موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

السطحية.. قاتلة أحيانا!

 مقال د. رفيق حاج - السطحية.. قاتلة أحيانا!

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

الفكرُ السطحيُّ يؤدي الى التعصبِ الدينيّ والقوميّ والعرقيّ لأنه داعمٌ لمحدوديةِ التفكيرِ والأنانيةِ والرؤيا الأحادية ويغذّي العدوانية. من يحملُ هذا الفكر يلجأ  الى الطرقِ المختزلةِ للنجاحِ كالغشِّ والتحايلِ والتزوير. في مجتمع تسودُ به الثقافةُ الاستهلاكيةُ وتُمارس به "عبادة المادة" يتفاقم الفكر السطحي الى أبعد الحدود

 

السطحية هي نمط حياة يختاره من قرّر ألاّ يبذل جهدا من أجل التعمّق في فهم الأمور أو في تحليل الأحداث أو في فهم سلوك الناس, فهو يُؤثِرُ الطفوَ على السطحِ على أن يغوصَ بالأعماق, ويكتفي بقدرٍ قليلٍ من المعلومات ليتّخذ موقفاً او يأخذ قراراً أو ينفّذ عملاً. تخيّلوا الأخطار والأضرار المترتبة من هذا النمط الفكري الذي يتبعه نمط سلوكي. تخيّلوا مثلاً أن  نُباشر بمشروع اقتصادي دون أن نتعمّق في دراسة الموضوع بحذافيره ودون أن نفحص مُسبقا الجدوى الاقتصادية ودون أن تتوفّر المصادر المهنية والتشغيلية لنجاحه. تخيّلوا أن نقوم بالاقتران بزوج (او بزوجة) دون أن نستقصي مدى ملائمته لنا ونكتفي بوسامته او بانتمائه الى عائلة كبيره او بكونه ثريا. تخيّلوا أن نُعلن الحرب الشعواء على فردٍ أو على قومٍ بالاعتماد على إشاعات وصلت الى مسامعنا ولم ترُق لنا.

لست أدري إذا كان اعتناقنا "الفكر السطحي" هو أمر قسري أم اختياري؟ هل هو مكتسب أم موروث؟ هل هو عابر أم مستأصل؟ في كل الحالات ينبغي أن نرفضه دون أن نكترث بمصدره او بشكله او بلونه لأنه فكر هدّام ولن يجلب لنا غير الويلات. هنالك أسباب عديدة لتبنينا الفكر السطحي كأفراد ومجتمعات وأهمها انعدام المسؤولية على قراراتنا وأعمالنا بالإضافة الى عامل الكسل والادعاء بأننا لا نملك الوقت الكافي ولا المهنية المطلوبة للتعمّق بالأمور. في مجتمع تسود به الثقافة الاستهلاكية و "عبادة المادة" يتفاقم الفكر السطحي. حاملُ الفكر السطحي يعتبر ان العملَ شقاءٌ وليس متعة وليس تحقيقا للذات, وبما أنه شقاءٌ فينبغي الابتعاد عنه او التقليل منه, ويعتبر التفكيرُ العميقُ أمراً مُتعباً وينعتُ من يتبناه "فيلسوفا". كما تعلمون بعد ظهور التكنولوجيا المتطورة انتقل التخاطب بين الأفراد والأصدقاء الى الرسائل النصية عبر الهواتف الخليوية واقتضبت عملية التعبير عن المشاعر بواسطة الكلمات المختصرة المكتوبة بالأحرف اللاتينية والرموز والايقونات الكاريكاتورية, وهذا بنظري احد تجليات السطحية. لماذا نتعب أنفسنا ونقوم بالشرح والتفصيل والمواجهة إذا كانت هنالك طرق أقصر وأقل كلفة, هذا ما يقوله لنا "الشباب الصاعد" وينعتنا بالتأخر والتخلّف لو عارضناه في ذلك.

الفكر السطحي يؤدي الى التعصب الديني والطائفي والقومي والعرقي لأنه داعمٌ لمحدودية التفكير والأنانية والرؤيا الأحادية والتنكّر لآراء واحتياجات الآخرين. تكفينا صفة واحدة ظاهرة على العيان من الشخص الذي نرنو اليه لكي نأخذ موقفا سلبيا أو إيجابيا منه, ففحص الجوانب الأخرى قد يُغيّر وجهة نظرنا تجاهه وهذا أمر غير مريح أو مُكلف لنا, وتكفينا إساءة واحدة من فردٍ لنأخذ موقفا من كل المجموعة او القبيلة او الطائفة او الشعب الذي ينتمي اليه. الفكر السطحي يؤدي أيضا بصاحبه الى انتهاج الطرق المختزلة للنجاح. بما أن النجاح يتطلّب عادة جهدا كبيرا ومهنية عالية وشبكة من العلاقات البشرية, وبما أن صاحبنا لا يملك الدافعية ولا الطاقة لذلك فتراه يلجأ الى الغش في الامتحانات او في الكميات او في التحايل على الضريبة او في تزوير الشهادات او الانتخابات او الاوراق الرسمية.

الفكر السطحي يؤجج "العدوانية" فعندما نحاول اكتشاف سطحية صاحبنا وضحالته وتدني معرفته يقوم بمهاجمتنا دفاعا عن منطقة نفوذه ليوهمنا بأنه يملك المعرفة والقوّة. الفكر السطحي هو أرض خصبة لترعرع ظاهرة الغرور والتباهي والتبجح بالإنجازات الوهمية منها والحقيقية. لا همّ لأصحاب الفكر السطحي إلا باطلاعنا "قسرا" على تحصيلاتهم ومشترياتهم وسياراتهم وقسائم معاشاتهم وعن الامتيازات التي يحظون لها في أماكن عملهم وعن الرحلات المثيرة التي قاموا بها بهدف اقناعنا بأهميتهم وبالمكانة التي وصلوها كل ذلك بغرض إخفاء ضحالتهم وفقر ثقافتهم.

الانسان السطحي يقوم بأعمال محددة- يأكل وينام ويذهب الى العمل ويسترخي امام التلفاز ويكتفي برؤية قنوات وبرامج معينة. لا وقت لديه ولا رغبة في اكتشاف عوالم أخرى غير عالمه ولا نية له بتغيير آرائه ومواقفه وعاداته, ويفضّل رحلة استجمام الى شرم الشيخ او تركيا على رحلات استكشافية لآسيا او افريقيا. الانسان السطحي يهتم بصغائر الامور ويتجاهل كبائرها ويثور لأتفه الاسباب لضيق افقه, ويشعر نفسه مهددا بالتواجد مع اشخاص مثقفين ولا يتورّع عن مهاجمتهم او قذعهم او اتهامهم بالغرور والفوقية. حامل الفكر السطحي قلّما  يُشارك في العمل الجماعي أو في الندوات الثقافية والسياسية إلاّ اذا كان مضطرا الى ذلك, وإن حضر فلا يُصغي ولا يتفاعل مع المجموعة. من الأفضل عدم الدخول في جدالات عقيمة مع اصحاب الفكر السطحي لأنك تضطر الى مجاراتهم ومن ثمّ الى الانسحاب عاجلا أم آجلا فمن المستحيل إقناع شخص يرفض الانفتاح الى رأي آخر ويصرّ ان يظلّ على ما هو عليه.

كيف نعالج ظاهرة السطحية؟ يقولون ان كل شيء يبدأ بالتربية وينتهي بالتربية. يا لها من مقولة سحرية تعفينا من الشرح والتفصيل والتحليل والتفكير في حلول أخرى. حسب رأيي ان الاكتفاء بمقولة "التربية السليمة" هي الحل هو السطحية بذاتها حتى لو كانت حقا هي الحلّ. في هذا الجرف الثقافي والتكنولوجي الذي نعيشه هنالك سؤال يطرح نفسه, هل ما زال لنا تأثير على تربية الأجيال الصاعدة بعدما بتنا بأنفسنا مستهلكين لثقافة "المادة" و "ضحايا" للفكر السطحي. او بعبارة أخرى كيف ننمي اولادنا على اهمية الابحار الى الأعماق اذا كنا بأنفسنا نطفو على سطح الماء؟!!        

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية