موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

القدوة الشخصية

 مقال د. رفيق حاج - القدوة الشخصية

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

القدوة الشخصية هي مطلب أساسي نطلبه من كل قائد ومدير ومسؤول ومدرس ورجل دين وأب وأم وآخرين ممن لهم دور في حياتنا. هنالك العديد من المشاهير والعظماء والقادة  الذين يتبوأون مناصب هامة ويدعون الناس الى العفّة والنزاهة والاستقامة لكنهم يتصرفون عكس ذلك.

عجبت ممن يطلب من الآخرين أمراً لا يرضى به لنفسه, ممّن يتصرف بعكس مواعظه وإرشاداته وتوجيهاته, ممّن لا يفوّت فرصة للتلقين والشرح والإشادة وتوزيع الشهادات والألقاب- هذا بخيل وذاك ثرثار وهؤلاء منافقون, وبنفس الوقت "يتمتع" بكل تلك الخصال معاً,  يتكلم عن بخل فلان أما هو فمن شدة بخله يضع مرآة في خزنته ليتأكد أن من يفتحها هو بذاته وليس آخر, ويتهم "علان" بالثرثرة أما هو فمن كثر ثرثرته بات عبئا على أقرانه وإن دخل عليهم يتبعثرون الى كل صوب مطلقين الأعذار "الثقيلة" ليتجنّبوا مجلسه, ويتحدث عن المنافقين أما هو فمن فرط نفاقه يبيع نفسه في سوق الخميس لكي يحصل على مراده.

هل صادفتم مدير قسم رياضة ومسؤول عن النشاطات الرياضية والتربية البدنية في السلطة المحلية, يمتد كرشه من "بغداد الى الصين"؟ هل صادفتم محاسبا يدير حسابات الزبائن بدقة متناهية  لكنه غير قادر على ضبط حسابه الشخصي  ويتلقى كل يوم تهديدات من مصرفه بإرجاع شيكاته؟ هل صادفتم مستشارا قضائيا متورطا بشكل شخصي بقضايا ومشاكل لا حصر لهما؟ هل صادفتم أخصائيا نفسيا يحل المشاكل الزوجية وقد قام بالزواج والطلاق خمس مرات. هل صادفتم زوجا ينفق الأموال الطائلة على ملبسه ومأكله وعطره وقعداته مع أصدقائه لكن عندما تطلب منه زوجته أن يقتني مكيّفا لاتقاء شرّ الحرّ فيجيبها أنه لا يطيق المكيّفات لأنها تسبب له صداعا وإذا طلب منه ابنه مالا ليلتحق بدورة لتعلم اللغة الانجليزية يهيج ويثور ويتهمه بالتقصير ويذكره بدورات أخرى كان قد التحق بها ولم يستفد منها شيئا. 

نحن كآباء وامهات نلاحق اولادنا ونحاول ان نردعهم عن التدخين وبنفس الوقت نحرق علبتين من السجائر في اليوم الواحد وننهاهم عن الجلوس طويلا امام شاشة الحاسوب ونحن نقضي الساعات على الفيسبوك. نحن كمشغلين أو كمدراء نطلب من العاملين الخاضعين لنا عدم التأخر بالقدوم الى مكان العمل ونحن نحضر متأخرين ساعة او اكثر. نحن كمعلمين نطلب من الطلاب عدم استعمال الهاتف الخليوي وبنفس الوقت نقوم بالردّ على أصدقائنا ومعارفنا أثناء الدرس. الحياة أيضا زاخرة بمشاهير وعظماء وقادة ورجال دين ومراقبون ممن يتبوأون مناصب هامة ويدعون الناس الى العفّة والنزاهة والاستقامة لكنهم يقومون بتصرفات مخالفة تماما لما هم قيّمون عليه. فعميد بنك اسرائيل المسؤول عن ادارة سياسة الحكومة النقدية ومراقبة النشاطات المصرفية يُتّهم بسرقة زجاجة عطر في مطار هونغ كونع, والراب لاندبرغ يُتهم بأكثر من حالة تحرّش واغتصاب.

القدوة الشخصية هي مطلب أساسي نطلبه من كل قائد ومدير ومسؤول ومدرس ورجل دين وأب وأم وآخرين ممن لهم دور في تربيتنا او تفعيلنا وإلا فلا قيمة لما يتفوهون به ولا شرعية لطلباتهم وانذاراتهم. لن نطلب سلوكا من أحد لا نرضى به لأنفسنا مهما كان الماثل أمامنا ضعيفا ومغلوبا على أمره. , وإن صممنا على ذلك فسنلقى منه جحودا وعقوقا وحتى عدوانية واستهزاء.  وإن قام بتنفيذ ما طلبنا منه أمامنا سيعود الى ما كان عليه عندما نغيب عن الساحة. اذا اردنا ان تكون مصداقيتنا عونا لنا في كسب تأييد وتقدير ومحبة الآخرين علينا أن نكون مثالاً لما نتوخّاه منهم.

من هم هؤلاء الأشخاص؟ وما هو القاسم المشترك بينهم؟ وما الذي يحركهم ويدفعهم الى هذه الازدواجية؟ هل هي الأنانية أم أنهم يعانون من انفصام بالشخصية؟ أم هم أناس عاديون وكل ما يقومون به هو تصرف عادي وكل واحد منا يعيش هذه الازدواجية في المعايير والأحكام؟ على ما يبدو أن هذه الصفة هي ميزة انسانية تتصف بها غالبية البشر لكن المغالاة بها قد يصل الى حالات مرضيّة منفّرة وتثير الشكوك حول مصداقية حاملها.

 "أحب لنفسك ما تحبّه لغيرك.." هكذا أشار الينا الصحابة علي بن ابي طالب رضي الله عنه, وورد  عن الإمام الهادي عليه السلام:  "لا تطلب الصفا ممن كدرت عليه، ولا النصح ممن صرفت سوء ظنك إليه، فإنما قلب غيرك لك كقلبك له", فغيرك ينظر إليك ويعاملك كما تعامله، فإن كنت تكره منه أمرا فلا تعامله به, ولا تَظلِم كما لا تُحبُّ أن تُظلَم.

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية