موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

قوة الردع معدومة!

 مقال د. رفيق حاج - قوة الردع معدومة!

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

اذا كانت السلطة المحلية لا تنفّذ الاجراءات المطلوبة ضدّ المتملّصين من دفع الضريبة المحلية ولا تقوم بردعِ المواطنين الذين ينتهكون حرمة الصالح العام ويعرقلون حركة السير وينادون على بضائعهم بمكبرات الصوت داخل الحارات,  فلماذا نسميها "سلطة" ؟! فلنسمّها باسمها الحقيقي "دائرة التشغيل" او "مكتب مكافحة البطالة" أو "نادي الأصدقاء"

لكلّ سلطة اينما كانت توجد مقوّمات معيّنة تجعل منها سلطة شرعيّة ,ويُحسب لها الف حساب, واحدى تلك المقوّمات هي القدرة على ردع من يُخالف قوانينها او لا يمتثل لأوامرها او لا ينصاع لقراراتها وتحذيراتها وتعليماتها واحدى تلك السلطات هي السلطة المحليّة. على الأغلب تستقي تلك السلطات قوّتها وهيمنتها من السلطة المركزيّة المتمثّلة بالدولة او بالحكومة مثل سلطة السير على الطرق, سلطة الضرائب, سلطة الموانئ, سلطة الحفاظ على الطبيعة, سلطة البث وغيرها وتقوم تلك السلطات بمعالجة مجال معيّن من مجالات الحياة المختلفة ولكني سأتطرّق في مقالي هذا الى "السلطة المحلية" وبالذات الى السلطة المحلية العربية ومكانتها في اعين المواطنين العرب. في أحد الابحاث التي قُمت بها لتقصّي العوامل المؤدّية الى تدنّي مستوى الجباية في السلطات المحلية في ست قرى عربية في منطقة الشمال وجدت ان أحد العوامل التي تؤثّر على استجابة المواطن لدفع الضرائب لبلدية هو غياب "هيبة" السلطة المحلية في أعين المواطن العربي. المواطن العربي لا يخشى من الإجراءات او العقوبات التي قد تتخذها ضده السلطة المحلية في مكان سكنه بنفس المقدار الذي يخشى من سلطة الضرائب او سلطة السير او سلطة الجمارك, والسبب في ذلك يعود الى عدة عوامل. العامل الاوّل هو عدم اعترافه بشرعية الجهاز المنتخب ومن ثَمّ الجهاز الإداري وبقدرتهما على اتخاذ خطوات جريئة وفعلية ضدّه, لأنه "وبصراحة" يستخف بطريقة وصولهم الى السلطة ويعتبرها جزءاً لا يتجزّأ من صفقات انتخابية بين أطراف لا همّ لها غير الوصول الى "كرسي العرش" وهو يستخفُّ أيضا بطريقة تعيينهم لذوي المناصب في السلطة المحلية ويعتبرها مُسيّسة ومنحازة وغير موضوعية وغير كفؤة ولذا فهي لا تملك الصلاحية لردعه أو معاقبته. عامل آخر يؤثّر على عدم انصياع المواطن العربي لإملاءات السلطة المحلية هو صلة القرابة أو الجيرة أو الصحبة أو الزمالة المدرسية أو الانتساب السياسي أو حتى المعرفة الشخصية القائمة بين المواطن وممثلي السلطة المحلية ويخشى كل طرفٍ منهما التصدّي للآخر تحسّباً لزعله. اذا كانت هي الحال فلا عجب ان يقوم المواطن بالاعتداء على الصالح العام دون استحياء أو خجل. فترى اصحاب الدكاكين والمصالح يقذفون بالنفايات والكراتين واكياس النايلون على عرض الشارع لتصبح تِلالاً بل جبالاً شاهقة على مدّ العين, وهناك السائقون الذين يوقفون سيّاراتهم في الاماكن المحظورة والمطلية بالأحمر والابيض مما يؤدي الى الاختناقات المرورية داخل البلد واصحاب الورشات الذين يزاولون اعمالهم بين البيوت السكنية غير عابئين بالضجّة والغبار الذين يثيرونه والباعة المتجوّلون الذين يقلقون راحة المواطنين بمناداتهم عبر الميكروفونات على بضائعهم والمواطنون الذين يعتدون على أرض الشارع او الذين يرفضون اعطاء متر واحد من ارضهم لجارهم ليتسنّى له المرور,  وهنالك اصحاب المطاعم الذين يستبيحون ارض الشارع ليضعوا عليها كراسي الزبائن وينصبون عليها الشمسيات لحمايتهم من حرّ الشمس, أمّا عن سيارات زبائن المطعم الواقفة في وسط الشارع فحدّث ولا حرَج ولا تنسوا المواطنين الذين يربّون المواشى والدجاج في المناطق السكنية. كل هذه الظواهر والآفات البيئية ترجع الى قصور السلطات المحلية في اتخاذ اجراءات صارمة ضدّ المخالفين او المعتدين مع انها تملك كل الشرعية القانونية والأخلاقية لذلك. ان سكوت السلطة المحلية عن ردعِ المخالفين من اقتراف آثامهم هو جريمة نكراء ومثلها مثل ألأم التي تتغاضى عن التنكيل بأبنائها. "التواطؤ" مع المجرمين مثله مثل القيام بـ "الجريمة" ذاتها, وهو يتيح لكل عابثٍ او مستهتر ان ينغّص عيشنا ويقلق راحتنا واعذروني هنا على حدة الاوصاف التي اقوم بها لأن الحالة باتت لا تُطاق. آن الأوان ان نُنقذ انفُسنا من أنفسنا وأن نأخذ مسؤولية على مصيرنا فلا مجال هنا لاتّهام  سياسة التمييز والقهر القومي بالفوضى العارمة التي تعمُّ قُرانا ومُدننا وعلينا ان نُراجع أنفسنا ونحاسب ذاتنا بشكل صريح. على السلطة المحلية ان تفرض هيبتها على المواطنين وان تستعمل قوة الردع الذي يتيحها القانون. اذا كانت السلطة المحلية لا تنفّذ الاجراءات المطلوبة ضدّ المتملّصين من دفع الضريبة المحلية ولا تقوم بردعِ المواطنين الذين ينتهكون حرمة الصالح العام فلماذا نسميها "سلطة" ؟! فلنسمّها باسمها الحقيقي "دائرة التشغيل" او "مكتب مكافحة البطالة" أو "نادي الأصدقاء".

 

 

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية