موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

المفهوم الجديد للقيادة

 مقال د. رفيق حاج - المفهوم الجديد للقيادة

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

القيادة ليست كاريزما او خصائص اخرى يتحلّى بها القائد. لو كانت القيادية مرتبطة بالخصائص لما كان يفقد القادة شعبيتهم وسطوتهم في مراحل معينة من حياتهم. المفهومُ الجديدُ للقيادة يختزلُ الهالةَ "البطولية" المُحيطة بالقائدِ ويتيح الفرصة امام كل انسان أن يكونَ قائداً بغّض النظرِ عن مرتبتهِ او عددِ مؤيديهِ. كل انسان يحملُ حلماً متجددا يستندُ على قيمٍ عليا تخدمُ مصلحة المجتمع او مكان العمل ويسعى جادا الى تحقيقه بطرق مشروعة وينجح في ذلك كليا او  جزئياً هو قائد

تعريف القيادة هو عملية معقدة جدا.  هنالك اكثر من خمسين تعريفا لموضوع القيادة وهنالك ايضا مدارس ونظريات مختلفة تعرّف مصطلح "القيادة" . لن اقوم هنا بطرح كل تلك النظريات والنماذج نظرا لضيق المساحة المتاحة من قبل المحرر ورأفة بوقت القارئ, لكني سأحاول تفنيد بعض المعتقدات والمسلَّمات في هذا المضمار من أجل لفت نظر القارئ الى التحولات الاجتماعية والسياسية التي أثّرت على مفهوم القيادة في العالم والتي توجبنا التوقف هنيهةً واعادة النظر في الموضوع.   هنالك من يعتقد ان خاصة "القيادية" تولد مع الانسان, لذلك فلا مجال لتعليمها او لتدريبها, وهنالك من يعتقد اننا لا نستطيع تعليم القيادة لكننا نستطيع تعلّم القيادة. يُشير النموذج التقليدي للقيادة الى ان القائد هو شخص يحمل خصائص معينة واهمها هي خاصة "الكاريزما" أي القدرة على كسب محبة وتأييد الجماهير وتجنيد ذلك من أجل تحقيق اهدافه. الخاصّةُ الثانية والتي تُعتبرُ امتدادا للخاصة الاولى هي قوة الشخصية  والقدرة على الاقناع, والخاصة الثالثة هي الشجاعة ورباطة الجأش, والرابعة المهارة الخطابية والوقوف أمام الجماهير في الساحات والميادين. السؤال الذي يطرح نفسه لو كانت القيادية مرتبطة بالخصائص لماذا يفقد القادة شعبيتهم وسطوتهم في مراحل معينة من حياتهم؟

طبعا هنالك العديد من الصفات التي لا حصر لها والتي اعتدنا ان نعتبرها صفات لا غنى عنها من صفات القائد كالتجربة الحياتية, والقدرة على تحمل المسؤولية , والتضحية والإصرار والابداع والتفاوض, لكن لو اجتمعت كل تلك المزايا في شخص واحد واضفنا اليها عشرات من المزايا الاخرى لن نستطيع ان نضمن  أن "قائدنا" يجلب النفع والخير لجمهوره او شعبه او بلده او حارته لأن الاهم من كل تلك الخصائص جمعاء هو الاهداف التي يسمو لتحقيقها, ومن ثم القيم التي يحملها والاساليب التي يستعملها. التاريخ مليء بقصص لقادة حملوا اغلبية تلك المزايا لكنهم قادوا شعوبهم للهلاك,  وهنالك من القادة ممن اكتفوا بالكلام والخطابات ولم ينجزوا أي اعمال تُذكر. هل نستطيع ان نسمي مثل هؤلاء قادة حقيقيين؟ هل نستطيع ان نعتبر زعيم المافيا العالمي قائدا مهما علت سطوته وعظمت انجازاته ؟ وهل نعتبر من يقود مجموعة "ثوار" لاقتحام بيوت الاغنياء وتوزيع غلة السرقة على الفقراء قائدا؟ بالطبع لا- لأن القائد الحقيقي "مجبولٌ" من رأسه حتى قدمية بالقيم التي تنعكس على الأهداف ووسائل التنفيذ التي يختارها.

المفهوم الجديد للقائد هو الانسان الذي يحمل رؤيا مبنية على قيم انسانية رفيعة المستوى يلتزم بها ويسعى الى دمجها في اهدافه ووسائل عمله. القائد الحقيقي يُقاس بما قام بتحصيله من اجل الخير والمنفعة للآخرين وليس بمساحة رقعة مؤيديه او قدراته الخطابية والكتابية او نواياه الحسنة او مخططاته الكبيرة. من المهم ان تنتهي مساعي القائد الطيبة بالإنجازات الفعلية, وإلا فليُخلِ الطريق امام الآخرين. المفهوم الجديد للقيادة يختزل الهالة التي تكتنف عادة من نعزو اليهم صفة القيادية الى درجة تجعل كل انسان منا قادر ان يكون قائدا بغض النظر عن مرتبته او عدد مؤيديه. كل انسان يحمل حلما متجددا يستند على قيم عليا تخدم مصلحة المجتمع او مكان العمل ويسعى جادا الى تحقيقه بطرق مشروعة وينجح في تحقيقه كليا او  جزئياً هو قائد. على القائد ان يحمل حلما وبدونه لا توجد قيادة. المقصود بالحلم هو رؤيا مستقبلية لتحسين الحال التي يحيا بها, وهو لا يرضى بأن يكون الواقع الذي يعيشه "غير قابل للتحسين" مهما كان جيدا. المقومة الثانية حلمهُ يعتمد على "قيم" مُثلى كإحقاق العدل والمساوة وتقبل الأخر وكرامة الانسان وحرية التعبير وغيرها التي قد تختلف من انسان لإنسان ومن مجتمع الى مجتمع. المقومة الثالثة هو "التزام" القائد بالقيم التي يؤمن بها وسعيه من اجل تحقيقها. بعبارة أخرى الحلم والقيم لا تساوي شيئا وتظل في المرحلة النظرية والتصريحية اذا لم تترجم الى اعمال عينية على ارض الواقع. التزامنا طبعا بالقيم ينعكس على اختيارنا للأهداف ووسائل التنفيذ ولا يتيح لنا ان نقوم بأعمال غير مشروعة تحت غطاء الالتزام بالقيم. اذا التزمنا بالمفهوم الجديد فكل خصلة اضافية من الخصال المعروفة عن القائد التقليدي من شأنها ان تُعظّم من فرصنا بالنجاح.

المفهوم الجديد للقيادة يجعل كل مدير قسم ورئيس جمعية ومدير مدرسة ونشيط اجتماعي ورئيس سلطة محلية ورئيس نقابة صاحب فرصة ان يكون قائدا. هذا المفهوم المُصغّر والمبسّط لم يأتِ من فراغ وانما من تغيّرات اجتماعية واقتصادية وسياسية وتكنولوجية جذرية في العالم. اهمها هو تغليب الفردية على الجماعية, وفشل المنظومات الاشتراكية التقليدية, وهيمنة وسائل الاعلام الفضائية وشبكة الانترنت, وسقوط الدكتاتوريات وانتشار الحريات التي جعلت كل فرد يطالب بإنجازات ملموسة ومنافع مباشرة من قادته, وبات لا يكتفي بالشعارات والوعود الرنانة.

يا لها من فرصة نهمس بها لعربنا في هذه الديار بألا ينتظروا قائدا بمواصفات عمر بن الخطاب او صلاح الدين او جمال عبد الناصر فمثل هؤلاء صلحوا في الحقبات الزمنية التي عاشوا بها ومثل هؤلاء يولدون مرة كل مائة عام, لكن أزماتنا ومشاكلنا واحتياجاتنا لا تحتمل الانتظار, وحتى لو اخترنا الانتظار من سيضمن لنا تحقيقها. ليقُم كل واحد منا بنصب حلم يستند على قيم يؤمن بها وان يفعل كل ما في وسعه من اجل تحقيقه من خلال وظيفته او مهنته او تنظيمه. لو انضم الينا الكثيرون وحلمنا معا فحتما سنصل الى انجازات كبيرة ونرتقي في سلم التطور. هذا يقودني الى التعريف الجديد للشعب الذي يدعي ان الشعب ليس مجموعة  افراد تتكلم نفس اللغة وتحمل نفس الخصائص وتمارس نفس العادات والتقاليد وانما من تحمل حلما مشتركا. مادة للتفكير!!!

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية