موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

إسقاطات تاريخية للحركة القومية العربية

 مقال عمر رزوق - إسقاطات تاريخية للحركة القومية العربية

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

الانتماء للوطن متأصل بحكم المولد والمحيط الاجتماعي وبالتالي لا يتطلب البطولات حتى يتثبت ويتأصّل فتسقط الحاجة لأسلوب التنظير كالذي أكل علية الدهر وشرب وحمد الله تعالى . كذلك هي علاقتي مع الله سبحانه تحكمها نشأتي الدينية وفهمي لمحيطي , فهل من المعقول أن يكون داخلي ضدين , ترعرعا ونميا معي ؟!

كانت العرب أمة لا رابط بينها غير رابط اللسان , وما قوميتهم إلا في نطاق قبلي محدود ضيّق وانعدمت مقومات الوحدة والتوحد بين تلك التجمعات المتناثرة , فهذا امرؤ القيس لمّا قتل أبوه توجه من أقصى الجنوب للقيصر في أقصى الشمال لاستنصاره للثأر لأبيه , وهذا سيف بن ذي يزن لم يستصرخ العرب لدرأ أبرهة من هدم الكعبة , بل ذهب لروما مع علمه بإرسالها أبرهة للثأر للنصارى الذين قتلهم الملك ذو النواس , ناهيك عن موالاة المناذرة والغساسنة للقوات العظمى آنذاك على حساب بني جلدتهم للحؤول دون هجمات القبائل على نواحي المملكتين العظيمتين , وعلى طرف صفحات التاريخ الآخرى نرى بعض أواصر القومية البسيطة كتهنئة العرب سيف بن ذي يزن بانتصاره على الأحباش ومن بينهم عبد المطلب بن هشام , أما معركة ذي قار فيروي التاريخ بأنها المعركة الوحيدة التي استطاع بها العرب التغلب على جيوش الفرس حيث كان هدفها الدفاع عن كرامتهم من خلال حفظ أمانتهم .

بعد عشرون عاما من ظهور الإسلام هب العرب وانتفضوا بل تجانسوا تحت لواء الإسلام فسطروا أروع لحظات تاريخ العرب , من مجرد جاهليين متناحرين إلى مجاهدين فاتحين ملأوا الأرض نورا وعدلا .       

مما لا شك فيه إن رابطة القومية كانت من الضعف أن تجمع العرب تحت رايتها وأن تملأ مساحات الفراغ العقلية والروحانية في كيان القبائل العربية , فكان لا بد من رابط آخر يوحد هذه الأمّة فكان الإسلام هو البوصلة والرابطة التي هذبت النفوس وسمت بأرواح العرب , فكانت العرب أمة ذات رسالة خالدة , هذه المقولة التي أخذها وتبناها الاشتراكيون والتي سقطت معهم سقوطا مريعا .

استمرت السيطرة العربية في زمن الدولة الأموية تحت لواء الإسلام , ومع ظهور الدولة العباسية ظهرت قوى غير عربية تحكم الأطراف المترامية للدولة الإسلامية , ولكن مع عدم النكوص أو التراجع والتواني فيما بدأه العرب من نهضة فكرية وإبداعية وحربية , بل زاد تطوره فظهر المشروع العلمي والفكري والأخلاقي في فترة حكم المأمون , ثم نشأت الممالك والدويلات التي تأسست جميعها تقريبا بأيدي غير عربية ما عدا الدولة الحمدانية واليمنية في أقصى الشمال وأقصى الجنوب والدولة الرسولية ودولة بني زياد وبعض الممالك في الأندلس , مما زاد يقينا بأنه لم يكن هناك أي خطر من أن يحكم العربي أي حاكم من قومية أخرى ما دام مسلما . إن الفاتحين العظماء والمشايخ العلماء والأدباء الذين سطّروا أروع صفحات المجد أغلبهم من غير العرب كصلاح الدين الأيوبي وطارق بن زياد وأسد الدين شيركوه وجوهر الصقلي وبيبرس وقطز والبخاري ومسلم وسيبويه وابن المقفع وبشار بن برد وعمر الخيام وابن سينا والرازي ... المسألة تطول والأسماء كثيرة مرت على صفحات المجد وينتمون لقوميات غير عربية .

وصلنا للدولة العثمانية – الحكم العثماني غير العربي – التي احتضنت كل أرض الدولة الإسلامية وزادت عليها , وهنا ظهرت الدول الاستعمارية متآمرة على الحكم العثماني للدولة الإسلامية بدعوى القومية العربية والتي زعّمت عليها –أي القومية العربية – الشريف حسين , لم يلقَ هذا التآمر أي استجابة وإقبال عربي بالرغم مما شهده العرب من جمود فكري وثقافي واقتصادي إبان الحكم العثماني للدولة الإسلامية , إذا , فنشأة القومية العربية الحديثة كانت وليدة على أيدي الاستعماريين الذين سرعان ما نفضوا أيديهم عنها مع التوقيع على اتفاق سايكس بيكو , ومن المفارقات الغريبة والممارسات العجيبة أن يأتي اليساريون العرب ليعيدوا دعوة القومية العربية كردة فعل على قوى الاستعمار , فظهرت الجبهات القومية والتي منذ البدء لم تتفق فيما بينها , فهناك القوميون المعتدلون والاشتراكيون والبعثيون وقوميون غير يساريين , هؤلاء أعادوا للأذهان الإرهاصات التي سبقت ظهور الإسلام , فقد اختلف العرب جاهليا انتماءا للقبيلة وحديثا انتماءا حزبيا يخدم أولا أهداف الحزب والذي بدوره يوجه الطاقات لخدمة أفكار المؤسسين والممولين غاضين الطرف عن دوافع تأسيس هذا الحزب .

إن القدرة القيادية وقوة العزيمة والشخصية التي ملكها جمال عبد الناصر كانت السبب الرئيس بحدوث الطفرة بالحس القومي والتنامي به لدى العرب منذ بدء التاريخ  بالرغم من بداياته مع الإخوان المسلمين ليختلفوا حول دور الإسلام في نظام الحكم , حيث رأى عبد الناصر إن الإسلام هو المرجعية الكاملة لنظام الحكم إنما يجب التروي في التطبيق , رأى عبد الناصر بأن التطبيق يجب أن يكون على مراحل , بينما رأى الإخوان بأن التطبيق يجب أن يشمل جميع نواحي الحياة , وهنا اتجه عبد الناصر لتبني التيار اليساري اللا علماني على الطريقة الغربية وغير اشتراكي على الطريقة الشهيرة , علما بأن الظروف هي من ألجأته لذلك بعد فشل خطوة الوحدة الأولى في تاريخ القومية العربية الحديثة .

ثم تأتي قضية القرن العشرين متوغلة في القرن الواحد والعشرين , قضية فلسطين, أتت لتبقي رمق الحياة للعرب للبقاء أصحاب سبب لتوحدهم وتجعل همهم واحدا مشتركا , لكن الغرب بدهاء وشيطانية استطاع أن يحوّل الصراع الفلسطيني اليهودي من قضية دينية بحكم الواقع والمواقع الإسلامية , لعربية بحكم الانتماء إلى فلسطينية الأرض وحكمها إلى حزبية بحكم السلطة الوطنية إلى شخصية بحكم الرئيس الحاكم , ولم يلاحَظ بأن القضية الفلسطينية تفقد وتخسر من وقعها وتأثيرها إن لم يتم الحديث وبإسهاب عن دور اليهود بمؤازرة ودعم الغرب في تدمير كل شيء وقتل كل شيء , وبالتالي فإن دور اليهود مع الغرب الصليبي لا بد وأن يكون مقابله دور المسلمين , بحكم كون هذه الديانات سماوية , هدفها إتباع ما ينصّه الكتاب المنزّل لكل دين . حروب يهودية صليبية يقابلها دفاع إسلامي , لتفقد القومية الورقة التي راهنت عليها وتبنها مدة طويلة , وهذا الإسقاط التاريخي يخدم الوقائع فالحملة الصليبية الأولى والثانية والثالثة , نهض لها العرب ومن معهم من المسلمين بقيادة نور الدين زنكي الغير عربي بالدفاع عنها ثم يأتي صلاح الدين الأيوبي الكردي بالذود عن مقدسات المسلمين وإجلاء الصليبيين , ونعرّج على خطاب الأحمق بوش الصغير التي ذكر بأن الحرب صليبية وهو بالطبع يقصد , ولو كان غير ذلك لقال حربا إقليمية .

إن بروز القومية العربية كان فقط وقت الحروب والفتن , لتختفي وتنام بيات الشتاء عند انتهائها , ولهذا نقول إن العرب يتمسكون بأي شيء يحاربون تحت لوائه فكانت الهزائم تتوالى على العرب بينما هم يبحثون وما يزالون يبحثون عن باقي روابط القومية , بينما الرابط القوي الآخر يتواجد بكينونة كل قلب فرد .

نشبت حرب حزيران 1967 في قمة ازدهار القومية العربية , وكانت الخسائر المخجلة والفاضحة التي مني بها العرب رغم مظاهر العزة والقوة تحت مظلة القومية العربية , لهذا كانت انتكاسة القومية العربية ونهايتها أول نتائج حرب حزيران , ثم كانت حرب تشرين 1973 بعد انحسار التيار العاتي للقومية العربية وظهور الصحوة الإسلامية , فكان انتصار أكتوبر رغم أن القوة كانت أقل, لكن شعاراتها كانت تختلف , فكان شعارها الطاغي في وطيسها شعار الله أكبر .

إن القومية العربية كانت ضرورة حتمية فرضتها ظروف الانتماء ولكن بشكل لا ينفي أو يتعارض من رابط الإسلام الأقوى .

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية