موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

انتخابات السلطات المحلية العربية وهزيمة

 مقال د.كمال موعد - انتخابات السلطات المحلية العربية وهزيمة

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

كما قبل كل انتخابات للسلطات المحلية العربية، سوف يتمحور الجدل هذه الانتخابات، بنوع من خيبة الأمل، داخل المجتمع العربي حول هوية المرشحين لقيادة المجالس والبلديّات: انتماءاتهم العائلية والحزبيّة، مؤهلاتهم العلميّة والثقافيّة، خبراتهم العمليّة ومخزونهم الأخلاقي القيمي . وكما قبل كل انتخابات، سوف يتساءل الناخب العربي عن دور "المثقف الحقيقي" العربي وعن أسباب غيابه عن مسرح العمل السياسي البلدي.

في هذه المقالة المتواضعة، سأحاول تقديم تصوّر قد يجيب عن ذلك التساؤل ويبرر غياب المثقف الحقيقي عن حلبة الانتخابات المحليّة وعن مضمار العمل السياسي المحلّي. لكن علينا بداية وضع تعريف، ولو عام، لمفهوم "المثقف" فأقول انه ذلك الإنسان الواعي المدرك لهموم مجتمعه، المتعاطف معه والمستعد لخدمته بإخلاص والسير به قدما نحو واقع أفضل واضعا جانبا مصالحه الشخصيّة. 

هنا، قد يقول قائل بان السؤال عن المثقف العربي ليس له ما يبرره لان المجالس والبلديات العربيّة تزخر بالمثقفين وبالأكاديميين من أصحاب الخبرة والكفاءة وبالتالي لا يوجد أي مبرر لهذه المقالة. إن الرد على هذا الادعاء هو ببساطة أن الجماهير العربيّة تبحث وتسال في واقع الأمر عن "المثقف الحقيقي" وليس عن أشباه المثقفين الذين ما أن يدخلوا معترك السياسة المحليّة ويتوغلوا في دهاليزها المظلمة حتى تضعف إرادتهم ويتغلغل الشك إلى نفوسهم وتبهرهم أضواء السلطة وتثور في داخلهم غريزة الطمع وحب المال فتتغير أطباعهم وتتبدل أحوالهم.

إن المثقف الحقيقي الذي تقصده الجماهير العربيّة وتبحث عنه ينأى بنفسه عن عالم السياسة لأنه يرفض الخروج من دائرة التواضع والنبل وسمو الأخلاق والنزاهة إلى دائرة الفساد والنرجسيّة ويأبى التحول من خادم للمجتمع إلى سيّد متعجرف. إن المثقف الحقيقي في واقع الامر موجود في مأزق: فهو من ناحية يحمل هموم مجتمعه ويشعر بها ويتمنى لو استطاع خدمته. لكنه من ناحية أخرى يعلم يقينا أننا نعيش زمانا فيه حفنة من القوة خير من كيس من الحق. زمان فيه رواج واضح للعصبيّة العائليّة وللنفاق وللمصالح الشخصيّة. إنه ذات الزمان الذي وصفه أفلاطون قبل ما يزيد عن ألفي عام عندما رفض دخول معترك الحكم والسياسة: " إن الجماهير تحب المداهنة والمداجنة، وهي جائعة جدا، وتوّاقة للعسل، وبهذا ينهض إلى الحكم أخيرا اكبر مداهن ومداجن ويدعو نفسه حامي الشعب".

المثقف الحقيقي يخشى على نفسه من الجماهير التي تبحث، في لا وعيها وحتى في وعيها، عن المداهن والمداجن الذي يتبنّى ثقافة المحسوبيّة والتحيز. عندما يصاب الإنسان بالمرض فانه يذهب إلى امهر طبيب لا إلى أوسم طبيب أو إلى أكثر طبيب فصاحة وزلاقة لسان. لكنه عندما يبحث عن قائد سياسي فانه يترك الأمر بأيدي أصحاب المصالح والاوليجاركية البربريّة وبيد رموز التعصب الحمائلي المقيت.

وهكذا، فبين الرغبة الصادقة في خدمة الجماهير وبين خشيته منها على أخلاقه وعلى أصالته، وبعد صراع وجداني شاق، يجد المثقف العربي الحقيقي النبيل نفسه غريبا غير مرغوبا فيه في مجتمعه فيتخذ، مرغما، قرارا صعبا مؤلما بالنأي بنفسه عن الانتخابات المحليّة وعن العمل السياسي تاركا الساحة لؤلئك الذين "هزموه" بنفاقهم ومداهنتهم مفضلاً خدمة مجتمعه من خلال ساحات أسمى وأرقى. 

 

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية