موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

نحو الانتقال من مديرين مرهقين إلى مديرين فعالّين لمدارسنا العربية

 مقال د.كمال موعد - نحو الانتقال من مديرين مرهقين  إلى مديرين فعالّين لمدارسنا العربية

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

ككل مجتمع، يعقد المجتمع العربي في إسرائيل جلّ آماله على جهاز التربية والتعليم وخصوصًا على قادة ذلك الجهاز وتحديدًا مديري المدارس، ويطالبهم بتقديم إجابات وحلول فورية لمختلف القضايا التعليمية، التربوية، وحتى الاجتماعية التي تعترض طريق هذا المجتمع. من هنا، نجد أن مدير المدرسة مطالب دائمًا بالتعامل بفاعلية وبنجاح مع أطراف عدة أهمها الطالب، المعلم، الأهل، التفتيش، والسلطة المحلية بغية ضمان سير العملية التعليمية التربوية وتقدّمها بخطى ثابتة نحو إنجاز الأهداف المأمولة منها، وعلى رأسها تأهيل الخريجين إلى حياة اجتماعية ناجحة وفاعلة، وضمان دخولهم دائرة التعليم الجامعي ثم تحولهم الى عنصر فاعل ومؤثر يقود المجتمع العربي بصورة أكثر حداثة وأكثر فاعليّة.

ما من شك في أن تلك هي مهمة جد عسيرة، معقدة، وتتطلب قدرات ومؤهلات فوق عادية، وغالبًا ما تضع مدير المدرسة أمام تحديات وأزمات بالغة التعقيد قد تجعله يشعر بالإرهاق النفسي والمعنوي، وربما أيضًا بفقدان الثقة بنفسه وبقدراته؛ مما يدفعه إلى نوع من الاستسلام والتراخي، وإلى تحوله في نهاية المطاف إلى "مدير فاشل"؛ وكذلك إلى تراجع المدرسة التي يديرها، وتقصيرها عن إنجاز الوظائف والمهام المصيرية المنوطة بها.

لكن هل يشعر جميع مديري المدارس بصعوبات وبتعقيدات الإدارة؟ هل يشعر جميعهم بالإرهاق النفسي والمعنوي ويتحولون بذلك إلى "مديرين فاشلين"؟  ينبغي ان ندرك بان المدير الذي يشعر سريعًا بالإرهاق والتراجع هو المدير الذي يدير مدرسته ويتعامل مع كافة العاملين فيها بصورة مركزيّة مطلقة، ولا يرى فيهم شركاء له، بل مستخدمين لديه ينفذون توجيهاته وأوامره بحذافيرها. إن مدير المدرسة من هذا النوع لا يرى المدرسة إطارًا اجتماعيًا تربويًا ينبغي ان يقوم على اقصى درجات التناغم بين الشركاء، بل إطارًا "عسكريًا هرميًا" ليس فيه مكان للحوار ولا للعمل الجماعي ولا يقيم وزنًا للرأي وللرأي الآخر ويتعامل مع المدرسة على أنها عقار خاص به. أنماط سلوك المدير من هذا النوع، وهو للأسف نوع واسع الانتشار في مدارسنا العربية، هي أنماط نموذجية ومألوفة:

يعاني من قدر كبير من ضعف الشخصيّة وضحالة الثقافة، لا يقبل الرأي الاخر، لا يثق بالاخر لأنه لا يعترف بالاخر، يقرر بنفسه، حتى وإن كان لديه طاقم إداري، في جميع المسائل الصغيرة قبل الكبيرة المتعلقة بالطلاب، المعلمين، الموظفين ،الأهل... إنه ذلك المدير الذي يصل إلى المدرسة مبكرًا في الصباح، يتفقد بنفسه زاويا، ساحات، حمّامات، غرف وصفوف المدرسة، يتولى بإصرار أمر البرنامج اليومي، ويعالج أمر المعلمين المتغيبين.... أما أثناء اليوم فيبقى متجهمًا، عابسًا، ويشغل نفسه بمخالفات الطلاب التي لا تنتهي أبدًا: هذا الطالب صرخ، وهذا ضرب، وذاك أزعج، أو سرق، أو خرج، أو دخل، أو بكى، أو ضحك أو...

إنه المدير الذي يقرر وحده بشكل مركزي لأبعد الحدود في كافة الفعاليات المنهجية واللامنهجية: امتحانات، رحلات، مناوبة، مجلس طلاب، احتفالات، مباريات رياضية، مدخولات ومصروفات، المنهاج، عمل المربّين والمركّزين، وغيرها. صحيح أن جميعها مهام غاية في الأهمية، لكن السؤال هو هل يجب أن يقوم بها جميعًا؟ ألا يمكن أن ينوب أعضاء الطاقم عن مدير المدرسة على الأقل في بعضها؟! الخطورة تكمن في أن إصرار المدير من هذا النوع المتسلط على القيام بكل تلك المهام بنفسه، حتى المهام التافهة منها، سوف يمنعه من الالتفات إلى القضايا المركزية التي تقرر بصورة فعليّة مصير المدرسة، ومصير الأهداف التربوية والتعليمية التي قامت المدرسة من أجل تحقيقها. لن يتبقى لديه  الوقت لوضع إصلاحات وخطط تربوية راقية للنهوض بالمدرسة، ولا للمشاركة في ورشات وندوات تثقيفية اجتماعية فضلاً عن تعكير العلاقات بينه وبين الطلاب والمعلمين، ونشر ثقافة الشك المتبادل، والعمل الانفرادي، وانعدام القابلية على العطاء وخنق الإبداع والمبادرة، ومن ثم خلق أجواء متوترة وكئيبة داخل جدران المدرسة.

وبالتالي فمن أجل الحدّ من انتشار تلك الأجواء القاتمة في مدارسنا، ومن أجل التقليل من عدد "المديرين المرهقين" الذين يرهقون أنفسهم بأنفسهم دون داع، وبالتالي يرهقون مدارسهم معهم ويفشلونها، لا بد من الانتقال إلى "مديرين فعّالين" يمتازون بسعة الثقافة، الثقة بالنفس، وباحترام الآخر. مدير المدرسة من هذا النوع لا يتعامل مع جميع القضايا اليومية التي تعيشها المدرسة بشكل روتيني؛ وإنما يضع ثقته بطاقم المعلمين والمربين، ويستعين بشكل خاص بطاقم الإدارة، ويكتفي بالإشراف على سير العملية التربوية والتعليمية ومراجعة أداء كل صاحب وظيفة ببالغ الاحترام والثقة والتعاون.

إن مدير المدرسة من هذا النوع، "الفعّال"، لن يشعر بالإرهاق، أو بالملل، أو بالضغط، أو بالفشل أبدًا؛ لأنه ببساطة يدير مدرسته بشكل محترف وهادئ بعيدًا عن الأنانية والعجرفة والنرجسيّة. المدير الفعّال إذا هو ذلك المدير الذي:

-        يختار طاقمًا إداريًا واسعًا، يتمتع بالخبرة التعليمية- التربوية والثقافة الواسعة بعيدًا عن أي اعتبار عائلي حمائلي.

-        يوزع الوظائف بين أعضاء الطاقم بصورة عادلة ومهنية بشكل يغطي كافة المجالات.

-        يبقى على مسافة واحدة من أعضاء الطاقم الإداري ومن كافة المعلمين.

-        يعقد جلسات أسبوعية  لأصحاب الوظائف فقط بحيث تكون مهنية، هادفة، وقصيرة.

-        يعقد جلسة شهرية للهيئة الموسّعة على أن تكون جلسات قصيرة، هادفة وديمقراطية.

-        يتقن توزيع وقته واستغلاله.

-        بشوش ومبتسم، قليل الكلام، يتكلم بصوت هادئ، ويعطي إجابات قصيرة واضحة ومهنيّة.

-        يحترم المعلم والطالب على حد سواء، يؤمن بهما ويعتبرهما شريكين أساسيين له.

-        يمتاز بهدوئه ورباطة جأشه بعيدًا عن العصبية والتهوّر وفقدان السيطرة.

لا يشعر المدير الفعّال- عادة- بالتعب والإرهاق، ولا يقلق على مدرسته في حال تغيب عنها، على عكس المدير المرهق الذي لا يفارق مدرسته إلا لأمر طارئ لا لسبب إلا لأنه لا يثق إلا بنفسه وبقدراته، حتى وإن كانت غالبًا معدومة.

أخيرا، لا بد من التأكيد على ان الانتقال من المدير المرهق التعب إلى المدير النشط الفعال في مدارسنا العربية لا يعد بحال شأنا خاصا بمدير المدرسة بل يعد شأنًا عامًا بامتياز حيث إن نجاح المدرسة وتحقيق أهدافها يشكل هدفًا مركزيًا يلتقي حوله، ويجمع عليه المجتمع برمته.

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية