موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

الاحترام له مُشتقات..

 مقال د. رفيق حاج - الاحترام له مُشتقات..

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

احترامُ الآخر هو قيمةٌ هامةٌ لكن علينا ان نكون حذرين كيف نقوم بتطبيقها, وأن نسألَ انفُسنا من هم الجديرين فعلاً  باحترامِنا. "الاحترامُ المعيشي" الذي يعتمد على التحصيل والانجازات والكفاءات أهم من "الاحترام الفخري" الذي تحدده مرتبة الشخص او حسبه ونسبه.

كم نثور ونغضب اذا قام احدُهم بالمسّ باحترامنا او بكرامتنا ونعتبر ذلك مساسا بأقدس المقدسات وخاصة اذا كان ابن جلدتنا, ولقد بات معروف لدى كل الشعوب ان العربي هو انان شديد الحساسية, وعليك ان تعطيه الاحترام الجدير به وإلا فلن تلقى منه أي تعاون وسيدير لك ظهره وبأسوأ الحالات, وان احترمته وعظّمت من شأنه فتحصل منه على ما تريد. ان لهفة العربي وراء الاحترام لم تأتِ من فراغ, وهناك من يقول ان الاحترام هو المكنون الأخير الذي فَضِل له بعد ان بات مهزوما سياسياً ومأزوماً اقتصاديا "والاحترام" هو حصنه الأخير ولن يسمح لأحد بالتطاول عليه. ان اللهاث وراء فرض الاحترام جعل الانسان العربي يتبنى سلوكيات هدّامة تُعنى بالقشور وتنسى اللبّ والجوهر. للاحترام انواع ومركبات لا تصب كلها في مصلحة الفرد والمجتمع ولو تعرفنا عليها لن نقع في هذا المطب.      

الاحترام الذي تبناه الانسان العربي هو "الاحترام الفخري" (honor) النابع من المرتبة التي نُشغلها والتي قد يزول بزوالها. هذا النوع من الاحترام يعتمد على ترتيب الناس حسب "الافضل" و "الأقوى" و "الأجمل". كل ذلك  من خلال مبنى هرمي يضم عدد ثابت من الاشخاص في اسفله ووسطه وقمته, بما مفهومه ان من يريد ان يعتلي درجةً عليه ان يُنزل احدا من الدرجة التي فوقه, لأن عدد "المقاعد" محدود ويجلس به آخرون. هذا طبعا يتطلب منه القيام بجهد في مسارين الأول منافسة الآخرين والسعي من اجل امتلاك اكبر وافخم واجمل مما يملكون والمسار الثاني هو الايقاع بهم وبث الدعايات المغرّضة بأنهم لا يليقون بالمنصب الذي يشغلونه  كأن يتهمهم بالفساد او العمالة او يشي بهم لضريبة الدخل او ان يرسل شكوى غير موقعة لمراقب الدولة لتلطيخ سمعتهم.  في المجتمعات التي يستند بها الاحترام على اساس التفاخر لا توجد اسلحة محظورة ولا اصول تعامل. كل الوسائل مُجازه حتى لو كانت غير محترمه. تسود ظاهرة الاحترام "الفخري" في مجتمعات تسود بها ثقافة الفقر التي تعاني من تدن بالدخل والثقافة كمجتمعنا العربي في هذه البلاد, وتتأزم في مجتمعات تعيش حالة صراع البقاء كالسجون والعالم السفلي. الاحترام "الفخري" لا يخص الافراد والجماعات فقط وانما ايضا الدول والقارات فهنالك الكثير من الحروب الدامية التي نشبت بين الدول والشعوب من جراء سعيها الاعمى وراء الاحترام "الفخري".

هنالك ايضا الاحترام "الاحترام المعيشي" (respect) النابع من ثقافتنا ومهنيتنا واعمالنا وانجازاتنا الذي لا يستطيع احد انتزاعه منا حتى لو فقدنا احترامنا "الفخري" او الوظيفة التي نُشغلها او حتى لو قمنا بعملٍ خارج عن الاجماع العام. عندما يُضبط طبيب او فنان او مدير مدرسة بعمل غير اخلاقي قد تُمسّ سمعته الاجتماعية لكن لا احد يستطيع ان ينتزع منه احترامه "المعيشي" الذي حصل عليه بجهده ومثابرته. عادة تغفر المجتمعات لمثل هؤلاء حين يقوموا بالاعتذار علنا عما بدر منهم. المجتمعات التي تتبنى قيمة "الاحترام المعيشي" تحترم الفرد حسب أعماله وكفاءاته وانجازاته ولذلك هنالك فرصة للجميع ان يحظوا بالاحترام من قبل الأخرين ولا توجد مزاحمة بينهم ولا حاجة ان يكونوا اصحاب ممتلكات او منتسبين لعائلات عريقة او كبيره. الاحترام "المعيشي" يذكرني بقصيدة ابن الوردي التي يقول بها:

لا تقُل أصلي وفصــــلي أبدا               إنما أصلُ الفتى ما قد حَصـــلْ

خُذ بنصلِ السيفِ واترك غِمدَهُ        واعتبر فضلَ الفتى دونَ الحللْ

لقد كنت على ثقة تامّة ان الاحترام هو قيمة عامة ينبغي مراعاتها وهي لا تتعلق بالزمان ولا بالمكان ولا بالشعوب والحضارات. المفروض منا ان نحترم والدينا ومدرسينا وأخانا الكبير وكبيري السن فينا وان نحترم مشغّلينا  ومن لا يقوم بذلك فأقل ما يمكن نعته بالوقاحة او العصيان. اذا كان هذا صحيحا, هل يُعقل ان نستمر باحترام والدٍ يعتدي جنسياً على بناته الصغار او كبير سن يعمل لحساب السلطة او مشغّل يتحرّش بموظفاته؟ مع ان اول ما يتبادر الى أذهاننا هو الاجابة بالنفي على هذا السؤال, إلا انه بعد ان نتعرف على انواع الاحترام نجد ان المجتمعات العصرية اتاحت حتى لمثل هؤلاء احتراما اوليا, فلا يجوز تعذيبهم ولا اهانتهم ولا تجويعهم ولا منع الدواء عنهم. هذا النوع من الاحترام يسمى "الاحترام النوعي" او ما يسمى "كرامة الانسان" (human dignity) وهو الاحترام الاولي والادنى للإنسان الذي اتفقت عليه اغلبية الدول بعد ان عانت الأمرين من الدماء التي سفكت في العالم أبان الحرب العالمية الاولى والثانية حيث ديست بها كرامة الانسان وزهقت ارواح الاطفال والابرياء ونُكّل بالأسرى والجثث. يستحق كل انسان في هذا الكون الاحترام النوعي منذ ولادته حتى لو كان سجينا او أسيرا او عدوا او مجرما او منحرفا.

هنالك الاحترام الأخير وهو الذي يتعلق بتصرفات نساء القبيلة الذي يُسمى "الشرف". في بعض المجتمعات, والمجتمع العربي واحد منها, يصل شرف الرجل الى الحضيض لو قامت زوجته بخيانته ولن يعتب عليه أحد لو قام بقتلها, أما لو قام "رجلنا"  بخيانة زوجته فبعضنا يلومه وآخر يعتبره فحلاً وقليلون منّا يرون بذلك جُرمًا بحق الزوجة. يُعتبر الشرف من أهم انواع ومشتقات الاحترام التي ذكرناها ولا يستطيع من افتقده ان يسترجعه.

ان وراء عرضي لمركبات ومشتقات وانواع الاحترام يوجد هدف واضح وهو عدم خلط الحابل بالنابل. ان احترام الآخر هو قيمة هامة في المجتمع لكن يجب ان نكون حذرين كيف نطبقه ومن هم الجديرون فعلا  باحترامنا. الاحترام "المعيشي" هو الاحترام الأهم, وهو أهم من الاحترام "الفخري" الذي يزول بزوال المرتبة, والاحترام "النوعي" هو الاحترام الأولي والاساسي الذي يستحقه كل انسان حتى اعدائنا اما بالنسبة لـ"الشرف" فقد  آن الأوان للتخفيف من حدته والكف عن تقديم المرأة قربانا على مذبحه.

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية