موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

انتصار الوَسَطية..!

 مقال د. رفيق حاج - انتصار الوَسَطية..!

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

عندما نكتفي بإنجازات متوسّطة ونرضى بزعماء متوسّطين ونُذعن لمستوى معيشة متوسّط نكون قد كبّلنا انفسنا بقيود مستديمة لا تنكسر الى الابد. قد يكون الوضع السيء افضل احيانا من الوضع المتوسّط لأنّ الوضع السيء يحمل في احشائه ثوره قد تنفجر يوما من الايام وتقودنا الى الافضل 

طالما سألت نفسي, لماذا لا نقوم كأقلية عربيه في هذه البلاد باختيار المرشح "الاحسن" من بيننا لرئاسة السلطة المحلية؟! فنحن في اشدّ الحاجة لقادة يتمتعون بقدرات ذهنية عالية, وتجربه مهنيه فائقة, وسيرة ذاتيه مشرّفة, وحِسّ وطني متّقد, وغيرة متناهية على مصلحة البلد, ومحبّه لا حدود لها لأهل البلد على مختلف انتماءاتهم, لكننا, للأسف, نتجاهل كل هذه المزايا المطلوبة للرئيس ونقوم بترشيح افراد يحملون قدرات متوسّطة على كل المستويات الشخصية والمهنية, وان رضينا بالحمائلية كتنظيم سياسي فترانا نتجنّب ترشيح ذوي الكفاءات العالية  من ابناء حمولتنا, ونُسارع بنصب متوسّطي النجاح ومتوسّطي الحسّ الوطني ومتوسّطي الكفاءات, وكأننا عقدنا حِلفاً خفياً مع الوسطية. على ما يبدو اننا نفضّل الرئيس "المتوسّط" القدرات لأنه يرضخ بسهولة اسرع لمطالبنا كأفراد وكشرائح انتخابية, او اننا نفضّل ترشيح الشخص الاكثر شعبية على الشخص ذي الكفاءات العالية لان الاخير قد يدير لنا ظهره عندما يفوز ويتعامل معنا بشكل مهني, او انّ اصحاب الكفاءات العالية لا يقومون بترشيح انفسهم خشية من ان يتلوّثوا بعفن السياسة او ان يفشلوا في مهمتهم.

ان اختيار "الوسط" هو أمرُ متوقّع ووارد بالحسبان في كثير من الحالات, وقد قال النبي العربي الكريم في ذلك "خير الامور الوسط" وذلك لتفادي وقوع الناس بمغبة المبالغة في الاسراف او القسوة او التقتير او الليونة, وهنالك ايضا مقولة في هذا المضمار تقول "اذا زاد الشيء عن حدّه نقص", ومن تعلّم دورة اوّليه للإحصاء يُدرك تماما بأن الاغلبية العظمى من الناس والقياسات تتواجد حول الوسط, وان تكلّمنا في لغة علمية محضة فبإمكاننا ادّعاء ان %95 من الامور متواجدة في مدى انحرافين معياريين من المعدّل, لكنّ التاريخ لم يُصنع من قبل اناس متوسّطي الذكاء ومتوسّطي القدرات, فالابتكارات لم تُصنع من قبل اشخاص عاديين, والثورات لم تشتعل نيرانها من قبل مواطنين عاديين والتغييرات الاجتماعية والاقتصادية لم تكن ثمرة جهود متوسّطة لأناس جاؤوا بأفكار متوسّطة وانّما من قبل اشخاص بارعين وخارقي القدرات ومتمرّدين على الواقع وعلى الموجود وعلى المتداول, حتى انهم وُصموا بالتطرّف والعصيان من قبل مجتمعاتهم واحيانا ذاقوا الامرّين من قبل الاغلبية العظمى المتواجدة في "الوسط".  فالنبي محمد (صلعم) قوبل بالتعذيب والتنكيل ومحاولة التصفية من قبل مجتمعه وقبيلته عندما نادى بالعزوف عن الوثنية واعتناق الدين الاسلامي, وعندما ادّعى غاليليو بأن الارض تدور حول نفسها وحول الشمس فقوبل بالتنديد والاقصاء من قبل الكنيسة الكاثوليكية بحجة ان ذلك يتعارض مع افكار وتعاليم الكتاب المقدّس. باختصار الوسطية تُعفينا من السباحة ضد التيار وتدعونا الى مجاراة الاكثرية ان كانت على حق او على باطل.

في اختيارنا للشخص المتوسّط القدرات ان كان رئيس سلطة محلية او مدير مدرسة او مدير مركز جماهيري او رئيس جمعية نقوم بتقييد انفسنا بأيدينا  وبوضع حدٍّ أدنى لإنجازاتنا بل نقوم بتثبيت هذا الوضع الى أجل غير مسمى. من السهل جدا تغيير مدير مدرسة فاشل لكن من الصعب جدا تغيير مدير مدرسة متوسّط الاداء, كما انه من السهل اسقاط رئيس سلطة محلية فاشل ومن الصعب اسقاط رئيس سلطة محلية متوسّط الانجازات. من الصعب جدا تغيير الوضع القائم واستبداله بأحسن عندما تكون مواصفاته متوسّطة. هذه الصعوبة تعرقل كل محاولة للتغيير وذلك لعدم توفّر الحماس والتأييد لها من قبل الاكثرية, وهذا يعني تبنّي نمط حياة مستديم  يضع الوسطية عنوانا ورمزا له.

بالمقارنة هنالك سهولة وراحة باختيار "الوسط" او ما حوله لأنه الاختيار الذي تتبناه الاغلبية, فمن السهل على فتاة مقبلة على الزواج وتتمتع بثقافة وجمال فائقين ان "تجد" عريسا متوسّط الحال والجمال والثقافة لارضاء اهلها وذويها, ومن السهل على الاكاديمي الشاب الذي تخرّج لتوّه من الجامعة ايجاد مكان عمل ذي شروط متوسّطة ومع ان قدراته اكبر بكثير من متطلبات الوظيفة, وقد نختار العيش في بلد متوسّط الحال ومسكنا متوسّط الحال وحارة متوسطة الحال لانّ دخلنا متوسّط الحال وتطلّعاتنا متوسّطة الحال حتى احلامنا متوسطة الحال وتشوبها "الواقعية" احيانا.

الوسطية تُعفينا من المبادرة والبحث والتنقيب عمّا هو أفضل. اذا راقبتم على سبيل المثال رجال الاعمال العرب في هذه البلاد تجدهم يفضّلون الاستثمار في مسارات آمنه ومتوسّطة الدخل كبناء العمارات والمخازن وتأجيرها وقلّما تجد من يستثمر في الصناعة المتقدمة او حتى التقليدية مع انها تتيح ارباحا عالية جدا وذلك لكونها مقرونة ببعض المخاطرة, ويتركون مثل هذه المجالات لغيرهم من الشعوب. الوسطية تعفينا من المبادرة في ايجاد مكان عمل جديد نكسب منه دخلاً اكبر ويلائم اهواءنا وطموحاتنا ونحقق من خلاله ذاتنا, وتعفينا من البحث عن مدرسة افضل لأبنائنا وبيت عجزة افضل لمسنّينا وصندوق مرضى افضل لمرضانا او طبيبا افضل لمعالجة اسناننا او نجار او حداد  ميكانيكي وغيرها وغيرها من الحِرف متمشّين مع المقولة العامية الخائبة "اللي بتعرفه احسن من اللي بتعرفوش.."

يختلف مبدأ "الوسطية" عن مبدأ "الاعتدال" فالاول يتطرّق الى اختياراتنا, والثاني الى سلوكياتنا, وعندما ادعو الى نبذ الوسطية من بين ظهرانينا فهذا لا يعني باني ادعو الى التطرّف والمغامرة والمجازفة في المواقف والقرارات, وانما ادعو الى عدم التخلي عن طموحنا للأفضل والاجمل والانسب والاقوى وعدم الرضوخ لإملاءات الوسطية. ان التمييز العنصري التي تمارسه حكومات اسرائيل ضدّنا تجعلنا نتواضع في طموحاتنا ونذعن للأمر الواقع ونكتفي بالموجود وهي تحرص بين الفينه والاخرى بتذكيرنا بأننا مهما تألّقنا وشمخنا بإنجازاتنا ومواهبنا فسنظلّ عربا مهمّشين, لذا فحذار علينا ان نرضخ لهذه العقلية العنصرية وأن نتنازل عن احلامنا...ولنُطلق لها العنان!   

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية