موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

"تصدير المسؤوليات"

 مقال د. رفيق حــــاج -

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

لا يوجُد نجاحٌ بدون أخذِ مسؤولية تامة على الاحداثِ التي تُصادفنا ومن ثَمَّ تعلُّم العبرِ منها. الخطوةُ  الاولى في طريقنا الى النجاحِ هي التوقّف عن اتهام الآخرين بما يحدثُ لنا في هذه الحياة فهذه العقلية فاشلة. لو سقطنا في امتحان السواقة لن نعزو ذلك لكراهية الممتحن للعرب, وان فشلنا بمشروعنا الاقتصادي فهذا ليس بسبب ظهور منافس لنا, وان حجزت البلديةُ على حسابنا في البنك هذا لا ينبع من تنكيل الرئيس الذي لم نؤيده بنا.

في مجتمعات تسود بها عقلية صراع البقاء وسياسة التمييز وثقافة الفقر هنالك احتمال كبير لحصول تآكل في قيمة "المسؤولية الذاتية" حيث لا وقت لدينا لمحاسبة الذات والتفكير بما قمنا بفعله, وإن حصل وتوقفنا للحظة من اجل تحليل "المآسي" التي حلّت بنا فإن اول ما يتبادر الى اذهاننا هو اتهام الأخرين. كلنا نسمع مقولة "المعلم سقّطني بالرياضيات" المرفقة بمسبة من العيار الثقيل, أو مقولة مثل "قطعني القطار", وكأن القطار متآمر علينا, او مقولة على شاكلة " عمل لي مخالفة طلعت من نافوخي.." وكأن صاحبنا لم يقُد السيارة بسرعة كادت تكسر حاجز الصوت. إن من يسمع تلك مقولات صاحبنا يصل الى نتيجة واحدة ووحيدة وهي ان المعلم والقطار وشرطي المرور عاقدون العزم على افشاله  والتنكيل به, أما هو فمواطن مسالم خالٍ من اية عيوب.

هذه الظاهرة تُسمى ظاهرة "تصدير المسؤوليات" والمقصود بها تبرئة ساحتنا واتهام الآخرين. هنالك ايضا من لا يكتفي باتهام الآخرين كأبيه واخيه وجاره واستاذه وعابر الطريق, وانما يتهم ايضا الحظ وسوء الطالع وحالة الطقس واختناقات السير والعادات والتقاليد وحالة الحرب والركود الاقتصادي, وكلما "ارتقت" وعُمُّمت الاسباب التي يعزو اليها صاحبنا اسباب فشله قُل انه غارق حتى اذنيه في الخطأ وهو بعيد كل البعد عن تعلّم العبر. يقول الباحث الدكتور "أمل جمال" بأن هذه الظاهرة تنمو وتترعرع في مجتمعات يكون بها للجماعة دورا اكبر في اتخاذ القرار من الفرد. في مجتمعات كهذه, ومجتمعنا العربي واحد منها,  يطغى الفكر الجماعي على الفكر الفرداني, وهذا يؤدي بالفرد الى اعتبار أي مشكله تحصل له هي مشكلة "الجماعة" والبيئة وانه لا يستطيع ان يحلّها بنفسه. الجماعة قد تكون العائلة او العشيرة  او الطائفة او أهل البلد او التيار السياسي وغيرها.

ما لا يدركه "مُصدّرو المسؤوليات" ان تبرئة ذمتهم والقاء المسؤولية على الآخرين هو بمثابة عملية هروب من الواقع ودفن الرؤوس بالرمال, وأن هروبهم هذا لن يسعفهم بحلّ أزماتهم وجرحهم سيظل داميا, بل سيزداد حالهم سوءا اذا كان ذلك على المستوى الفردي او الجماعي. على ما يبدو أن أخذ المسؤولية على عاتقنا ليس بالأمر السهل وخاصة اذا كانت هنالك امكانية للتنصل منها دون ان نُصاب بأذى أو دون نُلام بشيء. ان جلب المسؤولية الى ساحتنا قد يُحمّلنا اعباءً لا نقوى على حملها ويجبرنا على دفع أثمان نحن غير مستعدين لها. وترانا نقول لأنفسنا اذا كان هنالك مجال للتملّص فلماذا لا نتملّص؟ المشكلة بهذا النهج هو أننا لا نتعلم درسا من الأخطاء التي نرتكبها, ولو قام كل واحد منا بـ "القاء المسؤولية" على غيره لوصلنا الى مجتمع متفكك لامبالي, وهذه بداية التدهور.

لا يوجد نجاح بدون أخذ مسؤولية تامة على الاحداث التي تصادفنا وتعلّم العبر منها. الخطوة  الاولى في طريقنا الى النجاح هي التوقّف عن اتهام الأخرين بما يحدث لنا في هذه الحياة لأن هذه العقلية لا تؤول بنا للنجاح بل للقبوع في مكاننا. عندما يقع "الخطأ" علينا ان نراجع انفسنا ونسأل "لماذا حصل ما حصل؟" وهل كان بإمكاننا ان نمنع ذلك؟ هل كانت آذاننا صاغية واعيننا مفتوحة ام اننا غفلنا واهملنا وتغاضينا وأجّلنا؟ عندما نحاسب انفسنا ونصل حتما الى نتيجة اننا المسؤولون المباشرون عن حياتنا, وبعد ان نتخلّص من "عقلية الضحية",  نبدأ بعملية البناء الذاتي والسيطرة على مصيرنا. كلنا نتفق على أن جمع واحد زائد واحد يعطينا ناتج اثنين, وإن اردنا ان نغيّر الناتج الى الأفضل علينا ان نضيف للواحد عددا أكبر. عندما نقول بأن واحد زائد واحد يساوي اثنين ونكتفي بهذه المقولة فإننا نرضخ للنتيجة وللوضع القائم, وعندما نتعلم العبر ونحسّن ظروفنا ونضيفها الى طرف المعادلة فسنحصل على نتيجة افضل.

من أجل الحصول على نتيجة أفضل علينا ان نمنح تفسيراً آخر للحدث الذي نحن بصدده وأن نتفاعل معه بصورة مختلفة. عندما نعاود تبني هذه الطريقة مرة تلو الاخرى نجد ان كثير من الامور الحياتية التي تحدث لنا متعلقة بنا. لقد فشل مشروعنا الاقتصادي ليس بسبب ظهور منافس قوي وانما بسبب عدم قيامنا بإجراء حساب جدوى اقتصادية كاللازم, ولقد سقطنا في امتحان السواقة ليس بسبب كراهية الممتحن للعرب وإنما لأننا غير مستعدين لذلك, ولقد طُرد ابننا من المدرسة التي يتعلّم بها ليس بسبب رفاق السوء وانما لأننا لم نحرص على مراقبة تصرفاته وتحصيلاته ولم نهتم بالتحذيرات التي وصلتنا من معلميه, وقد قامت البلدية بالحجز على حسابنا في البنك ليس بسبب عدم تصويتنا للرئيس الحالي وانما لأننا لم ندفع الضريبة المستحقة علينا, وقد وصلنا الى هذا العمر المتقدم بدون زواج ليس لأن "شباب اليوم تافهين" وانما بسبب هدرنا الوقت مع اناس غير مناسبين. عندما نعزو تلك الأسباب لنا نبدأ بحلّ مشاكلنا والخروج من مآزقنا ونخطو خطوة اولى نحو النجاح.

ترانا نصرف الاموال الطائلة على اولادنا – على مأكلهم وملبسهم والعابهم ودوراتهم الترفيهية ورحلاتهم, وبعضنا ينسى ان نزرع بهم قيمة "المسؤولية الذاتية" ومفادها "انا مسؤول عن اعمالي وعن النتائج التي وصلت اليها". الرحلة تبدأ في البيت ومن ثم في المدرسة ولكل رب عائلة ومدرّس ومدير ومفتش دور في تنشئة اجيال على هذه القيمة. قال المثل العربي من جد وجد ومن زرع حصد. لو كل واحد منا يأخذ مسؤولية على ذاته ولا "يصدّرها" لغيره لكان لنا مجتمع فاضل وناجح.

 

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية