلى المدى البعيد، وأن تهتمّ جيّدا بقضيّة وسائل العمل. إنّ استعمال وسائل العمل القائمة قد يُكسبها المعركة، لكنّه قد يُخسرها الحرب. عليها أن تبني قاعدة واسعة من المؤيّدين الثابتين الذين يؤمنون بأهدافها حتّى "النخاع"، ولا ينسلخون عنها بسبب ترتيبة الأعضاء أو عدم توافق المصالح، وأن تسعى إلى تجنيد قوى جديدة ومتحمّسة. هنالك حاجة ماسّة أن تقوم الجبهة بخلق وسائل عمل جديدة، وطرق إبداعيّة مميّزة لم نشهدها من قبل، وأن تقوم بتطوير قدرات قيادية شابة مفعمة بالحماس والعزّة الوطنية بشكل متواصل لمواصلة المشوار، وأن تعمل ليل نهار من أجل التأثير على حياتنا بشكل ايجابيّ وملموس.

لا تنسَوا أنّ هنالك مسارات أخرى لخدمة المجتمع ولتعزيز الانتماء ولتطوير الحسّ الوطنيّ، تستطيع الجبهة أن تنتهجها أيضا، والسلطة المحليّة هي واحدة منها فقط. فهنالك الجمعيّات الأهليّة التي تُعنى بالأمور الثقافيّة والتربويّة والفنيّة والرياضيّة والصحيّة والاقتصاديّة، والتي بإمكانها أن تساهم في رفع شأن هذا المجتمع بقدر أكبر من السلطات المحليّة الغارقة في الديون والمكبّلة بقيود المحاسب المرافق.

على الجبهة أن تحمل آمال وآلام الناس، وهي قادرة على ذلك لو سعت إلى تغيير وسائل العمل التقليديّة، وتجنّبت النهج الذي يستعمله منافسوها للوصول إلى السلطة، وفرضت أسلوبا جديدا ومميّزا في إدارة السلطة المحليّة. على الجبهة أن تحافظ على تفرّدها وتميّزها ورؤيتها البعيدة. الشعارات الرنّانة لن تفيد ولن توسّع من رقعة الجبهة، لأنّ الناس تبحث عن إنجازات على أرض الواقع وعن مُجيرٍ لها في محنتها. لو أتت هذه الانجازات عن طريق الوصول إلى السلطة المحليّة كان به، وإن لم تأتِ فلتبحث عن بدائل أخرى لخدمة المجتمع ومن ثمّ للحفاظ على ديمومتها.

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية