موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

استحقاق الدولة الفلسطينية يكشف مستورا ويثير تخوفات

 مقال د.إبراهيم أبراش - استحقاق الدولة الفلسطينية يكشف مستورا ويثير تخوفات

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

إن كان من المفهوم رفض إسرائيل للخطوة الفلسطينية بالذهاب لمجلس الأمن للاعتراف بفلسطين دولة عضو في الأمم المتحدة،فمن غير المفهوم والمقبول رفض الأطراف الأخرى لهذه الخطوة سواء كانت جهات فلسطينية أو أجنبية.نفهم ونتفهم التخوفات والمحاذير ونحن نشاطر المتخوفين تخوفاتهم ولكن غير مفهوم الرفض بالمطلق لهذه الخطوة الفلسطينية التي إن تحققت ستكون بمثابة ثورة في النهج السياسي والتفاوضي الفلسطيني ضمن الواقع الفلسطيني الراهن،حيث لا يوجد اليوم خيار بديل عن التسوية السلمية،وبالتالي فالخطوة الفلسطينية هي لتحسين وتعديل لموقع الفلسطينيين التفاوضي ومراهنة على تحولات تجري من حولنا قد تحسن شروط التسوية ومرجعياتها وليس خروجا عن نهج التسوية والحل السلمي فبنية السلطة ومنظمة التحرير والوضع االفلسطيني الداخلي لا يساعد حتى اللحظة على هذه الخطوة الأخيرة.

نقول هذا القول ليس لأننا نرى أنه ليس لنا حقوق سوى الضفة وغزة وليس لأننا نرى أن الذهاب للأمم المتحدة سيقدم لنا الدولة على طبق من ذهب بل حتى لسنا متأكدين من صدور القرار الذي تريده القيادة الفلسطينية وقد لا تستطيع القيادة الفلسطينية خوض المعركة حتى نهايتها،ولكن نؤكد بان أهمية الخطوة إن تحققت إنها ستُحوِّل جزءا من أرض فلسطين من أراضي متنازع عليها إلى أراضي فلسطينية محتلة،وستثبت اسم فلسطين كدولة على أرض فلسطين في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية الأخرى مما سيغير من طبيعة العلاقة بين إسرائيل وفلسطين أرضا وشعبا ولا شيء يمنع الفلسطينيين إن توفرت لديهم لاحقا القوة الذاتية أو الظروف الإقليمية والدولية المواتية من تحقيق ما يصبون إليه من حقوق أكبر وأشمل.ونُذَكِر هنا بان إسرائيل قبلت بقرار التقسيم الذي صدر عام 1947 وأقامت دولتها على حوالي نصف مساحة فلسطين واليوم تمتد سيطرتها على 78 من مساحة فلسطين، ليس لان الشرعية الدولية تمنحها ذلك بل لان قوتها وتحالفاتها الدولية مكنتها من ذلك.

قرار القيادة الفلسطينية بالذهاب للأمم المتحدة يكشف مستورا ويثير تخوفات فلسطينيا ودوليا:

 أولا :على مستوى ردود الفعل الفلسطينية الرافضة

كل القوى السياسية الفلسطينية توافقت بان هدف النضال الفلسطيني في هذه المرحلة إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع عاصمتها القدس الشريف وعودة ألاجئين الفلسطينيين ،هذا ما نص عليه اتفاق القاهرة بين الفصائل في مارس  2005 ووثيقة الوفاق الوطني أو الأسرى في يونيو 2006 التي شاركت فيها حركة حماس والجهاد الإسلامي وما تلاها من تفاهمات بما في ذلك اتفاق المصالحة في القاهرة حيث صرح السيد خالد مشعل أمام الملأ بأن حركة حماس تعترف بهذا الهدف وأضاف بأن حركته تمنح فرصة سنة أخرى للسلام .فمثلا نصت المادة الأولى من وثيقة الأسرى التي هي محل إجماع وطني على ما يلي :-

  إن الشعب الفلسطيني في الوطن والمنافي يسعى من أجل تحرير أرضه، وإنجاز حقه في الحرية والعودة والاستقلال، وفي سبيل حقه في تقرير مصيره بما في ذلك حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها مدينة القدس الشريف على جميع الأراضي المحتلة عام 1967، وضمان حق العودة للاجئين، وتحرير جميع الأسرى والمعتقلين، مستندين في ذلك إلى حق شعبنا التاريخي في أرض الآباء والأجداد، وإلى ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي، وما كفلته الشرعية الدولية.

الذهاب للأمم المتحدة خطوة في الطريق للدولة بما كفلته الشرعية الدولية ،إذن لماذا ترفض حركة حماس وحركة الجهاد انتزاع اعتراف دولي بعضوية دولة فلسطين ؟والسؤال: لو أن جهة أخرى غير الرئيس أبو مازن - كتركيا أو مجموعة عدم الانحياز أو الجامعة العربية أو المؤتمر الإسلامي - هي التي اقترحت التقدم بهذا الطلب  للأمم المتحدة،هل كان موقف حماس رافضا أم ستبارك الخطوة وتعتبرها إنجازا وثمرة من ثمرات النضال الفلسطيني ؟.

 موقف حركة حماس يضعنا أمام فرضيتين :

1-     إن كل الاتفاقات والتفاهمات بما في ذلك ورقة المصالحة الأخيرة والتي تتفق كلها على الدولة الفلسطينية ومنح منظمة التحرير فرصة لاستمرار بنهج السلام كانت مجرد أكذوبة كبرى وبالتالي لم تكن حركة حماس صادقة فيما وقعت عليه ،وكان توقيعها على هذه التفاهمات مجرد مناورة.

2-    أو أن رفض حركة حماس مجرد مماحكة سياسية أو مصدره الخوف على مستقبل سلطتهم في غزة وحضورهم في المشهد السياسي إذا ما انتزع الرئيس قرارا بالاعتراف بالدولة على حدود 67 ،وبالتالي ليسوا ضد مبدأ دولة الضفة وغزة ولكنهم يريدون أن يكونوا صناعا للحدث ومشاركين فيه حتى يضمنوا مشاركتهم في الترتيبات الدولية اللاحقة لصدور القرار،فقد يترتب على قرار الاعتراف بفلسطين دولة تحت الاحتلال مطالبة بان تمد السلطة الوطنية سيطرتها على كل أراضي الدولة أو مطالب بإرسال قوات دولية الخ.

رفض حركة حماس لهذه الخطوة الفلسطينية يكشف المستور لأنه يثير شكوكا حول حقيقة وجدية المصالحة وحقيقة وجدية التفاهمات ووثائق الوفاق الوطني،ويبدو أن كل ما تحدثت عنه الفصائل حول الاتفاق على القضايا الرئيسية بما فيها الدولة الفلسطينية هو مجرد وهم وكذب على الجماهير لتسكينها ولإيهامها بان كل شيء على ما يرام .ما دام الاتفاق تم على هدف الدولة الفلسطينية في حدود 67 وما دامت القوى التي كانت تقول بالمقاومة توقفت عن المقاومة وباتت تقبل بتسوية سلمية بل وباتت تقبل بسلطة على قطاع غزة الذي يُقدر بـ  5،1% فقط من مساحة فلسطين فيما الدولة التي يطلبها أبو مازن تقدر ب 22% من مساحة فلسطين!.

كنا نتمنى على حركة حماس وبقية الفصائل الدائرة في فلكها أن تدعم التوجه للأمم المتحدة وفي نفس الوقت تضع ما تشاء من محددات واستدراكات وملاحظات – وحماس خبيرة في ذلك-وتطالب بضمانات وتحاصر الفريق المفاوض بحراك شعبي يؤيد الذهاب للأمم المتحدة ويحذر في نفس الوقت من أي تلاعب بالحقوق المشروعة التي نصت عليها وثائق الوفاق الوطني وقرارات الشرعية الدولية السابقة كحق عودة ألاجئين الفلسطينيين أو التفريط بمنظمة التحرير كممثل شرعي لكل الشعب الفلسطيني.

ثانيا :على مستوى ردود الفعل الدولية الرافضة

 سنقتصر هنا بالحديث عن الموقف الأوروبي والأمريكي خصوصا لأن غالبية دول العالم تؤيد المطلب الفلسطيني،فالدولة الفلسطينية جوهر مبادرة السلام العربية ومعترف بها من منظمة المؤتمر الإسلامي ودول عدم الانحياز واليوم فإن 126 دولة تعترف بحق الفلسطينيين بدولة مستقلة،كما ان عملية السلام التي رعتها واشنطن وخصوصا مع خطة خارطة الطريق كان يُفهم منها بان الهدف قيام دولة فلسطينية في نهاية المطاف وقادة واشنطن وخصوصا أوباما تحدثوا عن حل الدولتين.

المشكلة تكمن في رفض واشنطن وفي مناوراتها داخل أروقة الامم المتحدة وخصوصا الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن ،الموقف الأمريكي يكشف المستور في مجمل عملية السلام التي رعتها واشنطن منذ مدريد 1991 حتى الآن.فإذا كانت عملية السلام قامت على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام وإذا كان الرؤساء كلنتون وبوش الابن واوباما تحدثوا عن حل الدولتين،فلماذا تهدد واشنطن بالفيتو على قرار يطالب بالاعتراف بفلسطين دولة تحت الاحتلال مع العودة للمفاوضات وليس بديلا عنها؟ولماذا الفيتو هذه المرة يختلف عن المرات السابقة حيث استعملت واشنطن الفيتو أربعين مرة ضد مشاريع قرارات تدين إسرائيل ؟.

في هذه الحالة أيضا نحن أمام فرضيتين:

1-    إن واشنطن لم تكن صادقة في حديثها عن حل الدولتين وكل ما كانت تريده هو منح إسرائيل مزيدا من الوقت لتستكمل مشروعها الاستيطاني وفرض حقائق على الأرض،أو كانت الدولة الفلسطينية في نظرها خارج فلسطين – في الأردن مثلا- أو على كنتونات تقررها إسرائيل بدون مرجعية أو حماية دولية.

2-    الفرضية الثانية،إن واشنطن معنية بقيام دولة فلسطينية في الضفة وغزة ولكن من خلالها وتحت إشرافها،وان قرار الفلسطينيين بالذهاب للأمم المتحدة سيضع واشنطن في مأزق،فإن سكتت على الخطوة الفلسطينية ولم تستعمل الفيتو سيؤدي لنقل القضية الفلسطينية ليد الأمم المتحدة وهذا معناه فشل التسوية الأمريكية وبالتالي تسجيل فشل للإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط يضاف إلى المآزق التي تعاني منها إدارة أوباما داخليا وفي العراق وأفغانستان مما سيؤثر على فرص فوز أوباما في الانتخابات القادمة،وإن استعملت الفيتو فستبدو في مواجهة غالبية دول العالم وستثير ضدها الشارع العربي الذي يعيش حالة ثورة أو ثورة تحت الرماد،وفيتو أمريكي ضد حق الفلسطينيين في دولة قد يؤدي لخروج مظاهرات عارمة في العالم العربي ضد السياسة الأمريكية مما سيؤدي لتسويد صفحة واشنطن التي تحاول تبييضها من خلال ركوب موجة المد الثوري العربي.   

مقابل ذلك هناك ملاحظات وتخوفات ومحاذير لها علاقة بإدارة القيادة الفلسطينية هذا الملف الخطير :

1-    إن حقنا في دولة مستقلة لا يستمد من وعود أمريكية وأوروبية ولا حتى من قرارات دولية بالرغم من أهميتها،عندما نرهن حقنا في الدولة بوعود أمريكية واوروبية أو بقرار دولي فإن من يُوعد يستطيع ومن حقه التراجع عن وعوده وقراراته. حقنا في دولة  حق طبيعي وتاريخي لأننا الأصحاب الشرعيين لهذه الأرض وقدم شعبنا مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى ومعاناة لا توصف منذ بداية القرن الماضي حتى اليوم،إنه حق تشهد عليه مقابر شهداء فلسطين في الأردن ودمشق ولبنان وغزة والضفة ومقابر الأرقام في إسرائيل،ولا يحتاج لشهادة اوباما والرباعية.الوعود الأوروبية والقرارات الدولية كاشفة لحقنا وليست مصدر هذا الحق ونضالنا من اجل  قيام الدولة المستقلة على أرضنا سيتواصل سواء اعترفت الأمم المتحدة بالدولة أو لم تعترف.

2-    يجب التحذير من تفاهمات اللحظة الأخيرة فواشنطن تملك من أدوات الضغط والتهديد والابتزاز ما يفوق قدرة السلطة والمنظمة على مواجهته والحالة الفلسطينية الداخلية غير ناضجة لمثل هكذا مواجهة.وإن كان الشعب الفلسطيني مستعد لدفع ثمن استحقاق الدولة والوقوف إلى جانب الرئيس أبو مازن إن استمر على موقفه إلا أن الخشية من ضغوط وابتزاز يُمارس على الرئيس من عناصر فلسطينية نافذة واطراف عربية تضاف للضغوط الأمريكية والتهديد الإسرائيلي تدفعه للقبول لتأجيل البت في الموضوع أو التوصل لقرار بصيغة مبهمة لا تضيف شيئا للحق الفلسطيني.

3-    ضرورة التفكير بما سيحدث بعد انفراط اجتماعات الأمم المتحدة بغض النظر عن القرار الذي سيصدر.فمع افتراض الاعتراف بفلسطين دولة فهذا مجرد قرار على ورق ولن يغير لوحده في الواقع على الأرض شيئا.بعد القرار ستستمر المواجهة وإسرائيل تهدد منذ اللحظة بخطوات استباقية قد تصل لمرحلة إعلان الحرب على الفلسطينيين،الأمر الذي يتطلب استعدادا فلسطينيا لمرحلة ما بعد ايلول ،والمواجهة تتطلب إنهاء حالة الانقسام وتوحيد الجهود والحفاظ على حالة التضامن العالمي المتواجدة اليوم،وللأسف فإن خطوة الذهاب للأمم المتحدة بدلا من ان توحد الفلسطينيين زادت من حالة الانقسام وتنذر بمزيد من الخلافات الداخلية.

4-     لقد ذكر وأكد الرئيس أبو مازن أن التوجه للأمم المتحدة لا يتعارض مع المفاوضات وان المفاوضات ستتواصل بعد أيلول،والسؤال :هل ستعود المفاوضات بعد أيلول على أساس اتفاقية أوسلو أم ستتم إعادة النظر في هذه الاتفاقية؟.ومن ناحية قانونية فإن اتفاقية أوسلو قامت على أساس قراري 242 و 338 وهما قرارات لا يتعلقان مباشرة بالفلسطينيين ولا تخاطبهما بل يتحدثان عن إنسحاب إسرائيلي من الاراضي العربية المحتلة وعودة الامور إلى ما كانت عليه قبل حرب يونيو 1967 .والآن سيكون لدينا مرجعية جديدة تتحدث عن أرض فلسطينية محتلة ،مما يعني نهاية أوسلو كمرجعية للمفاوضات .

5-     الحالة العربية الثورية الجديدة وحالة الكراهية الدولية لإسرائيل شجعت القيادة المصرية لطرح إمكانية تعديل اتفاقية كامب ديفيد وتقول إنها اتفاقية غير مقدسة،فهل سنبقى بعد القرار المتوقع خاضعين لبنود اتفاقية أوسلو وتوابعها وملحقاتها الاقتصادية بعد ما جرته علينا من ويلات ؟ ألا يمكن توظيف الحالة الثورية العربية والوضعية الجديدة للفلسطينيين في الأمم المتحدة لتحسين وتعديل شكل العلاقة السابق بين السلطة وإسرائيل؟.

6-    السلطة الفلسطينية القائمة اليوم منبثقة عن اتفاقية أوسلو وهي سلطة حكم ذاتي محدود ،فهل سيتغير الحال بعد الاعتراف بعضوية فلسطين كدولة؟ وهل ستم الانتقال من حكومة سلطة حكم ذاتي إلى حكومة دولة ؟.

7-    إن قرارا يصدر بالاعتراف بفلسطين دولة عضو كامل في الأمم المتحدة لا يؤثر مباشرة على القرارات السابقة للأمم المتحدة بشان فلسطين حيث القرار الدولي لا يسقط إلا بقرار يلغيه من نفس الجهة التي أصدرته،مثلا قرار الجمعية العامة رقم 3379 عام 1975 باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري لم يسقط إلا باجتماع للجمعية العامة عام 1991 تم التصويت فيه على إلغاء القرار وقد تم إلغاء القرار السابق باغلبية 111 دولة وقد صوتت عدة دول عربية على إلغاء هذا القرار. ولكن يمكن أن تصبح قرارات دولية مُتجاوزة إذا ما قرر أصحاب الحق المشاركة في اتفاقات او قرارات  دولية تتعارض مع القرارات السابقة.

 

وأخيرا نقول بأن الأمم المتحدة لا تنعقد في أيلول خصيصا لبحث القضية الفلسطينية بل هي الدورة 66 للجمعية العامة للأمم المتحدة وتتميز هذا العام لكونها تحتفل بمرور عقد على مؤتمر دربان ضد العنصرية،وبالتالي إما أن يتجاهلها الفلسطينيون أو يستغلوا هذا المنبر الدولي لطرح قضيتهم وتقديم شكواهم حول ما يتعرضون له،ونعتقد أن التقدم بطلب عضوية كاملة بدولة فلسطين بما لا يُخل أو يتعارض مع القرارات الدولية السابقة هو الممكن ضمن الظروف الراهنة.

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية