موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

التوظيف السياسي للملف النووي الإيراني

 مقال د.إبراهيم أبراش - التوظيف السياسي للملف النووي الإيراني

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

في الوقت الذي تتعثر فيه عملية السلام في الشرق الأوسط وتنهمك فيه كافة الأطراف – عدا إسرائيل – في البحث عن مخارج لأزمة وقف المفاوضات خوفا من تداعيات ذلك على السلام العالمي،وفي الوقت الذي تنشغل فيه دول المنطقة والعالم بأسره بالثورات العربية وتداعياتها على مستقبل المنطقة ،في هذا الوقت تتفرد إسرائيل في الحديث عن الحرب واحتمالاتها مُعلية من شأن الخطر الذي تشكله إيران ومهددة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بأنها ستضرب إيران تحت ذريعة أن إيران باتت تشكل خطرا على إسرائيل وعلى المنطقة،وما يشجع إسرائيل على هذا النهج التصريحات الأمريكية والأوروبية المتكررة عن الخطر الذي يمثله الملف النووي الإيراني على المنطقة وعلى السلام العالمي، بل تمكنت واشنطن من جر منظمة الأمم المتحدة و المنظمة العالمية للطاقة النووية لاتخاذ قرارات متدرجة ضد إيران سواء على شكل عقوبات تحت عنوان المقاطعة أو تصريحات تحرض العالم على إيران.هذه  المواقف الأمريكية والأوروبية تدفع إسرائيل لاتخاذ خطوات عملية كالحصول على أسلحة وأجهزة تكنولوجية متطورة لحماية نفسها كما تقول أو استنفار جيشها على جبهتي جنوب لبنان وغزة من منطلق أن القوى المسيطرة في هاتين المنطقتين حلفاء لإيران.

والسؤال:هل فعلا أن الملف النووي الإيراني يشكل خطرا قائما على إسرائيل والعالم؟أم هناك توظيف لهذا الملف لخدمة أغراض أخرى لا علاقة مباشرة لها لا بأمن إسرائيل ولا بالسلام العالمي؟.

بداية لا بد من التأكيد بأن إيران ما زالت في مرحلة تخصيب اليورانيوم في حدود الاستعمالات السلمية وهو ما لا يتعارض مع القانون الدولي والاتفاقات الدولية،وحتى الدول الغربية وخبراء منظمة الطاقة النووية يعترفون بهذا الأمر وبأن إيران لم تصل في تخصيبها لليورانيوم لدرجة تمكنها من إنتاج قنابل نووية.حتى مع افتراض امتلاكها للسلاح النووي فلا يعني هذا إنها ستستعمله في مواجهة دولة أخر.،ومنذ اختراع هذا السلاح منتصف القرن الماضي لم يحدث لدولة نووية أن استعملته في حرب مع دولة أخرى،باستثناء واشنطن التي ضربت مدينتي هيروشيما وناجازاكي بقنبلتين نوويتين دون ضرورة حربية لذلك حيث كانت الحرب قد حسمت تقريبا وأعلنت اليابان استسلامها قبل إلقاء القنبلتين. كما أنه في المنطقة عدة دول تملك هذا السلاح- إسرائيل،الهند،باكستان- ولم تستعمل هذا السلاح .فالسلاح النووي سلاح ردعي بالدرجة الأولى .

مع افتراض امتلاك إيران لسلاح نووي فلا نعتقد أنها ستقامر بوجودها باستعماله ضد إسرائيل أو أية مصالح غربية لأنها تدرك أن لدى أعدائها- إسرائيل والغرب- من السلاح النووي ما يمكنهم من إبادة إيران.وأقصى ما يمكن أن تسعى إليه إيران في حالة امتلاكها هذا السلاح تأمين وجودها ومصالحها القومية في منطقة الخليج فقط  من أي تهديد وجودي وتفرض نفسها كلاعب استراتيجي في المنطقة. أما خطاب احمدي نجاد وغيره عن تدمير إسرائيل فهو كالخطاب الديني مجرد توظيف لدغدغة مشاعر وعواطف الجماهير العربية ليظهر لها أن إيران  يمكنها أن تفعل ما تعجز عن فعله الأنظمة العربية،وعلى كل حال فهذا الخطاب والتوظيف انكشف لدى الجماهير العربية التي حولت قبلتها السياسية الأيديولوجية من إيران والقاعدة إلى تركيا والثورات الشعبية. وعلينا التأكيد في نفس السياق بسقوط وهم القنبلة الإسلامية ،فباكستان الإسلامية السنية تملك قنابل نووية ولم تحرك ساكنا من اجل القدس وفلسطين والمسلمين بل إن هذه السلاح النووي غير قادر على حماية باكستان نفسها من التفكك والحرب الأهلية وحماية حدودها.

إن الضجة المثارة حول الملف النووي الإيراني تدخل في باب التوظيف السياسي من أطراف متعددة:

1-      بالنسبة لإيران.فهي تهدف من خلال تضخيمها لملفها النووي وقدراتها الصاروخية التغطية على مشاكلها الداخلية وإخفاء حقيقة مشروعها الفارسي الشيعي المتطلع للتوسع في الخليج العربية،وهو المشروع الذي يتقاطع بل ويلتقي أحيانا مع المشروع الامبريالي الأمريكي في المنطقة في أكثر من مكان كالعراق وأفغانستان ومحاربة ما يسمى الإرهاب وابتزاز الأنظمة العربية ،إخفاء هذا المشروع تحت شعارات القوة النووية الإسلامية  الموجهة ضد إسرائيل والغرب الامبريالي الخ.مما لا شك فيه وجود خلافات وتعارض مصالح بين المصالح الإستراتيجية الإيرانية الصاعدة ومصالح الغرب إلا أن نقاط التقاطع والالتقاء بينهم أكثر من نقاط الصدام والمواجهة العسكرية المباشرة على الأقل في الوقت الراهن.

2-      بالنسبة للغرب وواشنطن على وجه الخصوص.تحتاج واشنطن حتى تحافظ على هيمنتها على الشرق الأوسط وسيطرتها على منابع النفط لتواجد عسكري دائم ،وهذا التواجد يحتاج لمبرر،والمبرر هو خطر يهدد دول الخليج وإمدادات النفط و السلام العالمي، مما يتطلب وجود عسكري في المنطقة.قبل فزاعة الخطر الإيراني أثارت واشنطن قضية امتلاك عراق صدام حسين لأسلحة دمار شامل نووي وبيولوجي وعلاقته بتنظيم القاعدة،الأمر الذي يسر على واشنطن تحشيد تحالف دولي ضد العراق وإقامة قواعد عسكرية أمريكية ثابتة في الخليج وعقد صفقات سلاح بمئات ملايير الدولارات مع دول المنطقة. بعد سقوط نظام صدام احتاجت واشنطن لوجود عدو أو خطر مفترض يهدد دول المنطقة والسلام العالمي وإلا انتفى مبرر وجود قواتها وقواعدها في المنطقة ،فلجأت واشنطن لتوظيف الملف النووي الإيراني ونجحت في ذلك حتى الآن لاستمرار قواعدها في المنطقة ولإخفاء ما تقوم به من تدمير للعراق ونهب ثرواته أيضا لإشعال فتنة مذهبية ما بين الشيعة والسنة.

3-      بالنسبة لدول معسكر (الاعتدال العربي) وخصوصا دول مجلس التعاون.فهذه الدول بالتبعية كانت تتبنى الموقف الأمريكي دون نقاش،ولكنها في نفس الوقت كانت تشعر بأن توظيف إيران للملف النووي وللدين كان يحرجها ويكشف هشاشة شرعيتها ويقوي أطرافا من المعارضة الإسلامية.ولذا لجأت لتوظيف مضاد بتضخيمها للخطر الإيراني كخطر فارسي يهدد عروبة الخليج والمنطقة ،وخطر شيعي يهدد الأغلبية السنية،أيضا وظفت هذا الخطر لقمع المعارضة الداخلية ولتبرير قمعها واستبدادها ولكسب مزيد من الدعم العسكري والسياسي من الغرب تحت ذريعة مواجهة خطر التطرف الإسلامي الذي عنوانه إيران وتنظيم القاعدة.

4-      أما بالنسبة لإسرائيل .لا شك أن إسرائيل تنظر بجدية لخطر الملف النووي الإيراني وخصوصا انه مترافق مع سياسة معلنة معادية لإسرائيل،فإسرائيل لا تستهين بأي خطر أو احتمال خطر وسبق لها أن دمرت مفاعل تموز العراقي عام 1981 ومنشأة سورية قبل ثلاثة أعوام تقريبا قيل أنها نووية،واغتالت العديد من علماء الذرة العرب والمسلمين خلال العقود الماضية نوهي تعلن أن أمنها القومي يمتد من موريطانيا إلى باكستان.ولكن إسرائيل توظف الخطر الإيراني لأسباب سياسية بعيدا إن كان هناك خطرا أم لا.حيث توظفه الآن لإبعاد الأنظار عن تعثر عملية السلام وخلط الأوراق في المنطقة ولتظهر بأن المشكلة ليست المفاوضات أو الدولة الفلسطينية بل الأمن وان أمنها مهدد من إيران التي تدعم التطرف في المنطقة من خلال دعم حزب الله في إيران وحركة حماس في قطاع غزة،أيضا توظف الملف النووي الإيراني للحصول على سلاح وتكنولوجيا متطورة من واشنطن والغرب،أيضا لتبعد الأنظار عن ملفها النووي.

 

القول بالتوظيف السياسي للملف النووي الإيراني ليس بالشيء الخارج عن قواعد العمل السياسي فالدول توظف قدراتها والدين والايدولوجيا والتاريخ توظيفا سياسيا قد لا يناسب مع حقيقة الشيء الموظف.ولكن القول بتوظيف الأطراف أعلاه للملف النووي الإيراني لا يعني عدم احتمال امتلاك إيران للسلاح النووي مستقبلا ولا يعني عدم احتمال توجيه ضربة لإيران في ظل ظروف مواتية،إلا أننا نعتقد بأنه حتى الآن فإن الملف النووي الإيراني واحتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران ما زال في مرحلة التوظيف السياسي الذي يخدم مختلف الأطراف.

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية