موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

أي مدير تريد أنت تكون؟

 مقال د. رفيق حاج - أي مدير تريد أنت تكون؟

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

اي نوع مدير تريد أن تكون؟ هذا خيار يعود اليك. هل تريد ان تكون مديرا "مستبدا" مرهوب الجانب يتدخل في كل صغيرة وكبيرة ويتعامل مع العاملين كأنهم ولدوا ليخدموه؟ أو ان تكون مديرا "ديمقراطياً" يستعمل القيم والمبادئ لحثّ العاملين على خدمة المؤسسة اختيارا لا طوعا؟

ان التفرد والاستبداد في ادارة المؤسسة أي ادارتها بشكل انفرادي من قبل شخص واحد او "شلة" واحده, هو أمر لا يصب في مصلحة المؤسسة ويؤدي حتما الى تقاعس الدافعية للعمل والى غياب قيمة الانتماء إليه,  ويقف حجر امام تحقيق اهداف المؤسسة. على رأي المفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي الذي رحل قبل مائة عام " أن الاستبداد لا يتوقف على الحكام والحكومات بل يلقى بظله بين أفراد المجتمع ككل، فكل منا مستبد بدرجة أو بأخرى", وهو يلمس استبدادا بتحكم النفس على العقل، وتحكم الأب والأستاذ والزوج، ورؤساء بعض الأديان، وبعض الشركات، وبعض الطبقات. باختصار, يقول الكواكبي ان الدكتاتورية ليست "نظام حكم" فحسب وانما نمط حياة وطريقة تفكير". مع احترامي الشديد للكواكبي "ونظريته" إلا انني لا اعتقد بأنه يُمكن الصاق "خصلة" من هذا القبيل لشعب كامل, بعبارة اخرى نحن لا نستطيع ان ندّعي بأن هذا الشعب "عنيف" وذاك "كريم" وآخر "ديمقراطي" وذاك "مستبد". هنالك ظروف بيئية واجتماعية واقتصادية وسياسية تمرّ بها الشعوب تجعلها تتصف بهذه الصفات لحقبة زمنية محددة فقط, ولا اية علاقة لذلك مع خصائصها العامة او موروثاتها او حامضها النووي (DNA). ان ما يجعلنا مُستبدين ودكتاتوريين في ادارة مؤسساتنا وأطرنا وجمعياتنا ومدارسنا ومستشفياتنا هو أمر جدير بالمناقشة, وحسب رأيي ينحدر من مصادر تربوية وسيكولوجية وتاريخية تعود الى تعطشنا الأزلي للسلطة الذي يجعلنا متشبثين بها وغير مستعدين للتفريط بمناعمها او بمشاطرتها مع الأخرين. كما ان لثقافة الفقر يوجد تأثير جدي على تشبّث المدير او الحاكم بصلاحياته وعدم "التفريط" بها وتراه ينظر الى المكانة التي حصل عليها او ورثها كأنها قلعة تذود عليه من "الطامعين" أو كأنها بوليصة تأمين تحميه تقلبات الزمن ونائباته.

الطرق التي يستعملها المُدير المتسلط المرهوب الجانب وذو الباع الطويلة  للحفاظ على مكانته وديمومته لا تختلف كثيرا عن الطرق التي يستعملها الحاكم المستبد في السيطرة على رعاياه, فأولا, إثناهما بحاجة الى "جهاز مخابرات" صغير او كبير حسب الحاجة والذي يتألف من اناس موالين وضعفاء النفوس الذين ينقلون له بشكل منظم الأخبار عن تحركات العاملين او المواطنين المتمردين. الحاكم او المُدير المستبد لا يهمه مصلحة "مملكته" بقدر ما يهمه ان يقرّ الجميع بأنه الآمر الناهي, وان لا قشة تتحرّك من مكانها دون علمه, ولهذا فهو يحبّذ اختيار العاملين المحتاجين له عديمي الثقة بالنفس على العاملين الآخرين حتى لو كان الآخرون اعلى كفاءة واكثر ملاءمة للوظيفة. 

هنالك اعتقاد خاطئ بأن المدير الناجح هو المدير القوي الذي يفرض سلطته على الآخرين والذي يهابه عامليه ولا يرفضون له طلباً, وهنالك من يحسب ان المدير الناجح هو ذلك الذي يعرف عن كل صغيرة وكبيرة بالمؤسسة والذي له مقولة تُقال في كل قضية وكل اشكالية تخصها. ما يدعو هؤلاء بتكوين هذه الفكرة عن المدير الناجح هو نجاح "مديرنا" في ضبط سير العمل وفي رفع مستوى انتاجيته, وكأن كل شيء محلل من أجل هذين الهدفين. كلنا ندرك ان السعي وراء تحقيق هذين الهدفين لا يمنح الشرعية لممارسة الضغط النفسي والجسدي على العاملين وقد يأتي على حسب اجواء العمل والشعور بالانتماء الى المؤسسة.

إن احراز الدافعية في مكان العمل لا يأتي عن طريق مراقبة وملاحقة العاملين ونصب الكاميرات التي تتابع تحركاتهم وتوثق اوقات دخولهم ومغادرتهم ومدى انهماكهم في العمل. الدافعية الى العمل تأتي من عدة اتجاهات, أهمها هو احترام العامل/الموظف واعطاؤه حقه من ناحية الأجر ومن ناحية الثناء على كل انجاز مميز يقوم به, والاتجاه الثاني, الأقل شيوعا, هو ان يكون المدير قدوة لعامليه وان يغرس بهم قيم العمل والعطاء والانتماء الى المؤسسة. طريقة الملاحقة والضغط النفسي على العامل ليزيد من انتاجيته او لتنفيذ المهام الملقاة عليه قد تؤثر على بعض الناس لوقت محدد لكنها لا تستطيع ان تجلب ثمارا على المدى البعيد, واحدى العلامات لاستعمال هذه الطريقة في المؤسسة هو الاستبدال المتواصل الذي يحصل في طواقم العمل, ولو زرت المؤسسة بعد مرور سنة او سنتين لتجد بأن أغلبية العاملين الذين كنت تعرفهم قد غادروها.

المدير المطلوب هو مدير يتحلى بالأخلاق الحميدة  وبرحابة الصدر ويشغل مصدر الهام وبؤرة مشعة للتفاؤل والقيم الانسانية والاجتماعية يتعامل بها مع مستخدميه, وقلما تجده عابسا مقطب الجبين كالمدير المستبد لأنه يؤمن بأن التعامل مع القيم هو الطريقة الأنجع لإدارة المؤسسة ولتحقيق الأهداف, وان كانت له ملاحظة انتقادية على عمل قمت به فهو يفعل ذلك  بحرص وتؤدة ومهنية بالغة, وتشعر من بعدها أن غرضه من وراء  تصحيح الخطأ هو صالحك اولا ومن ثم صالح المؤسسة التي تعمل بها. كما قلنا سابقا لابد للمدير الناجح إلا أن يكون متسامحا ومتعاليا عن الأخطاء والزلات، وإن قام بذلك فلا بد ان يملك قلوب مستخدميه لأن الإنسان أسير الإحسان. أما إذا استعمل العنف وظلم الآخرين فسيفشل في ادارة مؤسسته وفي تحقيق اهدافها المرجوة.

اي نوع مدير تريد أن تكون فهذا خيار يعود اليك. هل تريد ان تكون مديرا "مستبدا" مرهوب الجانب يتدخل في كل صغيرة وكبيرة ويتعامل مع العاملين كأنهم ولدوا ليخدموه؟ أو ان تكون مديرا "ديمقراطياً" يستعمل القيم والمبادئ لحثّ العاملين على خدمة المؤسسة اختيارا لا طوعا؟

 

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية