موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

لماذا لا نتقبل النقد؟!

 مقال د. رفيق حاج - لماذا لا نتقبل النقد؟!

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

لماذا يغيب صوابنا عندما يوجّه الينا النقد من قبل الآخرين؟! لماذا تثور حفيظتنا على كل من يتجرّأ على انتقاد اعمالنا او اقوالنا او تصرّفاتنا ويكون ردّ فعلنا عنيفا ساخنا ومتشنجاً وفي احسن الحالات نقاطع تماما الشخص او الجهة التي بادرت بتوجيه النقد الينا؟!

 

لماذا يغيبُ صوابُنا عندما يُوجّه الينا النقد من قِبل الآخرين؟! لماذا تثورُ حفيظتنا على كلّ من يَجرؤ على انتقاد أعمالنا او اقوالنا او تصرّفاتنا ويكون ردُّ فِعلنا عنيفا ساخناً ومتشنجاً وفي احسن الحالات نُقاطع تماما الشخصَ او الجهة التي بادرت بتوجيه النقدِ الينا؟ ان عدم تقبّلنا للانتقاد هو امر مثير للدهشة والاستهجان على المستوى الشخصي وعلى المستوى العام وهو لا يليق بمجتمع راقٍ او حتى مجتمع يسعى الى الرقي والتطوّر. ان النقد على انواعه هو ركنٌ من اركان الديموقراطيه ومن لا يتقبّله هو انسان غير ديموقراطي بكل معنى الكلمة مهما رَفُعت مرتبته واتّسعت ثقافته. ان الاسباب الكامنة وراء عدم تقبّلنا كمجتمع عربي للنقد هي عديده وهي ايضا قابلة للنقد من طرفكم. اولاً- يغلب على حياتنا النموذج البطريرخالي (الابوي) حيث يُنظر لأبِ العائلة كالآمر الناهي في كل الامور وقراراته غير قابلة للإستئناف وافعاله غير قابلة للتحكيم واقواله غير قابلة للنقاش  وينعكس ذلك النموذج على علاقات اجتماعية اخرى كعلاقة الطالب بمدرّسه او الموظّفة بمديرها او حتى الزوج بزوجته. مع ان النظام البطريرخالي بدأ بالتقهقر مع حلول العولمة والفردنة في كل المجتمعات إلاّ انّ بصماته ما زالت متروكه على تصرّفاتنا وخصوصا على متقدمي العمر منا. ثانياً, هنلك تأثير واضح للدين على تقبلنا النقد والمراجعة والمراقبة, مع وجود بعض الاختلافات الطفيفه بين الاديان السماوية, فالكل مُنزَل وإلهي وسماوي ومن يعارض او يناقش فهو مُلحد ويستحق النبذ من المجتمع والامثلة على ذلك كثيرة فمن تجرّأ من الادباء او الفنانين على المناقشة والتشكيك كان مصيره وخيما. ان انتقاد رجال الدين او الرموز الدينيه هو ايضا أمر مستهجن وغير مقبول حتى لو كان ذلك حول ممارساتهم الدنيويه كالادارية منها والماليه والسياسية. ثالثا, الاجواء المشحونة المسيطرة على المجتمع العربي في اسرائيل بسبب التمييز العنصري التي تمارسه حكومات اسرائيل ضدنا وشُحّ المصادر واستشراء التعصّب الطائفي والحمائلي بين ظهرانينا فكلها تؤدي الى شحن الأجواء العامة بشحنه سلبية سريعة الاحتراق وسهلة الانفجار وهذه الأجواء "المعكورة" لا تشجّع النقد والنقاش والمساءلة, وإذا قام واحد منا بالانتقاد او اللوم او تحميل المسؤوليه لآخر فترى مُتلقي الانتقاد يتّهم مُصدِرَه بالعنصرية والتحيّز والنفعية والى آخره من النعوت المجحفة والتي لا دخل لها بالموضوع وانما يُطلعنا على الدوافع الخفيّه التي حَدَت بالمُنتقد ان يَنتقد. ورابعا, ترانا كعرب في هذه الديار سريعي الغضب حادّي المزاج نثور ونهوج لاتفه الاسباب وكل قولٍ لا يروق لنا نعتبره اهانة شخصية منجرّين وراء احاسيسنا وننسى ان نلجأ الى تحكيم العقل والمنطق, "فمن هو ذلك المتطاول الذي يجرؤ على التهجّم علينا؟!"  وخامسا, وهو العامل الاهم شأنا هو "جودة وموضوعية النقد". باعتقادي لكي نعطي الموضوع حقه ولكي لا نجحف بحق الاشخاص او الجهات التي ننتقدها علينا ان نتأكد من نزاهة وموضوعية ومهنية انتقاداتنا ونقاشاتنا. على النقد ان يكون موجها للعمل الذي قام به "الموظف الكبير" او للقول الذي قاله "زعيم الحزب" او التصرف الذي قام به "رئيس السلطه المحليه" وليس الى شخصه. ان الشتائم او ما يشابهها كالقذع او التجريح او الردح او التهكم هو امر مرفوض بتاتا وكذلك التعميم والمبالغة. على الانتقاد ان يكون دقيقا وموجها ضد الجزء "المريض" او الجزيء "الفاسد" وليس لكافة الجسم. ان اطلاق شعارات "سلطة فاسدة" او "زعيم خائن" او "مدير فاشل" هو امر يتطلب الفحص والتمحيص والتدقيق والتاكد من صحة المعلومات وتكاملها والا فستظل مجرد شعارات لا تزيد ولا تنقّص وقد تكون مُضرّة احيانا لانها تبث الشكوك والريبة في المجتمع. اي اتهام من هذا النوع يجب ان يكون معزّزا بالوثائق الدامغة والوقائع المثبته وان يكون مقرونا بالاستعداد للمثول امام "ماكنة العدالة". على النقد ان يكون واضحاً ومبسّطا وان يخلو من الكلام المبطّن ومن الغمز واللمز والتنميق الكلامي والحذلقه وان يَتطرّق لكل الاوجه القائمة للموضوع-الايجابية قبل السلبية. ان تقبّل النقد لا يعني الموافقة على ما يدّعيه الناقد وانما يعبّر عن الانفتاح وعن الثقة بالنفس وعن القدرة على الاستماع والتفهم واستخلاص العبر. ان الاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضيه. من يخالفني الرأي هذا لا يعني انه ضدي شخصيا بل بان نظرته للشيء تختلف عني, فمن ينظر الى الكوب  من فوق يراه بشكل "دائرة" ومن ينظر اليه من الجانب يراه "مستطيلا", فالشكل الذي يراه كل واحد منا متعلّق بزاوية الرؤيه ووضوحها. تقول الحكاية الفولكلوريه عن فتاة في مقتبل العمر روت لابيها بانها عندما قامت بزيارة خالاتها فاضحكنها وعندما ذهبت لزيارة عمّاتها فابكينها, وساءلت اباها "اي مجلسٍ منهما اختار؟" فقال ابوها على الفور العبارة الشهيرة  "أمرُ مُبكياتك ..لا أمرَ مُضحكاتك". ويقصد بها الاب ان التواجد بحضرة من يوجهون لنا اللوم والانتقاد والارشاد يفيدنا اكثر من التواجد بحضرة من يضحكوننا ويرفّهوننا ويُكيلون لنا المديح.

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية