موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

نريد رئيسا وطنيًً..!

 مقال د. رفيق حاج - نريد رئيسا وطنيًً..!

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

إذا كانت أوضاعنا بهذا السوء ولن تصلُح بغضّ النظر من سيكون رئيس السلطة المحليّة في بلدنا،  فإنّ أقل ما يمكن أن نقوم به هو الحفاظ على ماء الوجه وانتخاب رئيس وطنيّ يسعى إلى بناء هويّة وطنيّة عربيّة فلسطينيّة معتزّة بجذورها ويقرّبنا إلى تراثنا المجيد ولغتنا العربيّة الأصيلة، ويُرجع اعتدادنا بهذا الشعب. لا بُدّ من رئيس على خُلق يحمل قيما إنسانيّة عامة وإلّا فقولوا "وعلى الأرض السلام.."

أستغرب أن تكون رئاسة السلطة المحليّة العربيّة ما زالت مرغوبة ومطلوبة ومحطّ أنظار الكثير من الطامحين من أبناء شعبنا الذين يعرّفون أنفسهم كـ "غيّورين" على مصلحة البلد، مع أنّ امكانيّات النجاح بها ضئيلة وتكاد  تكون معدومة. هنالك بعض البلدات والمدن العربيّة التي يصل بها عدد المرشحين للرئاسة إلى العشرة تقريبا. يدلّ التهافت على الترشيح للرئاسة  على رغبة جامحة بهذا المنصب، ويدلّ أيضا على انعدام الثقة بين شرائح المجتمع. نحن لا نثق بابن العائلة الفلانيّة، أو ابن تلك الطائفة أن يرأسنا أو يمثّلنا، أو بالأحرى أن يمثّل مصالحنا أو يحقّق "تطلّعاتنا". الوضع الاقتصاديّ في أغلبيّة السلطات المحليّة بائس وقادر أن يُفشل أكبر رئيس في العالم.

 تخيّلوا أنّكم تتقدّمون لوظيفة إداريّة هامّة في شركة ما وأنتم تعلمون مسبقا أنّ امكانيّات نجاحكم بها ضعيفة جدّا،  لا لتدنٍ في معرفتكم أو مهنيّتكم أو كفاءاتكم او حماسكم، وإنّما لأنّ انتخابكم يتمّ من قبل "الزبائن". وهؤلاء الزبائن لهم شروط لتأييدكم، أوّلها أن ينالوا تخفيضات على "السلع" أو "الخدمات" التي تنتجونها، وثانيها أن تقوموا بتعيين ذويهم بوظائف هامّة بالشركة كمدير الانتاج أو مدير الماليّة بغضّ النظر عن كفاءاته. هل ستظلّ الشركة على رجليها؟ هل ستُقدِمون على هذه الوظيفة مع كلّ ذلك؟

الشركات التجاريّة لا تسمح لنفسها باستخدام معايير غير مهنيّة في إدارتها لأنّ ذلك سيؤدّي لاندثارها على الفور، أمّا السلطات المحليّة فتستطيع أن تستوعب كلّ الرؤساء وكلّ المديرين ، من صلح منهم ومن طلُح، ولا خوف عليها من الاندثار، والقانون يحمي رؤساءنا من الفصل، إلّا في حالة الجنون المُطبق أو القيام بأعمال مشينة، وهذه أمور من الصعب إثباتها عليهم. تحسب الشركات الاقتصاديّة  حساب المنافسين وتعمل جاهدة لكسب رضا زبائنها، أمّا السلطة المحليّة فلا منافس لها وزبائنها هم المواطنون أنفسهم، فمن لا تعجبه هذه البلد ليرحل أو ليصمت إلى الأبد. لو دخلت الشركة الاقتصاديّة إلى عجز في الميزانيّة لأصبح وضعها حرجا وخطرا، أمّا السلطة المحليّة فلا ينالها سوء إلّا في حالات خاصّة جدّا.

على ما يبدو إنّ فرص النجاح أو الفشل في الوظيفة لا تعني شيئا بالنسبة لكثير من المتقدّمين لوظيفة رئيس السلطة المحليّة في هذا الواقع المرير الذي نعيشه، وهذا يكشف الكثير عن شخصيّتهم وعن مآربهم البعيدة كلّ البعد عن المصلحة العامّة، ويسكب الضوء أيضا على طبيعة هذه الوظيفة التي تتيح لحاملها أن يعبث بها كما يشاء. هذه الوظيفة تتيح للفائز بها أن ينام نوم الشتاء ولا يزور مبنى السلطة المحليّة إلّا بالمناسبات، أو للمشاركة في جلسات يجبره القانون على حضورها. ما زالت وظيفة رئيس السلطة المحليّة تعني الكثير لقادتنا المحليّين مع أنّهم يعرفون جيّدا أنّ المحاسب المرافق الذي عيّنته وزارة الماليّة ينتظرهم بالزاوية ليتأكّد من "سلوكهم الجيّد" وليتحقّق أين يذهب كلّ شاقل يقومون بصرفه. ليكن معلوما لديكم عدد السلطات المحليّة العربيّة التي عُيّن لها "وصيّ" بشكل محاسب مرافق هو 51 من أصل 71. ما زالت هذه الوظيفة مرموقة بنظر الكثيرين مع أنّها تتطلّب من الفائزين حال وصولهم تسديد ديونهم "للمؤيّدين" وإ وإيفاء وعودهم لممثّلي الشرائح الانتخابيّة.

إذا كانت هذه هي الحال وإذا كان الفشل في هذه الوظيفة وبهذه الظروف شبه مؤكّد وبما أنّ أغلبية الأشخاص الناجحين في أعمالهم ويتمتعون بسيرة ذاتيّة حسنة لا يتقدّمون لها، بل يرفضون التفكير بها أصلا، إذًا لنكتفي بخصال ومزايا أخرى قد تكون متوفرة لدى بعض مرشّحينا، وعلى رأسها  النزاهة والوطنية والأخلاق العالية. نريد رئيسا  يحبّ شعبه ويعمل من أجله وله ماضٍ مشرّف في ذلك. إنّ أقل ما يمكن أن نقوم به هو أن  نحفظ ماء الوجه. تخيّلوا وضعا تكون به سلطتنا المحليّة مأزومة اقتصاديّا وغير قادرة على دفع معاشات الموظفين، وغير قادرة على تقديم الخدمات البلديّة الأوليّة، ويرأسها عميل من عملاء السلطة يفتخر بالمسدّس الذي في جنبه ويندّد كلّ يوم بالقادة الفلسطينيين والعرب، ويعتقد أنّ الفلسطينيين هم المسؤولين عمّا ألمّ بهم، ولا مانع لديه من استقبال "ليبرمان" أو "بنيت" في بلده لتوطيد العلاقة مع النظام والحصول على مساعدات موهومة. 

نريد رئيسا وطنيّا يسعى إلى بناء هويّة المواطن العربيّ الفلسطينيّ من جديد ويقرّبنا إلى تراثنا المجيد ولغتنا العربيّة الأصيلة. نريد رئيسا على خُلق يحمل قيما إنسانية عامّة ويشرّفنا تمثيله لنا. نريد رئيسا يسعى إلى تعميق الانتماء إلى البلد وإلى تعزيز النسيج الاجتماعيّ عن طريق الفعاليّات والأنشطة العامّة، وليس عن طريق "العزومات" و"الطبايخ" والولائم الرمضانيّة والمشاركة في الأعراس. نريد رئيسا يتظاهر ويعتصم ويُضرب عن الطعام إذا لحقنا ضيم. نريد رئيسا يبني فريقا لكرة القدم يتصدّر قائمة الدوري العليا وفرقة رقص تمثلنا في العالم وجوقة تنشد الأناشيد الفلسطينيّة في كلّ بقاع الأرض، ومسرحا يبثّ آلام وآمال شعبنا. نريد رئيسا يُحيي المهرجانات الشعريّة والوطنيّة ويقيم متحفا للتراث ليعيد لنا الاعتداد بهذا الوطن.

 أين جبهتنا العتيدة وتجمّعنا الأشمّ ليأتونا بمرشحين وطنيّين من صفوفهما؟ أم أنّ الحلبة الداخليّة لا تهمّهما؟

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية