موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

هل هو ربيع الشعوب العربية ؟

 مقال د. مصطفى كبها - هل هو ربيع الشعوب العربية ؟

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

163 عاما مرت على الانتفاضات الشعبية التي حصلت في أوروبا عام 1848 والتي أطاحت بالعديد من عروش الأسر الحاكمة وقد عرفت لذلك باسم ربيع الشعوب . لقد نجحت هذه الانتفاضات في بعض البلدان نجاحاً باهراً ، وفي بعضها الآخر نجاحاً جزئياً ،  ولم تفلح البتة في القليل منها  بل أوقعت الآلاف من الضحايا دون أن تحقق أهدافها . ومع ذلك نجحت تلك الأحداث بإحداث تغييرات جذرية وغير متوقعة على مبنى النظام السياسي في أوروبا تلك التغييرات التي ما زالت بعض تجلياتها ماثلة حتى أيامنا هذه . ولعل ابرز علامات المفاجأة وعدم توقع ما حدث هناك هو أن ماركس وأنجلز كاتبي   البيان الشيوعي الذي نشراه في  العاصمة البلجيكية ، بروكسل ، في السنة ذاتها ، لم يحسنا توقع تلك الانتفاضات الشعبية بل تجاهلا ظاهرة القومية بشكل شبه تام .

وما دام كاتبا البيان الشيوعي قد اخفقا في توقع ما حصل في أوروبا من انتفاضات فإن ذلك قد يمنح العذر لمحللي هذا العصر ، وخاصة الخبراء بالشؤون العربية ن لعدم القراءة الموفقة الجادة لسيناريو سلسلة الانتفاضات التي بدأت  تتدافع في أرجاء العالم العربي بداية في تونس ومن ثم في مصر ، والحبل على الجرار ، كما يقولون .

وما دام الأمر بالأمر يذكر فمن الحري بنا أن نسال إذا كان ما يحدث في الوطن العربي هذه الأيام هو : هل نحن بصدد نسخة أخرى لربيع الشعوب وهذه المرة للشعوب العربية بدلاً من الشعوب الأوروبية ؟ وبتأخير لا يقل عن مائة وثلاث  وستين سنة ؟

إن بشائر تلك الانتفاضات التي تحققت بشكل باهر في تونس  وبصورة شبه تامة في مصر، من شانها أن تنبئ بتقارب النسخ على الرغم من ذلك البون الكبير في السياق التاريخي والخلفيات .

وإذا  أردنا أن نقارن بين ما جرى في أوروبا  ، في حينه ، وبين ما جرى حتى الآن في العالم العربي  ، نرى أنه من الملفت للنظر بان الانتفاضات التي وجهت في الحالة الأولى ضد الأسر الملكية الحاكمة التي سيطرت على مصائر الشعوب الأوروبية وعبثت بمقدراتها  السنوات الطوال ، وجهت في الحالة الثانية ضد أنظمة جمهورية كانت قد بنيت على أطلال حكم السلالات أو الأنظمة الواقعة تحت الاستعمار الأجنبي بحيث كانت في مراحلها الأولى ( مرحلة  جمال عبد الناصر في مصر والفترة الأولى من مرحلة الحبيب بو رقيبة في تونس ) محط أنظار وتأييد  وتعاطف شعوبها ، أصبحت في مراحلها المتأخرة ( مبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس ) أشد قمعاً وفتكاً بحق شعوبها من الأسر الحاكمة السابقة بل وفي بعض الحالات من قوى الاستعمار المقيتة  بريطانية كانت أم فرنسية . ونحن لا نسجل الملاحظة هنا كي نعطي شعوراً بأن الدول العربية التي تحكمها سلالات الملوك والأمراء هي خارج مرمى الامتداد المحتمل لهذه الانتفاضات المباركة وإنما لنؤكد على مدى خيبة الأمل التي سجلتها الجماهير بحق النظم الجمهورية التي كان من المفروض أن تكون نظماً تقدمية حرة ، تعكس أماني وطموحات وتطلعات شعوبها وتتعامل مع هذه الشعوب بشفافية وأكف نظيفة بعيدة عن الاحتكار والفساد والاستئثار الشخصي والأسري .

وثمة ملاحظة أخرى في سياق المقارنة بين ما حدث في أوروبا وبين ما يحدث الآن في مصر والعالم العربي هي أن القائمين على الانتفاضات والمحركين لفعالياتها هم بالأساس أبناء الطبقات الوسطى الذين سد استئثار النخب الضيقة العليا وفسادها بوجوههم السبل للتقدم في سلم الحراك الاجتماعي وألغى إمكانية تحقيق طموحاتهم لحياة حرة وكريمة وقد ولدت هذه الحالة لديهم كل معاني الإحباط والنقمة والرغبة الملحة بالتغيير ملتقين في هذه المشاعر مع أبناء الطبقات الكادحة والمعدمة الذين زاد وضعهم السيئ أصلاً ، في ظل تمادي النخب باحتكارها للسلطة والنفوذ ومصادر الإنتاج والثروات ، تفاقماً وأضحت آمالهم بتوفير لقمة العيش الأولية لعائلاتهم أمراً صعب المنال .

تلاقت هاتان الفئتان في ميادين التظاهر والاحتجاج وجعل التحالف الآني بينهما ( الذي من المفروض أن ينفض لاحقاً في مرحلة تقسيم كعكة المنجزات ) إلى وضع النخب الفاسدة والمستأثرة في وضع لا تحسد عليه ، وضع زعزع ثقتها بنفسها وحطم عزيمتها بشكل جعل قططها السمان   بل ورأس النظام ذاته يسارعون إلى حزم الحقائب ومغادرة البلد والوطن الذي طالما أشبعوا جماهيرهم الجائعة بالأناشيد الممجوجة الممعنة بالتعبير عن حبه والتفاني بخدمته ، كما حصل في تونس ، أو كما يحدث في مصر حيث دفعت غريزة حب البقاء بأي ثمن ،   القيادة هناك ، للتمسك المستهجن بدفة القيادة المتهالكة والمتأرجحة غير آبهة بالأمواج الهائلة من المتظاهرين  والمحتجين ومن الأرواح البريئة التي أزهقت ومن الصورة السيئة التي ارتسمت لها وهي تقدم ، مكرهة ، التنازل  الشكلي تلو الآخر عل ذلك يجنبها ذلك المصير الذي آلت إليه مثيلتها الآنفة الذكر .

والسؤال يبقى هو :  هل ما يحدث الآن في العالم العربي هو ربيع الشعوب العربية ؟ والإجابة عليه تكمن في عبور الامتحان المصري العسير الذي نرجو جميعاً أن يعبره الشعب المصري بنجاح وسلاسة ولسان حاله يقول : عزيزة وعظيمة يا مصر .

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية