موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

وان أفلس البعض .. نحن لم نفلس

 مقال أ . منذر المحتسب - وان أفلس البعض .. نحن  لم  نفلس

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

 هنا باقون وفي عمق الأرض راسخون ،  ونحن هنا صامدون بكل شموخ متشبثين بأرضنا ورملنا أرض الأجداد ،إن هذه الكلمات هي المبادئ العامة التي أرى أن القارئ  بحاجة لسماعها ومشاهدتها وقراءتها على ألسنة صناع القرار وفي قوافي الشعر في خطابات القيادات تماما كما هو  الأمر في صيحات الأسرى والجرحى وأبناء الشهداء .

إن المرحلة الراهنة لها متطلبات وتحديات تحتاج منا الصمود ولو بأقل القليل  لأننا نملك إرادة  تلاشت أمامها مخططات ومؤامرات مختلفة ، ولذلك فإن الصمود والرباط يتطلب من الجميع البقاء على ذات النفس والحرص على ان كل منا يجب أن يكمل الآخر ، وعلى ذلك كنا وسنبقى الى الأبد  رغم الحرب المستعرة علينا ، عندما يكتمل الحلم ويتحول الى حقيقة ، فنحن من سعى الى الوطن بالزحف حتى أروقة الأمم المتحدة رغم عدم إنصاف العالم لنا ، وبذات الأمل حصلنا على هذا الفتات من هذه الهيئة الدولية التي كان  بإمكانها منحنا المزيد ، وإذ قمنا  ببناء السلطة الوطنية ومؤسساتها فإن ذلك جرى لنسير بها الى  مشروع الدولة وليس الوقوف عند الخط الذي أراد الاحتلال الاسرائيلي ربطنا به والبقاء دونه حتى نكون أداة طيعة في مشاريعه السياسية والاقتصادية التي بها نكون بها فقط مستهلكين لمنتوجه ، وحقل تجارب له ولمشاريعه  الهدامة  .

أكتب ذلك مدركاً ان هناك من يدير ظهره لمثل هذه  الكلمات ويعتبرها شعارات بالية من زمن غابر ، وأن هناك من أمسى لا يأبه بالوطن أو بوجعه ، وقد يكون صحيحا أن بعضا سيتخذ هذا الموقف، ولكنه ليس أساس وموقفه ليس قدراً على شعب بأكمله قدم التضحيات ولا زال ، ولا بد من الوقوف على ما يتم في بلدنا وتقييمه حتى لا يتحول أمر خطر الى نتيجة مدمرة ، وبالتالي تعزيز الايجابي إن كان ايجابيا ، ولجم السلبي ان كان سلبيا ، صلب الحديث هنا هو عن أخطر ظاهرة تواجه مجتمعنا الفلسطيني وهي الهجرة التي تشكل خطرا استراتيجيا ومصيريا على كل  تفاصيل قضيتنا الوطنية الفلسطينية .

وهي الفكرة التي أصبحت تشكل هاجساً للكثيرين وخصوصا فئة الشباب، والهجرة لا يمكن التدخل فيها بقدر ما يمكن تصويبها وتحديد معالمها وأخطارها وبالأخص في واقعنا الفلسطيني المليء بالثغرات والهموم والأعباء التي سببها الاحتلال ، وهي الأمر الذي يستلزم تحديد موقف وطني منها وان تطلب الأمر تحريمها لحساسية ذلك على أوضاعنا  ، باعتبار أن الهجرة من الوطن تشكل هدفا مركزياً  للاحتلال ومن يدعمه  .

وفي خضم جاء إبراز  ظاهرة الهجرة  خارج الوطن في إحدى الوكالات التلفزيونية المحلية بعرض فيلم يتحدث عن حياة حرية وكرامة لمن يهاجر ويعيش في الولايات المتحدة من بعض الفلسطينيين  ، حيث أتى ذلك في سياق غامض ولكن يتمكن من يريد أن يفسره حسب رغبته ، والذي يحلم بحياة  كريمة ولو في  الغربة يعتبر ذلك الفيلم ايجابيا ومشجعا، وهو  أمرٌ معاكسٌ لطموحاتنا وتطلعاتنا وان كان يخدم مصلحة شخص بعينه  ، لماذا  هو معاكس وخطر ؟

لان رغبة التغرب أصبحت دارجة في هذه الظروف الصعبة  وهي تتحرك في نفوس بريئة مقهورة وتعاني ما تعانيه من ضيق  ، ولن تتوانى عن الهجرة ان فُتح بابها على مصراعيه أمامها وستدير وجهها نحو الغربة غير متطلعة الى البلد وما يدور فيها  .

 ولا يمكن تفسير عرض هذا الفيلم إلا بأن الهجرة فكرة  معقولة لمن تتشابه ظروفه مع ظروف الأشخاص الذين وردت مقابلاتهم في الفيلم  ، وما أكثر من تتشابه ظروفهم البائسة في الأرض المحتلة أو تزيد سوءاً مع شخوص الفيلم قبل مغادرتهم الى ارض الوطن ، وما أدقها جداً  المقاربة بين حال شخصيات الفلم وبين حال مئات الآلاف من الشباب الفلسطيني المنتظرين لفرصة عمل طائرة بين ركام البطالة على أبواب المؤسسات المختلفة سواءً الرسمية أو غير الرسمية.

وقد سيق أيضاً موضوع الهجرة  في أحدى اللقاءات الحوارية مع رئيس الوزراء الدكتور سلام فياض وجمهور من المشاركين من بينهم بعض الفلسطينيين الذين هاجروا وعادوا الى أرض الوطن ، ورغم أن اللقاء كان يعطي تدليلا على ان الوطن هو الحضن الدافئ ، لكنه في المقابل سوغ  تبريرا لفكرة الهجرة من هذا  الوطن الدافئ ، وهو الخطأ والخطر على المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني في هذا الوقت الذي يجب على الجميع مساندة المشروع الوطني وليس الالتفاف عليه بأفكار أخرى وتبث على فضائية فلسطين تلفزيون الوطن الذي نريده وطن حر لرجال من الأحرار ،  ويكفينا القول ان شعور جميع الفلسطينيين الذين هاجروا كان ولا يزال في غالبيته هو أن عزة الانسان تكون في بلده فقط  وليس في بلاد الغربة .

 

نعم أن الوضع الفلسطيني معقد ونعم أن هناك جيوش من الموظفين وغير الموظفين في حالة صعبة ، ولكن الم  تكن حالات الحصار تلك سيف مسلط  على رقابنا لفترات عدة من تاريخ مواجهتنا مع الاحتلال ، وهي كلها في سياق واحد وهو تركيع الفلسطيني  ليصبح ذليلاً ، في وقت أثبت صلابته أمام تلك المؤامرات التي تمثلها هذه الهجمة الاسرائيلية العنصرية في مواجهة طلب م.ت.ف حق الاعتراف بدولة مراقب في الأمم المتحدة وبعد نيلها له ، جوهر الموضوع إذن هو تركيع الشعب وجره الى الخنوع الذي يفقد معه وجوده واستقلاليته ،
إن ذلك ليس كلاماً إنشائياً  يتم لمجرد ان يقرأه القارئ ويخرج منه بعنفوان الحماسة دون ان يكون ملماً بجوانب موضوع  الصراع ، أو على ماذا تدور هذه المواجهة بين الشعب الفلسطيني الأعزل من جهة وبين الاحتلال من جهة أخرى .

من الممكن القول ان تسويق فكرة الهجرة من الوطن يعتبر من الخطأ القيام به واللجوء إليه رغم كل المبررات ، واعتبارها حل أمثل لحالة كثير من شبابنا الذي كان الله في عونهم أمام التحديات التي تواجههم ، وحتى وان كان جزء من هذه المبررات القول : ان بيتاً فيه عدة أفراد بعمر الشباب فما المانع من هجرة أحدهم ليدعم أهله ويساندهم اقتصاديا !

المانع هو ان حلا أمثل لهذه الفئة يجب أن تخرج به عقول المتنورين وصناع القرار والقطاع الخاص وغيرهم بعد اعتمادهم خطة تعمل في عكس التوجه للهجرة وتطبيقها بعد ان تعتمد من كافة الجهات المؤثرة في الساحة الفلسطينية ،  وللإجابة على السؤال  :  ما  هو الحل  ؟ 

الحل يكمن في أن تلك الحالة يجب أن تصنف في أعلى درجات الأهمية في الاستراتيجة الوطنية الفلسطينية ومن خطوطها الحمراء التي تستوجب حلاً  جذرياً للانقسام حتى تجتمع الأطراف لوضع حلول تؤدي الى محاصرة المشاكل التي يعاني منها الشباب الفلسطيني ، وبعد ذلك تتم جدولة اطر الحل وصيغ عملية للحل على كل المستويات ، ويحتاج ذلك صياغة فنية لخبراء اقتصاديين واجتماعيين وصناع قرار وشخصيات سياسية ودينية وعشائرية  لها اعتبارها في الوطن  ، ويحتاج الأمر الى كثير من الخطوات المتتابعة التي تتعدى فاعليتها حدود هذا المقال ، وذلك عبر إطلاق خطة طوارئ  تبدأ  بلقاءات للعمل واستنتاجات وخطط علاج ، واستثمار مادي واقتصادي من مستثمرين  فلسطينيين أو عرب أو غيرهم  وتسهيلات ضريبية حكومية مع  أي مشاريع او مبادرات من هذا القبيل حتى يأخذ الأمر حقه من الاهتمام ويرى النور وتحل مشكلة العاطلين عن العمل ولو بنسبة ما  ، المهم البدء .

 وقد ورد خبر ان الشاب الفلسطيني "عنان صلاح محمد عبد الله الشهيد" لقي مصرعه مغدوراً وذلك أثناء عملية سطو مسلح قامَ بها مسلحون أمريكيون مجهولون حيث يعمل في مدينة سانت لويس في الولايات المتحدة ،ولعلها فرصة جديرة لتدعيم فكرة أن هذا المهجر الذي يلجأ إليه الشبان الفلسطينيين كان ولا يزال موحشا وقاسيا عليهم ، أضف الى ذلك أن الولايات المتحدة تسودها فوضى السلاح ويشرع استخدامه ، وكذلك حادثة الهجوم بالسلاح على مدرسة في الولايات المتحدة حيث تكثر هناك حوادث السطو والقتل وغيره ، وحال الشاب المغترب في هذه الدوامة وهو الحلقة الأضعف ،لأنه وحيد ومقطوع في تلك البلاد الغريبة والتي لا تعطي لهذا المهاجر أكثر مما يعطيها بل أقل من ذلك  ، كما أن الذل الذي يكابده  أي شاب مهاجر نتيجة صرامة القوانين التي تفرض عليه تشكل هما آخر أكبر من الذي رسمه وتوقعه قبل سفره  .

مختصر الهرج هو أن الهجرة من الوطن لسبب البحث عن لقمة العيش الكريمة وان كان مشروعا وحقاً لكل إنسان فإنه يجب أن نتجنبه والنأي عنه بالتفكير ملياً في حجم وعواقب هذه الخطوة ، كما أن أبواب وسبل الرزق لا تنعدم في الوطن ، ولن يموت في بلادنا المقدسة من الجوع ، جلي القول أن تضافراً وتفعيلاً لعديد من الجهود مطلوب على كل المستويات لإيجاد بدائل عن الهجرة وعلى صعد فردية وجماعية لأجل تشجيع الجميع على البقاء في البلد  ،وهذا التشجيع يتطلب خطوات متعددة من المستثمرين الفلسطينيين في داخل الوطن وخارجه وهي تركيز أعمالهم في الوطن وتعزيز الصناعات الإنتاجية وليس فقط الاستثمارات في المجال الاستهلاكي ، كما أن خطط طوارئ يجب تبنيها من جميع صناع القرار بتقديم كل التسهيلات وتشجيع المشاريع الصغيرة ولو بالإعفاء الجزئي من الرسوم والضرائب ، علما ان تلك الضرائب والرسوم  يتم استيفاءها في أحوال طبيعية وليس في الأحوال المعاشة على الأرض الفلسطينية  والتي تشبه أحوال الحرب .

الأمر يتطلب الكثير من الخطوات التي تلجم مخططات الاحتلال الساعي الى تفريغ الأرض من مواطنيها ، ويجب على كل من يشجع على الهجرة اللجوء الى البحث عن البدائل الفلسطينية المتاحة  ، وهو الممكن والجائز بدلا من  الترويج للهجرة أو السفر لأي بلد عربي او غير عربي  للعمل والعودة ، لان الذين يسافرون لا يرجعون وان رجعوا فإنهم سيرجعون لبيع ما يملكون وهو ما حصل للأسف في بعض الحالات .

ليكن الوطن بوصلة التفكير لكل منا ولتكن المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا هي الحكم لمجمل سياساتنا وقراراتنا وتشريعاتنا  كدولة موحدة وكسلطة واحدة  وحكومة واحدة  وتنظيمات وأحزاب موحدة وتجمعات ولجان شعبية  ومنظمات مجتمع مدني منصهرة في البوتقة الوطنية ، وكل ذلك يتأتى بتنسيق الجهود والبرامج ودمجها في مسار بناء ينتج ويؤدي الى نتيجة ملموسة ، يمكن بها حل الكثير من المشاكل والمعضلات التي يمر بها شباننا الذين هم أغلى ما نملك .

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية