موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

العرس المقدسي‏ ‬قبل قرن ونصف

 مقال بروفيسور حسيب شحادة - العرس المقدسي‏ ‬قبل قرن ونصف

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

اعتمدتُ‏ فيما‏ يلي‏ على ما ورد في‏ كتاب‏ "الفنون الشعبية في‏ فلسطين‏" تأليف‏ يُسرَى جوهرية عرنيطة، بطبعته الثالثة التي‏ صدرت في‏ "أبو ظبي‏" عام ١٩٩٧. استقتِ‏ الكاتبةُ‏ المعلوماتِ‏ النادرةَ‏ حقاً‏ عن عرس لدى طائفة الروم الأرثوذكس في‏ مدينة القدس الغالية من والدها،‏ وهو بدوره نسخ ما دوّنه السيد معتوق زخريا في‏ مذكراته عن العرس الذي‏ حضره عام ١٨٥٥.
من الموضوعات الهامّة التي‏ كانت تُطرح في‏ السهرات العائلية المتكررة زواج أبناء الحاضرين الذين بلغوا سنّ‏ الرشد‏. اعتاد كل شخص ذكرَ‏ أسماء الصبايا من العائلات المختلفة لاختيار سعيدة الحظ‏. الجدير بالذكر أن الهمَّ‏ كلّه كان‏ ينصبّ‏ على الوالدة،‏ فهي‏ الأساس في‏ عملية التحري والانتقاء‏. هذا النهج‏ يتمشّى والمثل الفلسطيني‏ المعروف‏ "طُب الجرّة ع تمّها بْتِطلع البنت لأمّها‏". ويُذكر أن العريس لم‏ يكن على أي‏ عِلم بما‏ يجري‏ في‏ هذا الشأن المصيري‏.
إثْر‏ "حطّ‏ العين‏" على فتاة معيّنة تتوجّه إحدى قريبات العريس إلى أهل الفتاة لتجسّ‏ النبض،‏ معددةً‏ مناقب الشاب‏ ومآثره. بعد شهر تقريباً‏ يُعطى الجواب فإن كان سلبياً‏ بدأ الذم والتجريح المتبادَل،‏ وإن كان ايجابياً‏ فلا بد من مرحلة الطلبة والتقارُب‏.

الطلبة

يتوجَّه بعض أقرباء العريس والوجهاء لطلب‏ يد العروس‏. بعد احتساء القهوة‏ يقولُ‏ أكبرُهم سنًا‏:‏ "طالبين بنتكم فلانة إلى ابننا فلان،‏ طالبين قربكم،‏ مش طالبين بُعدكم‏". يجيبه والدُ‏ العروس أو وليّ‏ أمرها‏: "مقدمة جارية في‏ مطبخكم،‏ مبروكة عليكم‏" وعندها تنطلق الزغاريد‏. إثر ذلك بأسبوع‏ يزور الكاهن أهل العروس للحصول على المباركة رسمياً‏ وإبلاغ‏ أهل العريس بذلك‏. ثم‏ يعيّن الأهل موعداً‏ للخطوبة ويُتّفَقُ‏ على الهدايا‏.

الخطوبة

يحضرها بعض الرجال المدعوين من كلا الطرفين والكاهن والعروس‏. ويقدم الكاهنُ‏ لها ما‏ يُدعى باسم‏ "المسكة‏" المهداة من العريس‏. وهي‏ عبارة عن زهور مجدولة على ثلاثة أشرطة ملّونة،‏ واحد زهري‏ والثاني‏ أبيض والثالث أخضر،‏ وخاتم ومنديل‏. قد تضاف إلى ذلك قطعةٌ من القماش ومحرمة من الحرير إذا كانت حالة أهل العريس تسمح بذلك‏. تُقدَّم القهوة في‏ هذه المناسبة،‏ وعلى العروس الوقوف في‏ ركنٍ‏ من أركان الغرفة وهي‏ مكتوفة اليدين‏. بعد أن‏ يشرب الحاضرون القهوة تشرع العروس بتقبيل أيدي‏ الجميع ابتداء من الخوري‏ وحتى أصغرهم‏. لا‏ يحق للخاطب أن‏ يحضر هذا الاحتفال ويُحَرَّم على الخطيبة التفوّه باسم خطيبها حتى ولو اتفقَ‏ وحمل أحد أشقائها نفس الاسم‏. كما ويتحتّم على الفتاة،‏ وفقًا للتقاليد التي‏ كانت مرعية في‏ تلك الفترة،‏ التقوقع في‏ البيت خشية أن‏ يراها خطيبُها‏. عند ضرورة الخروج من البيت لا بد من تفادي‏ المرور بالقرب من مسكن العريس‏.

الشوفة

تحلّ الشوفة‏ يومَ الأحد الثاني‏ بعد الخطبة،‏ حيث‏ يزور العريس للمرة الأولى دارَ العروس مصطحبًا معه بعض أصدقائه‏. فور الدخول‏ يبدأ العريس بتقبيل أيادي‏ المتواجدين في‏ البيت،‏ وهكذا‏ يُعلمهم بأنه صاحبُ الحظ السعيد‏. لا‏ يرى العريس شريكةَ حياته المستقبلية بل‏ ينصرف بعد تقديم‏ "الواجب‏"، الشراب والحلوى والقهوة‏. أم العريس تودّع الخطيب الذي‏ تشاهده للمرة الأولى،‏ يقبّل‏ يديها وتعطيه محرمة حرير‏. بعد ذلك تدخل الخطيبة وتتوافد نساء أهل العريس عصرًا،‏ ويُستَقبَلنَ‏ بالزغاريد والبخور وماء الورد‏. من اللافت للنظر أن تلك الزغاريد عبارة عن حوار بين الطرفين‏ يليها‏ غناء ورقص‏. كما وتقدِّم والدة العريس بعض الهدايا من الحلي‏ والأقمشة والمناديل‏. بعد ذلك‏ يشعر الخطيب بالمسؤولية الملقاة على عاتقه بخصوص تقديم الهدايا في‏ المناسبات على ضوء العادات والتقاليد‏. بعبارة أخرى، عليه أن‏ يجدّ‏ ويكدّ‏ لتأمين ذلك‏. ففي‏ عيد العنصرة عليه أن‏ يقدّم ما اتفقَ‏ عليه من حليّ‏ وملابس‏. أما في‏ عيد الصليب فعليه تقديم ما بين إحدى وعشرين إلى إحدى وثلاثين حبّة من السفرجل وأخرى من الرّمان وأخرى من الخوخ‏. يحرّم على العروس،‏ لا الأكل من هذه الفواكه فحسب،‏ بل وحتى لمسها‏. في‏ عيد أحد الشعانين‏ يُقدَّم للعروس حذاء وشمعة‏. وفي‏ الأعياد الأخرى تقدَّم النقود بغية ابتياع ما‏ يلزم من الملابس‏.

مدّة الخطبة

قد تطول الخطبة عامين أو ثلاثة،‏ وفق حالة العريس المادية‏. غنيّ‏ عن القول بأنه لا‏ يتسنّى للعريس أن‏ يرى عروسَه‏. يحقّ‏ له زيارةُ أهلها بصحبة أمه أو أخواته‏. هنا لا بدّ‏ من التنويه بالمشكلة العويصة التي‏ كانت تتعرّض لها عائلة العروس عند زيارات أهل العريس لها‏. لا بد من إخفاء العروس عن أنظار الزائرين‏. ذلك الإخفاء كان أمراً‏ عسيرا إذا ما علمنا أن الناس سكنوا آنذاك في‏ غرفة واحدة‏. حُشرَت العروس في‏ "الركسة‏" أي‏ في‏ ذلك القوس المعدّ‏ لوضع الفراش‏. هناك كانت تقبع تلك المخلوقة حابسةً‏ أنفاسَها خلف الستار،‏ حتى انفضاض السهرة‏. الويل ثم الويل لو سمحت للكرى أن‏ يزحف إلى جفونها فيختلّ‏ التوازن وتحدث الطامة الكبرى‏. عندها تسقط المسكينة أمام الجميع‏ ويُروى أن ذلك قد وقع بالفعل للكثير من العجائز المقدسيات‏ في. في‏ مثل هذه الحالة المربكة‏ يحتدّ‏ أهل العروس قائلين بلهجتهم المعهودة‏ "قطيعة شو قليلين ذوق‏...عارفينا ساكنين أوضه وحده‏...وطوَّلو القعده‏...موتي‏ (إنشا الله تقبرني‏) نامت ووقعت‏".

الاستعداد للعرس

قبل موعد الإكليل بأربعين‏ يوما‏ يتسلّم أهل العريس تلك الأقمشةَ التي‏ كانوا قد قدّموها للعروس لخياطتها وشراء ما‏ يلزم‏. كما وتقدِّمُ‏ والدةُ‏ العريس قبّعةَ‏ ابنها،‏ التي‏ يكون الدهر قد أكل عليها وشرب،‏ للعروس للاحتفاظ بها بين طيّات ملابسها‏. مقابل تلك الأمانة تسلّم أمُّ‏ العروس مَحْرمة ابنتها للعريس للاحتفاظ بها‏. في‏ اجتماع آخر‏ يبتُّ‏ الطرفان بكل ما‏ يتعلّق بترتيبات الفرح،‏ مثل عدد المدعوين ونوع الضيافة ومكان الإكليل‏. في‏ نهاية هذا الاجتماع‏ يقدّم الكاهن لأمّ‏ العروس ما لا‏ يقلّ‏ عن ليرة ذهبية وتُدعى هذه التقدمة باسم‏ "تقدمة حمّام‏ العروس‏".

حمّام العروس

إعتاد الناس إجراءَ‏ "حمّام العروس‏" عصرَ‏ يوم الجمعة،‏ أي‏ قبل العرس بيومين‏. تستيقظ نساء أهل العريس فجرَ‏ يوم الجمعة لإعداد‏ "الطبيخ والنفيخ‏" لا سيّما اللحم والأرز ويطبخن ما‏ يُعرف باسم‏ "اللبنية‏". عند الظهر تصبّ‏ النساء الطعامَ‏ "بأطباق نحاسية ويصففن اللحمَ‏ فوق اللبن ويقدحن السمن البلدي‏ ويزيّنّ‏ الأطباق بالزهور‏". يحمل الحمّالون هذه الأطباق على رؤوسهم ويسيرون خلف عازفي‏ المزمار وزمرة الصبية حاملين الشموع وأفنان شجر الليمون‏. تلك المسيرة كانت كافية لتنقل للأهلين خبرَ‏ اقتراب أوان حمّام العروس‏. في‏ عصر‏ يوم الجمعة تنقل نساء أهل العروس العروسَ‏ إلى الحمّام العمومي‏ حيث‏ يستقبلهنّ‏ أهلُ‏ العريس بماء الورد والبخّور‏. يقدّم الشراب‏ وألوانٌ‏ من الطعام والبذورات في‏ إيوان الحمّام،‏ كما وتُعزف الموسيقى وترقص الجناكي‏ وتزغرد النساء‏. من جهة ثانية‏ يحضُر الكاهن صباحَ‏ يوم الجمعة المذكور إلى منزل العريس لتسجيل ما فيه من أملاك ستشاركه بها عروسه‏. يكرّر الكاهن نفس العملية في‏ بيت العروس ويحضّر ثلاث نسخ من هاتين القائمتين‏. تُعطى نسخة واحدة لأم العريس وواحدة لأم العروس والأخيرة‏ يحتفظ بها الكاهن‏. هاتان القائمتان تكونان هامّتين في‏ حالة وفاة أحد الزوجين‏. من الزغاريد التي‏ كانت تردَّد في‏ هذه المناسبة‏:
ها هي‏ نعيماً‏ يا عروس حمّامِك ها هي‏ وعاشوا‏ يا عروس بلانِك
ها هي‏ وتسلم‏ يا عروس دقن بيِّك ها هي‏ اللي‏ قام واهلُه بشانِك

تجميل العروس

تتولّى القابلةُ‏ أوّلا عمليةَ‏ تجميل جسم العروس وفق‏ "الطريقة البلدية المزعجة‏". ثم‏ يأتي‏ دور مصفّفة الشَّعر التي‏ تجمّل الوجه وتدلّك البدن أيضاً‏. بعد ذلك تقوم صاحبة الحمّام بطلي‏ رِِجلي‏ العروس حتى الرُّكبة واليدين حتى الساعد بالحنّاء‏. وبعد الاستحمام تخرج العروس لتجلس في‏ صدر الإيوان،‏ وتُعزف الموسيقى ويبدأ الرقص من جديد‏. بعد رجوع العروس المنهكة إلى البيت تتلقّى درساً‏ وافياً‏ كافياً‏ في‏ غرفة مغلقة من بعض العجائز حول العلاقة الجنسية مع عريسها بعد‏ يومين‏.

تسلّم الجهاز

في‏ مساء‏ يوم الجمعة‏ يجتمع الأقرباء والأصدقاءُ‏ في‏ بيت العريس،‏ وبعد العشاء‏ يتوجّهون،‏ وفي‏ معيّتهم الحمّالون،‏ إلى دار العروس لتسلّم الجهاز‏. يتمّ‏ ذلك بعد أن‏ يدفع الكاهن مبلغا رمزيّاً‏ لوالد العروس قدرُه ثمانية وأربعون قرشاً‏. كما ويقدّم لأهل العروس شريطاً‏ عريضاً‏ عليه صليبٌ‏ يُحتفظ به حتى الاكليل،‏ وتُدعى هذه المرحلة‏ "عقد الخاتم والزنّار‏".

حمّام العريس

يتمّ‏ حمّام العريس في‏ الحمّام العمومي‏ أيضا‏. يكون ذلك وسط زفّة‏ يقوم بها أقارب العريس وأصدقاؤه وتُعزف الموسيقى وتُطلق الزغاريد‏.

دعوة العرس

تأتي‏ "العزّامة‏" وهي‏ امرأة قوية الشخصية في‏ الخمسين من عمرها إلى بيت العريس لتعرضَ‏ لائحة بأسماء من‏ ينبغي‏ دعوتُهم حسب تقديرها‏. تلك اللائحة شفوية،‏ إذ أن‏ "العزّامة‏" أميّةٌ‏ ولها من الذاكرة الثاقبة ما‏ يخوّلها لحفظ أسماء البلدة برمّتها‏. بعد الموافقة على أسماء المدعوّين تحمل‏ "العزّامة‏" شمعداناً‏ نحاسياً‏ طوله سبعون سنتيمتراً‏ وعليه شمعة وتقوم بزيارة البيوت لدعوة الأهالي‏. حال وصولها لكل بيت تزغرد وتغني‏ وترقص‏. تُقدَّم لها القهوة وتُبلِّغ‏ الموجودين بموعد العرس ومكانه‏. يعطي‏ كلّ‏ ربّ‏ عائلة مدعوةٍ‏ للعرس حليةً‏ ذهبية معينة للعزّامة وهذا دليل بتبليغ‏ الدعوة‏. بعد الانتهاء من ذلك تعود‏ "العزّامة‏" إلى دار العريس وتسلّم جميع الحليّ‏ لأهل العريس مشيرة إلى صاحب كل واحدة منها بأمانة تامّة ولا تخونها ذاكرتُها بذلك أبدا‏. تُستخدمَ‏ هذه الحلي‏ والمجوهرات المجمّعة لتزيين العروس في‏ جلوتها‏ (تجليتها‏) وبعد حفلة الزفاف تُعاد إلى‏ "العزّامة‏" التي‏ تقوم بدورها بواجبها في إعادة‏ "الأمانات‏" إلى أصحابها‏.

هدايا العريس

منذ اليوم الأوّل لأسبوع الزفاف تبدأ الهدايا المختلفة بالوصول إلى بيت العريس‏. يتقدّم حاملَ‏ الهدايا عازفُ‏ مزمار ليكون أهل البلدة على علم بما‏ يحدث‏. الهدايا متنوعة،‏ فقد تكون خروفا صُبغ‏ صوفُه باللون الأزرق أو قفّة من الأرز مزيّنة بالزهور أو كؤوسا من السكر أو أطباقا من البندورة والباذنجان الخ‏.

حلاقة العريس

بعد تناول العَشاء‏ يجلس العريس على كرسي‏ بملابسه القديمة،‏ وحوله الرجال‏ "تشوبش‏" والنساء تزغرد وتقول إحداهن مثلاً‏:

ها هي‏ يا حلاق احلق له في‏ مواسك الذهبيـّة‏
ها هي‏ واستنى عليه‏ يا حلاق لما تلتم الاهليّه

وأخرى تقول‏:
احلق‏ يا حلاق بموسك الرفيعواستنى على فلان تامنه‏ ييع
احلق له‏ يا حلاق بموسك الفضهواستنى على فلان تامنه‏ يرضى

وثالثة تقول‏:
قول لي‏ وين باقي‏ يا فلان‏ يا بعدي
في‏ حمام العرس والشعر جعدي
قول لي‏ وين باقي‏ فلان‏ غندور
في‏ حمام العرس والشعر مبلول

من هذه الشوبشات‏ يمكن الإشارة إلى‏:

أول كلامي‏ بالدستورمن خوف ليغلط لساني
لامدح العذرا أم النورمن‏ يوم ربّي‏ نشاني
عريسنا‏ يا قبّة النورتضوي‏ علىكل وادي
يا ريت امك وابوك جابوا عشرةمتلك‏ يوم الحبل والولادِة
عريسنا لا تهكل همواحنا جينا لك فوازِع
صغيرنا ضرّيب البارودوكبيرنا عَ‏ الخيل راكب
قول شقره من الخيلوجلالها من ذهب اصفر
خيالها العريس اسمر اللونيشبه الامير عنتر
قول شوباش عن العريسممنون لكل الشبّان
ان شا الله مردود بالأفراح
يا اللي‏ سندتولي‏ راسي

في‏ هذه اللحظة‏ يُرسل المرسالُ‏ الأوّل حاملاً‏ فانوساً‏ كبيراً‏ إلى دار العروس للتبليغ‏ بمرحلة حلاقة العريس للاستعداد لتسليم العروس بعد حين‏. بعد الانتهاء من الحلاقة‏ يُرسَل المرسال الثاني‏ ويمزّق أصدقاء العريس ملابسَه إرباً‏ إرباً‏ ليصبح شبه عارٍ‏. عملهم هذا‏ ينمّ‏ عن أملهم في‏ إزالة جهل العزوبية عنه‏. كما وتتم حلاقة الإشبين والأصدقاء المقربين ليصابوا بعدوى الزواج‏. في‏ المرحلة الثالثة،‏ أي‏ إرسال المرسال الثالث،‏ نرى موكباً‏ قوامه عشرة رجال وعشر نساء وكاهن الرعية‏ يتوجهون حاملين الشموع إلى دار العروس‏. يُستقبل الموكب بالترحيب وتعزف الموسيقى،‏ والجناكي‏ ترقص،‏ وتُقدَّم الحلويات مثل المعمول والغريّبة،‏ وكذلك البذورات‏. ويقال عند تقديم المعمول‏:
شوفو معمول الهوىراح ع الفرن وما استوىتعوا‏ يا ناس تفرجوا كل العرسان مش سوى
ها هي‏ احنا دار العريس هينا جينا
ها هي‏ قولو لام العروس تلاقينا
ها هي‏ بقمقم الفضه والورد رشيناها 
هي‏ لا عدو فيكم ولا فينا

فتردّ‏ قريبات العروس بقولهن‏:

ها هي‏ اهلا وسهلا بكم 
ها هي‏ يسلم العريس اللي‏ جابكم
ها هي‏ وان كان العريس جلابكم
ها هي‏ لا ضيم صابنا ولا صابكم

بعد القيام بواجب الضيافة تقول قريبات العريس‏:

ها هي‏ قومي‏ يا عروس حل الرواح
ها هي‏ والبلبل‏ غنّى والديك صاح
ها هي‏ جيبوا صانع اسمه صلاحيصيغ‏ أساور للإيدين الملاح

فتردّ‏ نساء جماعة العروس‏:

ها هي‏ يا الله خدوها‏ يا اماره
ها هي‏ والله انتم الكسبانين
ها هي‏ وهذه بالحق عروستنا
ها هي‏ بتنهدي‏ برضه للسلاطين
ها هي‏ عريس عريس لا تندم عالماليحواجب عروستك خطين اقلامي
ها هي‏ حواجب عروستك ميّة على ميّةتسوى أهل بلدك من ألف للميّة
ها هي‏ وريتها تثمر وتعمّروتملّي‏ البيت صبياني

ولسان حال العروس‏ يقول كما‏ يردد‏:
قالت العروس وهي‏ طالعهسلموا على الدار وجيرانها
وسلموا لي‏ على أمي‏ الحنونهياما ليالي‏ لفّتني‏ باحضانها

يتقدم الموكبَ الكهنةُ‏ وهم‏ يرتلون الترانيم الدينية المناسبة باليونانية،‏ ومعهم حاملو الشموع وأغصان الليمون الطويلة فالعروس وخلفها باقي‏ الناس من كلا الطرفين‏.
الرجال‏ يطلقون الشوبشات‏ (المحوربة في‏ أماكن أخرى في‏ فلسطين‏) والنساء‏ يزغردن‏. ثم‏ يلتقي‏ الموكب هذا بموكب العريس في‏ الطريق،‏ وفي‏ مقدمته عازفو العود والكمان والقانون والدربكة‏. تستمر الزفّة ثلاث ساعات على الأقل‏. قد‏ يُحمل العريس على أكتاف أصدقائه العريضة عند شعوره بالتعب وهو جالس على كرسي‏. يتبارى العازفون وتشتد حلقات الدبكة والزغاريد‏. عندما‏ يطلّ‏ الموكبان الواحد على الآخر‏ ينبغي‏ على العروس التوقف عن السير حالاً،‏ وعلى العريس التقدم نحوها‏. والويل كل الويل إذا انعكس الأمر،‏ عندها تبدأ المعاتبات وربما تنشب المشاجرات‏.

سلوك العروس في‏ الزفّة

يمسك‏ يدَها اليمنى أقربُ‏ مقربيها وبيدها اليسرى أقرب مقرّبي‏ أهل العريس‏. على العروس أن تبقى صامتة ومغمضة العينين بمنديل طولَ‏ المسيرة‏. ترتدي‏ العروس إزارًا‏ طويلا وهو بمثابة قطعة من القماش الأبيض تلتفّ‏ به السيدة من رأسها إلى أخمص قدميها‏. وفوق المنديل‏ يوضع البرنجك أي‏ البرنس‏. لا حولَ‏ للعروس ولا قوةَ‏، بل عليها تنفيذ التعليمات التي‏ تسمعها من هنا ومن هناك،‏ إرفعي‏ رِجلك،‏ إصعدي‏ درجة،‏ أنْزلي‏ رجلا، انتبهب في‏ حفرة الخ‏.

الإكليل في‏ الكنيسة

عند باب الكنيسة تردّد أم العريس‏:

باب القيامه عاليواجب اشرعه بايديِّ
وخلّي‏ قلبي‏ يفرح
قد ما بكيت عينيِّ
دارنا وفي‏ دارنا بيرمغطّى بشرشف حرير
حلفْت‏ يا ناس ما ألمه 
إلا أشوف ابني‏ في‏ اكليل

كما وللكاهن نصيب في‏ الإطراء فيقال مثلاً‏:
خورينا‏ يا طيّب‏ يا مليح
كلّل العرسان واستريح
ومد‏ يمينك وباركهموبارك شعب المسيح
خورينا‏ يا لابس‏ يا سكر‏ يابس
يا معمّد الصبيان
يا مكلّل العرايس

تقف العروس أمام الهيكل وعلى‏ يمينها الرجال وعلى‏ يسارها النساء أما الأشابين فعلى الجوانب‏. يُلقى الأرز والملبّس عند دورة الإكليل فوق الرؤوس علامة للفأل الحسن‏. بعد انتهاء المراسيم الدينية‏ يتقدّم الإشبين ويرفع العريس ويخبطه أرضاً‏ ثلاث مرّات إشارة إلى نفض الجهل وعدم المسؤولية الملازمين للعزوبية‏. ثم‏ يضع الكاهن الشريط والصليبَ‏ آنفي‏ الذكر على كتفه الأيمن إلى تحت الخاصرة اليسرى‏. أما العريس فعليه ارتداء الشريط مدّة أسبوع مضيفا إليه رأس ثوم وعرق سدابية‏ (نوع من الزهر‏).

بعد الإكليل والخميرة

يتوجه موكب العرس عائداً‏ إلى بيت العريس،‏ سالكا طريقا أخرى حتى ولو كانت أطول وأشقّ،‏ علّها تكون فاتحةَ‏ خير وتوفيق للعروسين‏. في‏ حالة مرور الموكب بمقهى مثلاً‏ يخرج صاحبه ويسكب إبريقاً‏ من القهوة الساخنة على الأرض أمام العروسين إذ أن‏ "كبّ‏ القهوة خير‏". عند وصول البيت على العروس أن تدخله بالمقلوب حتى ولو كان في‏ الطابق الثاني‏. جرت العادة أن تلصق أُسرة العريس عجينةً‏ فيها عِرق أخضر فوق باب‏ غرفة العروسين‏. على العروس وضع كفها على العجينة ويأتي‏ دور عريسِها ليضعَ‏ كفَّه على كفها ضاغطا ثلاث مرّات وأعين أهل العروس متركزة على كيفية ضغط كف العريس‏. إن كانت حركة‏ يده خفيفةً‏ اغتبط الناظرون وإن كانت عنيفة تجهمّتِ‏ الوجوهُ‏ وقد‏ يؤدّي‏ ذلك إلى المسبات وحتى النزاع،‏ إذ أن ضربة الكفّ‏ الشديدة تفسّر أن هناك‏ غلا وحقدا دفينا في‏ نفس العريس إزاء أهل العروس‏.

جلوة العروس

تدخل العروس‏ غرفتَها في‏ حين‏ يتوجّه العريس إلى إيوان الدار،‏ حيث ترقص النساء وتزغردن‏. تستقبل الجناكي‏ العريس بالأغنية المعروفة‏ "البدر لما زار‏ يا عيني‏" فيتكرّم عليهن بما تيسّر من نقود‏. يجلس العريس في‏ صدر الغرفة منتظرا قدوم العروس مرتدية أفخر الملابس ومجللة من الرأس إلى أخمص القدمين بالبرنجك‏. عند وصولها وسط الغرفة‏ يذهب العريس ويرفع البرنجك عن وجهها ويعود إلى مكانه‏. تخطو العروس خطوة خطوة نحو عريسها على أنغام الأغنية الشعبية المعروفة‏ "واتمخطري‏ يا عروسة‏".
اتمخطري‏ يا عروسه

اتمخطري‏ اسم الله‏ يا عروسهيا ورده جوّه الجنينه
عقد القرنفل‏ يا‏ غزالهوالفل مخيم علينا
قومي‏ ادخلي‏ قصرك العاليوقولي‏ لعريسك‏ يا حلالي
واقضي‏ الايام واللياليوساعات وعيشه هنيه
قومي‏ اطلعي‏ اسم الله ع سريركابن الاكابر عريسك
ربي‏ يهنّيكِ‏بعريسكآه‏ يا حلاوه‏ يا شلبيّه
وحياة عريسي‏ ما بطلعإلا بسبع جواري
تنتين‏ يمشوا قداميتنتين‏ يمشوا وراي‏
ثلاثة‏ ينثروا لي‏ الازهارورد‏ ياسمين وعطريه

بعد ما يقارب النصف ساعة تخرج العروس لتغيير ملابسها وتتكرر هذه العملية عدّة مرّات حتى تنتهي‏ من عرض كل ما لديها من فساتين‏. من الشعر الشعبي‏ في‏ هذه المناسبة‏:

واللي‏ ياخد متلكيحسب عليه العمر ولّى
صمدتك صمدة الستاتوالقمر على خدك‏ غمزات
اسم الله عليكِ‏ واحدهوالتانية تنتين
والتالتة خرزة زرقةترد عنك العين
يا خالق الزيتون الاخضريا عالي‏ دائما عن العين
يا سيدتنا مريم تردّيعن العروسين العين

النقوط

هذه عبارة عن النقود التي‏ يقدّمها المدعوون للعروسين لتيسير حياتهما الزوجية الجديدة‏. ومن المعتاد أن تقف العروس وبجانبها إمرأة محنّكة‏. تنتقل هذه النقود من‏ يد العروس إلى‏ يد تلك الامرأة فإلى مفوّض من طرف العريس الذي‏ يقوم بتسجيل اسم كل منقّط ومبلغ‏ نقوطه‏. تحفظ قائمة المنقطين لدى العريس لتسديد تلك الديون مستقبلا فكما‏ يقول المثل الفلسطيني‏ "هادي‏ قِرضه ودينه‏". أخيرا‏ يدخل العروسان‏ غرفتهما‏.

بوسة الراس

من العادات الطريفة قبل قرن ونصف من الزمان،‏ أن تقوم العروس بعجن بعض الخبز صبيحة اليوم الثاني‏ لزفافها‏. ذلك الخبز في‏ اعتقادهم فأل حسن للبركة والرزق في‏ الحياة الزوجية‏. ومما‏ يقال في‏ هذا الصباح:

الله‏ يصبحكم بالخير
يا اللي‏ قاعدين ع الصفّين
وان كان العريس بيناتكم
يا ربي‏ ترد عنه العين
طلّت الشمس من راس الجبل طلّت
خلاتنا تحصنت ورجالنا التفّت
واللي‏ شافت رجالنا وما سمّت
تعدم صباها قبل الشمس ما طلت

في‏ مساء اليوم التالي‏ يزور أهل العريس أهلَ‏ العروس وهناك‏ "يبوس‏" العريس رأس‏ "مرة عمّه‏" ويحتفلون بإقامة عشّ‏ جديد في‏ بيت المقدس‏. 
 
أ.د‏. حسيب شحادة -  جامعةهلسنكي

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية