موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

السوبر لاند.. ليست المشكلة

 مقال د. رفيق حـــاج - السوبر لاند.. ليست المشكلة

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

التنديدات التي أطلقها المسؤولون الرسميون حول قضية "السوبرلاند" لا تكلف خزينة الدولة شيئا, وتُكسب مطلقوها صفة "المتنورين" و "الليبراليين". ليتنا نرى تسيبي ليفني وشاي بيرون ورون خولدائي وابراهام متسناع وأيضا نوابنا يقيمون الدنيا ولا يقعدوها من أجل إقامة منتجعات مشابهة في المجتمع العربي. ليت حفيظتهم تثور من أجل تخصيص ميزانيات حكومية لتطوير بلداننا ومناطقنا الصناعية وجهازنا التعليمي

قامت الدنيا ولم تقعد منذ انفجار قضية "السوبرلاند" التي حسبها رفضت إدارة منتجع "سوبرلاند" استقبال طلاب مدرسة "أجيال" الثانوية اليافاوية في أيام خصصتها للطلاب اليهود فقط.  حادثة "السوبر لاند" هي حادثة من الحوادث المؤسفة التي تذكّرنا بالكراهية والعدائية والعنصرية السائدة في هذه الدولة والتي بدأت تتغلغل في قطاعات عديده من المجتمع اليهودي. السكوت عنها من قبلنا يُعدُّ مذلّة وتجاهلها من قبل الحكومة هو نذالة. لكن ليست هذه الحالة التي نحن بصددها, فقد قام نوابنا بالكنيست بتنديد الظاهرة وانضمّ اليهم رؤساء اولياء الأمور الطلاب العرب وتنظيمات المجتمع المدني ومحامون وأطباء وقطاعات اخرى, وهذا ليس بالجديد والمفاجئ من طرفنا فماكنة الاحتجاج عندنا متأهبة لأحداثٍ من هذا النوع, لكن للأسف بعد أن نشجب ونتحدّث عن الموضوع لبضعة أيام نعود الى بيوتنا لنزاول أعمالنا والتحدّث فيما بيننا باللغة العربية "المرصّعة" بالكلمات العبرية, "ويا دار ما دخلك شرّ". بعد أن نستنكر نصمت بانتظار الحادثة القادمة التي قد تأتي من معتوهي فريق "بيتار القدس" او من قطعان المستوطنين او حتى من وزراء ومسؤولين كبار.

لكي نَفِي الموضوعَ حقه وددت اطلاعكم على منتجع "السوبرلاند" الذي أثيرت حوله الضجة. "السوبرلاند" هو منتجع للملاهي متواجد في غربي مدينة "ريشون لتسيون" ويمتد على مساحة 94 دونما وهو يتبع لشركة تدعى"مدينة الملاهي" التي يملكها الإخوة بروزوفيتش, وقد اقيم هذا المنتجع سنة 1991 كمشروع تربوي باسم "نهر الصهيونية" حيث كان من المفروض ان يقوم بتشغيل قطار يمر بالمنتجع ويتوقف في أماكن تخص معالم الصهيونية وتاريخ إقامة الدولة, لكن مع تطوّر مدينة "ريشون لتسيون" طرأ تحول في نوعية الفعاليات الدائرة به وأصبح منتجعا للملاهي. بعبارة أخرى الهدف الاساسي الذي كان من وراء هذا المشروع هو ترسيخ وتوثيق الفكر الصهيوني.

ما أصعب أن يحمل المرء منا رأياً ضد التيار السائد. أنا اعتقد أن الأمر ليس بمنتهى الخطورة كما يصورونه وينبغي وضعه في حجمه الحقيقي. أنا أميل للتفكير بأن الاعتبارات التي وقفت أمام القيمين على هذا المنتجع بتخصيص ايام للعرب وأيام لليهود وأيام للحراديم لم تكن عنصرية بحت, فلقد صرّحت ممثلة المنتجع أمام الكنيست في جلسة لجنة التربية والتعليم التي يرأسها ابراهام متسناع إن هنالك الكثير من المشاكل والشجارات التي تقوم بين الفتيان العرب واليهود الذين يلتقون ببعضهم البعض لأول مرة. مع أني لست بصدد الدفاع عن ادارة "السوبرلاند" إلا اني ألمس ذرة من المنطق فيما تدعيه, فنحن أدرى "بشبابنا" و "شبابهم".  لو قامت إدارة المنتجع بعدم استقبال العرب بتاتا لكان الأمر مختلفا. قد تكون هذه المقولة غير صادقة وقد أتت للتستّر على أفكار عنصرية يحملها اصحاب المكان, لكن أنا شخصيا لا أرى أن المشكلة الحقيقية هي التصرفات العنصرية التي يقوم بها بعض المهووسين هنا وهناك.  انا لست قلقا من الأشخاص الذين لا يخجلون بعنصريتهم ولا بكراهيتهم للعرب, وانما من المسؤولين الكبار في هذه الدولة الذين يتسترون على افكارهم العنصرية ويخططون لدوسنا وتهميشنا وحرماننا.

التنديد الذي قامت به الاوساط الرسمية لهذا "الحادثة" لم يسبق له مثيل. فقد برّأ الجميع ذمتهم تجاه التمييز الممارس ضدنا عن طريقها, وكأن المشكلة هي "كيف يقضي طلابنا عطلة الصيف؟". لقد قامت  وزيرة العدل, تسيبي ليفني, بتنديد الحادثة بأعلى صوتها بل قامت بفتح "خط ساخن" لتلقي توجهات من مواطنين يجابهون تمييزا او عنصرية من قبل آخرين.  لقد قام أيضا "مشكوراً" وزير التعليم, شاي بيرون, بالاتصال بالمعلم خالد شقرة من مدرسة "أجيال" في يافا وقال له "أنا مصعوق من هذه الظاهرة التي لا مكان لها في المجتمع الاسرائيلي.. أنا أرى بالحياة المشتركة بين اليهود والعرب قيمة أساسية تستند عليها وثيقة الاستقلال..", أما ادارة بلدية تل ابيب-يافا، ممثلةً برئيس البلدية رون حولدائي ، فقد قامت بإصدار توجيه لمديرية التربية والتعليم والثقافة والرياضة بمقاطعة مدينة الملاهي "سوبر لاند" وعدم التعاقد معها بكل ما يخص تلاميذ المدارس والمصايف.

طبعا كل تلك التنديدات التي أطلقها المسؤولون الرسميون لا تُكلفُ خزينة الدولة شيئا ولا تتطلب منهم أي شقاء او عناء بل على العكس يحظى مطلقوها بصفة "المتنورين" و "الليبراليين". عندما يقوم خصومنا بالاعتراف بالأذى او الإهانة التي الحقوها بنا نفقد الدافعية لمقاومتهم والتصدي لهم. مشكلة العنصرية لا تُحل عن طريق التنديد من قبل اليهود او العرب, فالتنديد هي عملية سهلة لا تقدّم ولا تؤخّر وهي تزيد العنصريين غطرسة ومباهاة بفوقيتهم وتذكّرنا بواقعنا الصعب والبائس. ليتنا نرى تسيبي ليفني وشاي بيرون ورون خولدائي وابراهام متسناع يقيمون الدنيا ولا يقعدوها من أجل إقامة منتجعات مشابهة في المجتمع العربي. ليت حفيظتهم تثور من أجل تخصيص ميزانيات حكومية لتطوير بلداننا ومناطقنا الصناعية وجهازنا التعليمي ومسطحات البناء في قرانا. هذه هي العنصرية الحقيقية وليس منع فتياننا من التزلج ورشق الماء على بعضهم البعض مع الفتيان اليهود.

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية