موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

كلمة في‏ ‬ذكرى مارتن لوثر كنچ (١٩٢٩-١٩٦٨)‬

 مقال أ. د. حسيب شحادة - كلمة في‏ ‬ذكرى مارتن لوثر كنچ (١٩٢٩-١٩٦٨)‬

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

تصادف هذه الأيامَ،‏ وعلى وجه التحديد،‏ في‏ الرابع من نيسان الجاري‏ الذكرى الثانية والأربعون لاغتيال الزعيم بلا منازع لحركة الحقوق المدنية في‏ أمريكا، القِسّ‏ الدكتور مارتن‏ (ميخائيل‏) لوثر كنچ‏ (Martin Luther King, Jr.). كرّس هذا الزعيمُ‏ الفذّ‏ حياتَه القصيرة وضحّى بها من أجل انتزاع الحقوق المدنية للسود المقهورين في‏ بلاد العم سام الديموقراطية‏.
وُلد ميخائيل الذي‏ عُرف فيما بعد بمارتن واختصاراً‏ ب‏ MLKفي‏ ١٥ كانون الثاني‏ ١٩٢٩  في‏ أطلنطا‏. كان أبوه وجدّه‏ (والد أمه‏) قِسيسََيْن مَعمَدانيّيْن في‏ كنيسة ابن عيزِر(Ebenezer)في‏ أطلنطا،‏ فالجدّ‏ هذا‏ A. D. Williamsوصل إلى أطلنطا عام ‏٣٩٨١ وأقام هناك طائفةً‏ معمدانية كبيرة‏. من أهمِّ‏ ما تعلّمه مارتن وشقيقُه وشقيقتُه من والدهم هو‏: معاملة كافّة الناس بالتقدير والاحترام‏.
كان مارتن طالباً‏ لامعاً،‏ فقد حصل على شهادة الباكالوريا (B. A.= Bachelor of Arts)في‏ علم الاجتماع سنة ‏١٩٤٨ من جامعة أطلنطا وهو ابن ١٩ عاماً‏ ثم على شهادة الدكتوراة‏ Ph) (D. = philosophiae doctorفي‏ علم اللاهوت من جامعة بوسطن سنة ‏١٩٥٥.
أحسّ‏ مارتن لوثر كنچ منذ نعومةِ‏ أظفاره بالتمييز العنصري‏ بين البيض والسود‏ (الملوّنين‏) في‏ أمريكا‏. رأى مثلاً‏ بأنه لا‏ يحقّ‏ له أن‏ يشربَ‏ من نفس الحنفيات التي‏ يشرب منها زملاؤه البيض وقِس على ذلك بالنسبة لاستعمال المراحيض‏. كما وفرّقت السياسةُ‏ هناك بينه وبين صديقِه الجار الأبيض الذي‏ كان‏ يلعب ويمرح معه إبّان دخول المدرسة‏.

يبدو أن بداية نشاط مارتن لوثر كنچ كداعية لحقوق الانسان الاجتماعية وكرئيس مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية‏ (SCLC = Southern Christian Leadership Conference)تعود لحادثة اعتقال السيدة الافريقية‏ - الامريكية روزا پاركس‏ (Rosa Parks) البالغة من العمر ٧٢ عاما بسبب ارتكاب‏ جريمة‏ لا تُغتفر‏. إنها لم تقم في‏ الأول من كانون الأول سنة ١٩٥٥ لتُخلي‏ مقعدَها في‏ الباص لرجل أبيض‏. قام الأفارقة‏ - الأمريكيون بمقاطعة السفر في‏ الباصات في‏ مونتچومري‏ لمدة ٣٨١ يوماً‏. لقد أثمر ذاك الاحتجاج إذ أعلنت ولاية ألاباما عن عدم شرعية التفرقة في‏ أماكن الجلوس بين البيض والسود في‏ الحافلات‏.
    
في‏ هذه العُجالة لا‏ يتسنّى لنا التطرقُ‏ إلى جميع جوانب النشاط الاجتماعي‏ الذي‏ مارسه مارتن لوثر كنچ في‏ الخمسينات وأوائل الستينات‏. إلا أنه لا بدَّ‏ من ذكر بيت القصيد في‏ هدا الصدد وهو ممارسة أسلوب العصيان المدني‏ (civil disobedience)واللا عنف‏ (non-violence)في‏ المظاهرات والاحتجاجات‏. أمامَنا نمطٌ‏ من أنماط الممارسات السياسية المتمخّضة عن خرق متعمّد للقوانين بُغيةَ‏ استقطاب الرأي‏ العام إزاءَ‏ الظلم والاضطهاد‏. ومن المرجّح أن أصلَ‏ هذه الفكرة‏ يرجع إلى الكاتب والفيلسوف الامريكي‏ David Thoreau‏ (١٨١٧-١٨٦٢) الذي‏ كتب مقالاًَ‏ بعنوان‏ العصيان المدني‏ Civil) (Disobedienceسنة ١٨٤٨. وكما‏ يعرف الكثيرون فقد مارس هذا النوعَ‏ من النضال المثمر الزعيمُ‏ الهندي‏ مهاتما‏ غاندي‏ (١٨٦٩-١٩٤٨) (Mohandas Karamchand “Mahatma” Gandhi)الذي‏ اغتيل هو الآخر‏.
زار مارتن لوثر كنچ الهندَ‏ عامَ‏ ١٩٥٩ تلبيةً‏ لدعوة رئيس وزراء الهند آنذاك السيد جواهِر لال نهرو وتباحث مع أتباع‏ غاندي‏ حول فلسفته النضالية‏. وقد اقتنع كنچ بان انتهاج أسلوب المقاومة السلبية أي‏ اللاعنف في‏ المعركة من أجل انتزاع الحقوق المدنية هو الأمثل‏.
هذا ما‏ يسمّى في‏ الهند بسَطْيَچْراها‏ (Satyagraha)التي‏ تعني‏ حرفياً‏ بالسنسكريتية‏ المسك أو التمسك بالحقيقة‏ - وهي‏ فلسفة‏ غاندي‏ المتمثلةُ‏ في‏ المقاومة السلبية وعدم التعاون مع البريطانيين المستعمِرين‏
قاد مارتن لوثر كنچ الكثيرَ‏ الكثيرَ‏ من المسيرات الاحتجاجية لا سيما في‏ جنوب أمريكا وذاق هو والمشتركون معه طعمَ‏ القسوة والحقد والكراهية التي‏ تجسّدت باستعمال الشرطة خراطيمَ‏ المياه والغازَالمسيّل للدموع والكلاب‏. كما وفُجِّر منزلُ‏ كنچ وزُجّ‏ صاحبُه في‏ غياهب السجون مراتٍ‏ عديدة‏.
يجدرُ‏ بنا التنويه بمسيرة واشنطن بالقرب من النُّصب التذكاري‏ لابراهام لنكولن‏ (١٨٠٩-١٨٦٥) في‏ صيف ‏١٩٦٣ حيث اشترك فيها ما‏ يقارب الرُّبع مليون شخص‏. ألقى كنچ خلالَ‏ تلك المسيرة خطابَه الشهير‏ لديَّ‏ حُلمٌ‏ (I Have a Dream)وإثرَ‏ ذلك بسنتين أي‏ في ‏٦ آب ‏١٩٦٥ حصل السودُ‏ على حقهم في‏ الاقتراع في‏ أمريكا‏. ذلك الرئيس الامريكي‏ قد قال مرةً‏ هذه الامةُ‏ لا تستطيع البقاءَ‏ على قيد الحياة طالما أن نصفَها عبدٌْ‏ والنصف الآخر حرّ‏.
حصل بطل الاخوّة والسلام،‏ مارتن لوثر كنچ،‏ على جائزة نوبل للسلام في‏ العاشر من  كانون الأول عام ١٩٦٤ تقديراً‏ لنضاله وجهوده من أجل المساواة بين البيض والسود في‏ الولايات المتحدة الأمريكية وهو أصغرُ‏ الحائزين على هذه الجائزة سِنّا‏.
تمّ‏ اغتيال كنچ في‏ الرابع من نيسان سنة ‏١٩٦٨ في‏ فندقه لورين في‏ مِمفيس في‏ ولاية تِنسي‏. رَجلٌ‏ أبيضُ‏ من الجنوب باسم‏ James Earl Rayاتُّهم باقتراف الجريمة وحُكم عليه بالسجن لمدة ‏٩٩ سنةً‏. دُفن جثمان مارتن لوثر كنچ في‏ أطلنطا في‏ التاسع من نيسان سنة ١٩٦٨. في‏ الآونة الأخيرة تعالتِ‏ الاصواتُ‏  من طرف أرملة كنچ وأولاده الأربعة مطالبةً‏ بإعادة التحقيق في‏ عملية الاغتيال‏. لا بدّ‏ من الإشارة إلى أن مكتب التحقيقات الفيدرالي‏ كان‏ يلاحق كنچ ويراقبه مراقبة تامة ودائمة في‏ كل حركاته وسكناته‏. بعد حقبة معينة من الزمن سيكشف عن ملفات التحقيق السميكة وعندها ربما سيعرف العالم من قتل مارتن لوثر كنچ‏. حُوِّل الفندقٌ‏ المذكور إلى‏ متحف الحقوق المدنية‏ وهو فريد من نوعه في‏ العالم‏.
لقِي‏ مارتن لوثر كنچ حتفَه وهو في‏ ريعان شبابه‏ - ابن ٣٩ عاماً‏ واليكم بعض المقتطفات مما ورد في‏ مؤلفاته وخطاباته التي‏ ستبقى حيّةً‏ ونِبراساً‏ يُهتدى بها في‏ أصقاع المعمورة قاطبةً‏ حيث التمييزُ‏ والاضطهاد بأشكالهما المتعددة ما زالا حيين‏ يُرزقان وينخران في‏ عِظام البشرية في‏ دول لا عدَّ‏ لها ولا حصر‏.

‏١. المقهور على حق أقوى من المنتصر على باطل‏.
‏٢. إنه من الخطأ انتهاج وسائلَ‏ غير أخلاقية لتحقيق أهداف أخلاقية‏.
‏٣. لو جلستُ‏ لأردَّ‏ على الكم الهائل من الانتقادات لما تبقّى لي‏ وقتٌ‏ للعمل البنّاء‏.
‏٤. أعلمُ‏ من تجربتي‏ المؤلمة بأن الحريةَ‏ لا تُمنح أبدا بل تُنتزع انتزاعا من الظالم‏.
‏٥. أمم آسيوية وإفريقية تخطو خطواتٍ‏ عملاقةً‏ نحوَ‏ تحقيق الاستقلال ونحن نحبو للحصول على فنجان من القهوة على مائدة الغَداء‏.
‏٦. هناك مسؤولية أخلاقية وليس قانونيةً‏ فحسب ملقاة على كاهل المواطن لاحترام القوانين العادلة‏.
‏٧ القانون العادل هو ذلك الذي‏ يرفع من قيمة شخصية الانسان‏.
‏٨. الحرية الاكاديمية لحدٍّ‏ ما هي‏ واقعٌ‏ اليومَ‏ لأن سقراط ‏٨٦٤-٩٩٣ ق.م.مارس العصيان المدني
‏٩. أنا أشياءُ‏ كثيرةٌ‏ لأناس كثيرين‏.
١٠. الصراع اليومَ‏ بين اللاعنف واللاوجود‏.
‏١١. الحضارة والعنف مفهومان متضادان‏.
١٢. اللاعنف ليس السلبيةَ‏ المحضة بل قوة أخلاقية جامحة‏.
‏١٣.إني‏ أومن بجسارة بأن الشعوبَ‏ في‏ كل مكان‏ يحقّ‏ أن‏ يكون لها ثلاث وجبات‏ يوميا للجسم،‏ تربية وثقافة للعقل،‏ شرف ومساواة وحرية للروح‏.
١٤. سنكون قادرين بهذا الايمان أن ننحتَ‏ حجرا من الأمل من جبل اليأس‏.
١٥. العشب الضار ينمو بسرعة، لذلك كان نمو النبات أسرع من نمو الصبيان.

 

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية