موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

مثقَّفون ومثقَّبون

 مقال عمر رزوق - مثقَّفون ومثقَّبون

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

لا يمكن أن نحصر ونحوّط الثقافة بمن كتب بالأنواع الأدبية وأجناسها وأشكالها, ولا بمن بفرشاته أبدع لوحة تشكيلية , إن الثقافة ما هي إلا منظومة سلوكية وفكرية تضم تحتها أمة أو مجموعة من الناس , من هذا المنطلق , ستنأى الثقافة بنفسها تجيير نفسها لكاتب رواية أو قصة , قصيدة أو لوحة تشكيلية , مقال سياسي أو بحث نقدي وما شابهها من المسميات , لتصبح الثقافة نمطا وأسلوبا حياتيا كاملا شاملا لأمة ما أو مجموعة ما . إذاً وبناءا على ما تقدم يمكننا أن نعرّف المثقف , بأنه المنتج الثقافي الذي يؤثّر ويغيّر بالمجتمع فكرا وسلوكا من خلال تحويل وتغيير الادعاء الثقافي لمنتج فعلي يبادر هو به غير منتظر الآخرين , إلى مرتبة أعلى ومنزلة أرفع , عندها سيأخذ عنه الآخرون ويقتدي به الناظرون , لينشأ وينمو , ليكوّن منظومة ترنو للتكامل والشمول , يتلاقح داخل محيطها فكر , مزج قِيَم الماضي وحضارته مع عصريته , وسلوك إنساني متحضّر .  

عندما ننظر من هذا المنظار على المثقف , تبدو لنا الفروق الكبيرة والفوارق الضخمة واضحة جلية على أرض من واقع , عندها يبدوا مثقفونا بعيدين وليس قليلا عن الإنتاج الثقافي العملي الفعلي , ونرى قربهم شديد من الادعاء الثقافي الكبير , وهذا الوضع هو عكس ما يتطلبه وضعنا خاصة كأقلية وعامة كعرب , حيث أن المثقف هو من يكتب أدبا أو يحلل حدثا أو يرسم لوحة , ولا علاقة له بتفعيل وتنشيط الواقع المجتمعي بشكل ملموس محسوس لا مقروء أو منظور , أو قل أن دور المثقف هو دور أداء فردي شكلي يعاني من عضال أحادية التأثير بسبب توافر المفردات أو المعنى وغيرها وقتوم الفعل الثقافي التجسيدي المحسوس .

بسبب قتوم بل أغباش غياب دور المثقف التجسيدي الطوعي الإرادي , تستشري بين عامة الناس أفكار وسلوكيات لا تمت لواقع العصر بصلة , وكأنها تنتمي  لأحقاب درستها الرياح , حيث يأنف ويترفع المثقف   عن الهبوط من عليائه , علياء القول المجرّد أو الكتابة الجامدة الخاملة المكررة , إلى ساحة الممارسة والتطبيق والتفعيل المحسوس لأفكار وسلوكيات متطورة , لهذا لا أستغرب البتة أن أرى عقب سيجارة يقفز هاربا من نافذة سيارة أو صوت مطرب قد أطلق صوته بكل ما أوتي من صراخ  من مذياع السيارة , وقد لا أشعر بالحرج إن رأيت أكواما من القمامة تتكدس أمام بيوت العامة ومن يدّعون الثقافة على وجه الخصوص .  كيف يستغرب واحدنا حين يرى أناس يبصقون وهم يسيرون في الشارع العام أو يخدشون الحياء بمفردات لغوية ألبسوها ثيابا من سقوط . كيف يستعجب واحدنا عندما يرى مَن يتمتع بنزعة ذاتية متجبرة تمنعه مد يد العون لمحتاج . وكيف لا أُشْدَه أن تجلس عائلة من أب مثقف وأم وطفلين في سيارة فارهة ثم تُنزل النافذة ويلقي الطفل بعلب مشروب إكس إل إلى وسط الشارع ؟!   إن مثل هذه الفعال لا تأتي اعتباطا ولا يمكن وصفها بالعفوية , لأنها قائمة على منظومة سلوكية فوضوية متردّية تفتقر لدور المثقف والثقافة كليا ,  وليس القصد هنا مثقف وثقافة الادعاء إنما ثقافة التجسيد والعطاء , التجسيد الفعلي للمنتج الثقافي وعطائه . حبذا لو حصلنا في تكويننا الاجتماعي على مثقفين فاعلين مؤثرين بمن يحيط بهم من الناس وتتجسد أقوالهم وكتاباتهم لواقع محسوس , لنصل إلى ما نبتغيه في هذا المجال .

مع إيماني بنظرية التدرّج والتطور الهادئ السليم , غير أن ذلك لا يبرر قسوة الغياب المخيف لشخصية المثقف المؤثرة بالآخر , وهنا يحق لي أن أتساءل : أين نحن مِن أولئك العظماء من سلفنا , الذين حوّلوا مجتمعاتهم من واقع الحظيرة إلى تحضّر يليق بقامة الإنسان بوصفه كائن معنوي عملي متفرّد متميّز عن مخلوقات الأرض ؟! 

ليس من الخطأ بشيء أن نبيّن نواقصنا وسالبنا , فالبدء بإصلاح النفس هو الخطوة الضرورية الأولى باتجاه الهدف , أي حين نؤشر اتجاه مدعي الثقافة وغياب المجسّد لها , لا أراه تجاوزا ولا تطاولا على أحد , بل لفت نظر وتنبيه لخطر يربض بيننا , وحين ننبّه ونلفت نظر لغياب المثقف المؤثر , فلنبدأ بأنفسنا أولا  , على أن نتفق أولا على أن المثقف قد يكون لا يحسن الكتابة والقراءة ولكنه يحسن السلوك والتفكير اكتسابا واحتكاكا .

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية