موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

أزمة ثقة

 مقال د. رفيق حاج - أزمة ثقة

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

ان الثقة بالآخرين هي ميّزة أصيله يتحلّى بها كبيرو النفوس وهي عنصر هام في تركيبة النسيج الاجتماعي وهي بمثابة الصمغ الذي  يقوم بإلصاق اطراف المجتمع ببعضها البعض. الثقة هي مصدر من المصادر المجتمعية والحياتية كرأس المال والأملاك والمعرفة والقوى البشرية وغيرها.. المجتمعات التي تقبع تحت سياسة التمييز تعيش أزمة ثقة  

هل تثق بزملائك؟ بأبناء عائلتك؟ بأبناء عائلات وطوائف اخرى؟ هل تثق بالبائعين في بلدك؟ هل تثق في جهاز السلطة المحلية في بلدك؟ هل تثق بتلاميذك او بمدرائك؟  كل هذه الاسئلة يطرحها علماء الاجتماع في الابحاث التي يقومون بها لقياس مستوى الثقة المتبادلة في مجتمعٍ ما. ان عدم الثقة بالآخرين هي صفة تلازم المجتمعات غير المتجانسة من ناحية اللون او القومية او الديانة او حتى غير المتجانسة اقتصاديا وهي "تترعرع وتزدهر" في المجتمعات الفقيرة التي تعاني من التمييز حيث يفقد الافراد ثقتهم ببعضهم البعض وبزعمائهم وممثليهم ويستسلمون لليأس. ان الثقة بالآخرين هي عنصر هام في تركيبة النسيج الاجتماعي وهي بمثابة الصمغ الذي  يلصق اطراف المجتمع ببعضها البعض. الثقة هي مصدر من المصادر الحياتية المعروفة كرأس المال والأملاك والمعرفة والقوى البشرية فهنالك "كسب الثقة" و "تبادل الثقة" و"انعدام الثقة" وكلها مصطلحات مستقاة من عالم الموارد. ان حقيقة كونها "مصدر" يطرح سؤالاً كبيرا حول كيفية استغلالنا لهذا المصدر وكيفية المحافظة عليه واستخدامه بالطرق المُثلى.

عندما يقوم سائح اوروبي او أمريكي بزيارة اسواقنا أو مواقعنا نُذهل من "سذاجته" فهو يصدّق كل كلمة وكل ادّعاء نتفوّه به ومستعد ان يقتني بضاعتنا حسب الأسعار التي تروق لنا. هذه "السذاجة" هي صفة "الثقة بالآخرين" التي يتمتع بها ذلك السائح وليست السذاجة التي نعرفها. ان الثقة المتبادلة بين البائع والزبون هي ركن من اركان الاقتصاد وهي تنشّط الحركة الاقتصادية في البلد, فعندما يثق الزبون بتوصيات البائع ويثق البائع بالشيكات المؤجّلة التي يتلقّاها من الزبون فإن إبرام الصفقة بينهما تكون عملية سهلة. يروي الادب العربي قصة التاجر الذي سُئل "كم رأس مالك؟" فأجاب "اني امين وثقة الناس بي عظيمة..". ان توفّر مستويات مرتفعة من الثقة من شأنه ان يخفّض من اسعار السلع والخدمات فهي تخفّف من إصرار الطرفين على نصّ معاملات قانونية باهظة الثمن وتقديم كفالات بنكية مكلفة وتفعيل وسائل مراقبة. ان الثقة المتبادلة بين افراد المجتمع تساهم في تسريع اقامة الشراكات والمبادرات الاقتصادية وتوفّر المصادر المالية المطلوبة لها وتؤدي الى تقصير الزمن المطلوب لإتمامها وهذا يعظّم من فرص نجاحها ويقلّص من مصاريفها. ان الضرر المالي الذي قد ينتج من عدم الثقة بوسائل الدفع الذي يطرحها الزبون والذي يؤدي الى ضياع الفرصة لإتمام عملية الشراء هي اكبر بكثير من الاضرار النابعة من رجوع الشيكات وهذا ادّى الى تغيير سياسة المتاجر الكبيرة في كل ما يخص التعامل مع شيكات الزبائن. كذلك الأمر بالنسبة الى سياسة ارجاع البضائع بعد اقتنائها, فهنالك بوادر لتفهّم من قبل المتاجر الكبيرة لإرجاع البضائع بعد شرائها من قبل الزبون.

هنالك أيضا الثقة المتبادلة بين المواطن والسلطة المحلية والمركزية والتي تختلف من بلدٍ الى بلد ومن قُطرٍ الى قطر وهي تؤثّر على طبيعة التعامل بينهما وعلى جودة الحكم. عندما يثق المواطن بالسلطة المحلية بانها تصرف ريع الضرائب المحلية التي تجبيها من السكان لتزويد الخدمات وتطوير البلد فان استجابته لدفع الضريبة تكون مرتفعة. وعندما يثق المواطن بجهاز الجباية في السلطة المحلية بانه يفرض المبالغ الصحيحة على المواطنين فإنه يوافق على التوقيع على "أمر ثابت" لخصم الضريبة من حسابه في البنك وهذا يحسّن وضع الجباية ويعظّم المدخولات ويؤثّر لاحقا على مستوى الخدمات البلدية ونشاط الحياة الاقتصادية. نظام ضريبة الدخل في الولايات المتحدة يثق بـ"تصريح الدخل" الذي يقوم به المواطن بتقديمه كل سنه دون الحاجة الى ارفاق الفواتير والاثباتات عن مدخولاته ومصاريفه ويقوم بإرجاع مبالغ لا يستهان بها للمواطن الذي يستحق استرجاعا ضريبيا اعتمادا على تصريح المواطن فقط, بينما حسب نظام الضريبة الاسرائيلي "انت مذنب حتى تثبت براءتك" حيث يُطلَب من المواطن تقديم اوراق ثبوتية لكل صغيرة وكبيرة حتى تذاكر الباص او القطار, اي ان هنالك ازمة ثقة بين المواطن والسلطة التي تؤثّر سلباً على عدد المتملّصين من دفع الضرائب. المواطن الذي لا يثق بالسلطة لا يستجيب لنداءاتها ولا يمتثل لأوامرها إلاّ اذا كان ذلك مخالفا للقانون ولن يوفّر اية فرصة للإيقاع بها واضعافها, والمواطن الذي يثق بالسلطة يسعى الى انجاح خطواتها والالتفاف حول مشاريعها والقيام بواجباته تجاهها.

على المستوى الشخصي تهبنا  الثقة بالآخرين الكثير من الراحة النفسية والاطمئنان وبانعدامها تهيمن الريبة على افكارنا والشك على عقولنا فنُصاب بالشلل ونقبع في امكنتنا خشية ان نقع "فريسة" بأيدي من يريدون النيل منا وقد تتحوّل حياتنا الى قلقٍ مستمر او حتى الى جحيم مُطبق. ان عدم الثقة بالآخرين هي صفة غير انتقائية وتظهر في اكثر من ميدان فمن لا يثق بالمقرّبين منه كأولاده وزوجته وابناء عائلته لا يثق ايضا بعامليه ويخشى انهم ينتهزون فرصة غيابه للهو ولهدر الوقت ولا يثق بتلاميذه خشية بانهم يغشون بالامتحانات او بالواجبات المدرسية ولا يثق بالبائعين المتجولين الذين يقصدون بيته ولا يثق بالتوصيات التي يرفقها الفنّيون واصحاب المهن. عندما سؤل احدهم لماذا قام بتثبيت مرآة داخل خزنة النقود الخاصّة به فأجاب "اريد ان أتأكّد أنّ من يفتح الخزنة هو أنا وليس شخصا آخر

 

 

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية