موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

حول ترجمة شعر عبري حديث إلى العربية

 مقال أ. د. حسيب شحادة - حول ترجمة شعر عبري حديث إلى العربية

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

אדוות, שירים שאהבתיבתרגום ערבי. مدارات، قصائد ترجمتها - تلك التي أحببتها. ספרא בית ההוצאה לאור של איגוד כללי של סופרים בישראל. 2005, 85 עמ’.
بين دفّتي هذا الكتيّب خمس وعشرون قصيدة عبرية حديثة، ومقابل كل واحدة منها ترجمتُها للعربية بقلم الدكتور الشاعر فاروق مواسي. سبع عشرة قصيدة تحت عنوان “أشعار هذه الأيام” في الجزء الأول (ص. ٦-٥٧) وثماني قصائد تحت العنوان “قصائد سابقة” في القسم الثاني (ص. ٦٠-٨١)، وهي من نظم تسعة عشر شاعرا وشاعرة من اليهود، خمسة عشر شاعرا وأربع شاعرات. وهؤلاء الشعراء هم ليئور شطرنبرج (بن غوريون) ويوسف عوزر وروني سوميك ودڤورا أمير ودالية رابيكوفتش وأهرون شبتاي وأريه سيڤان ويتسحاق ليئور وطال نيتسان ومئير فيزلتر ومكسيم چيلان وطوبيا ريبنر ورامي ديتسني ومي طال ندلر/نور وحاييم نحمان بيالك ويهودا عميحاي ونتان زاخ وآشر رايخ ويوسي سريد.
    
وهناك في ذيل الكتيّب تراجم موجزة جدا لهؤلاء الشعراء باستثناء اثنين، شطرنبرچ وريبنر، ولا ذكر لسبب ذلك. شطرنبرچ ولد في بيتح تكڤا (الملبّس) عام ١٩٦٧، يعيش في القدس ويعمل مدرّسا للأدب العبري في مدرسة ثانوية هناك؛ يحمل شهادة الماجستير في الأدب العام المقارن من الجامعة العبرية. في رصيده حتى الآن سبعة كتب، منها عدة دواوين شعرية، حاز هذا العام على جائزة نتان يونتان في الشعر العبري. ومن جهة أخرى، نرى أن البروفيسور المتقاعد، طوڤيا ريڤنر؛ ولد عام ١٩٢٤ في سلوڤاكيا وقدم إلى البلاد، فلسطين، عام ١٩٤١، وله شعر بالألمانية، لغة أمّه، وبالعبرية. إنه عضو في كيبوتس مرحاڤيا، وقد وصل إلى لقب الأستاذية نتيجة لجهوده الشخصية الخاصة، دون الانخراط في الدراسة الجامعية كما هي العادة في الغالب الأعمّ. صدرت له مؤخرا سيرته بالعبرية “حياة طويلة قصيرة” وهو عضو في الأكاديمية الألمانية في اللغة والأدب.
    
معظم الشعراء المذكورين آنفاً طاعنين في السن وشبابا وُلدوا في البلاد والباقي يتحدّر من أصول عراقية وروسية وفرنسية وأوكرانية وألمانية.  تيمات هذه القصائد التي أحبّها المترجم فاختارها تدور مثلا حول العلاقة بين اليهود والعرب، لا سيما في عهد الاحتلال؛ العلاقة مع الآخر؛ أمّ حامل والجنين ميّت؛ تهليلة أمّ؛ عربي يموت حرقا؛ الحبّ؛ بعث الموتى؛ القدس (في الأصل: أورشليم!). تقول دڤورا أمير، الحائزة على جائزة رئيس الحكومة للكتّاب عام ٢٠٠٦:
مَن يُحدث نَدَبةً في بيت إنسان - يُحدث، في آخر المطاف، نَدَبة في عينيه هو.
مَن يقتلع بيتَ إنسان - يقتلع، في النهاية، روحَه هو” ص. ١٥.
يختتم الشاعر (ومهندس الإلكنرونيات والمرشد السياحي) رامي ديتسني، قصيدته عن بناء الوطن بهذين البيتين المعبّرين:
بانون، أبناء عمومة مُبغِضون، يبنون
أرضَ إسرائيل الكبرى خاصّتنا، يبنون” (أنظر ص. ٥١).  النص العبري، الأصل، مشكّل (التشكيل سليم باستثناء بعض الهفوات مثل ظهور سكون لا داعي له في آخر الكلمة، ص. ٦٢؛ إضافة شدّة في ميم הַזְמַּן ص. ٦٤، نقصان الشدة בָעיר ص. ٦٦، زيادة شدّة في غير محلها في אֵינָּם ص. ٦٨) كما هي العادة المألوفة في الشعر، أما الترجمة العربية فهي غير مشكولة وخيرا صنع المترجم، إذ أن الحركات والسكون والشدة وهمزة الوصل والمدّ، تعيق، في تقديري، عملية القراءة وتشوّش ناظري القارىء المتمكن من اللغة. ومع هذا نرى وجوب إضافة بعض الحركات في حالات معيّنة درءا للالتباس أو تيسيرا للقراءة كما في “استُحضرت” ص. ٧، “سارةُ”، “لم يُر” ص. ٩، “سُلخن” ص. ١٥، “والعَجُز” ص. ١٧، “مُلْقَوْنَ” ص. ٢٩، “يُوبَّخُ” ص. ٣٩، يدَّعي” ص. ٤٧، “مُضاء” ص. ٦٧. من اللافت للنظر ندرة الأخطاء الطباعية أو اللغوية، أنظر في ص. ٧،  ١١، ١٣، ١٥، ٢٧، ٢٩، ٣٣، ٤٧، ٥١، ٥٧، ٦٧، ٧٩، ٨٢، ٨٣، ٨٤.
    
لا يُضيف الباحث شيئا جديدا ذا بال إذا ما قال إن الترجمة هي علم وفن وصناعة في الوقت ذاته. وكان “أبو المترجمين/النقلة” في العصور الوسطى من العربية للعبرية، يهودا بن شاؤول ابن تيبون (١١٢٠-١١٩٠) قد ذهب إلى أن المترجم البارع لا بد له من أن يكون ذا:
أ) سيطرة تامة على لغة الأصل (المترجَم منها).
ب)  سيطرة مماثلة على لغة الهدف (المترجَم إليها).
جـ) التمكن من المادة المترجمة.
    
قراءة متمعنة لهذا الكتيب אדוות - مدارات (ربما كان من الأفضل ترجمتها بـتموّجات”) تُظهر أن المترجم، الأديب الدكتور فاروق مواسي، يجمع في شخصه وثقافته هذه الشروط الثلاثة، الواجب توفرها في المترجم الناجح. زد إلى ذلك توخيه الأمانة في النقل حتى ولو كان ذلك على حساب جمال اللغة والأسلوب في بعض الحالات. هذا لا يعني أبدا اللجوء إلى الترجمة شبه الحرفية من حيث ترتيبُ كلمات الجملة. إنّ لبّ الترجمة الحقة يتمثّل بنقل المعنى المعبّر عنه في لغة الأصل إلى لغة الهدف بشكل أمين، واضح وسلس وكأن النص كُتب أصلا بهذه اللغة. نشدد على و”كأن” لأن كل ترجمة مهما علت درجة اتقانها، ليس بوسعها تقديم الأصل بذات الدقة والرونق والإيقاع في الشعر خاصة، إلا في القليل النادر.
    
يجد الدارس الجادّ في ترجمة القصائد المذكورة بعض حالات سوء الفهم للأصل العبري، جلّ من لا يسهو، مثل: اللفظة נוּגֶה في العبارة זֶמֶר עַתּיק וְנוּגֶה (ص. ٢٠، ٢١) والتي تُرجمت: لحناً قديماً ومتوهجاً، والترجمة السليمة: لحنا (أو ترنيمة) قديما وحزينا (كئيبا). الأصل هو יגה القريب من “وجي” وليس נגהּ الذي يقابله تأثيليا “نقح” العربي، وينظر مثلا في مراثي إرمياء ١: ٤؛ גּידים (ص. ٢٦، ٢٧) إنها أقرب إلى “الأعصاب، الأوتار” من “العروق”؛ כְּתוֹבוֹת (ص. ٣٦، ٣٧) هي “عناوين” وليس “نقشا” إذ عندها لا بدّ من شدّة في الباء مسبوقة بحركة قصيرة لا طويلة في المقطع المغلق وفق قواعد التنقيط؛ שוּב (ص. ٤٢، ٤٣) معناه هنا عُد” وليس “مرة أخرى، ثانية”؛ גוּש (ص. ٥٠، ٥١) معناها في هذا السياق גוש של אֲדָמָהكتلة” (في لهجة كفرياسيف، لهجتي: كَدَفِة) وليس “قسيمة”، واللفظة وردت في العهد القديم وفي التلمود الفلسطيني، سفر أيوب ٥:٧ (في ترجمات العهد القديم للعربية نجد مثلا: حمأ، مَدَر)، نيداه ٥٠:٢؛ הַנִּדָּחוֹת (ص. ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣)، هذه اللفظة بهذا التشكيل مشتقة من السنخ נדח وليس من الجذر דחה، وعليه فالمعنى هو “النائية، البعيدة” وليس كما ورد في الترجمة “المردودة”؛ בְּמַרְתְּפֵי הַזְּמָן (ص. ٦٤، ٦٥)في أقبية/سراديب الزمن” وليس “في عتبات الزمن”، ويبدو أنه قد طرأ سهو أو بلبلة بين هذه الكلمة وشبيهتها الصوتية מפתן؛ הָרוּחַ הַזּוֹעֵף (ص. ٧٢، ٧٣) - ليس بالضبط الريح الهائج” بل “الريح المكفهر/المتجهّم”؛ צֹמֶת (ص. ٧٦، ٧٧) ترجمت خطأ هنا قمة” والمطلوب الصحيح كما ورد في الصفحة السابقة ٧٥، “مفرَق” أو “مفترَق”، ومن الواضح أن الخلط بين צמת, צמרת هو سبب الوقوع في هذه الزلة. ويحضرني في هذا السياق تفكير عن كيفية نقل ועד בכלל  (أنظر ص. ٧٧) إلى العربية و”حتّى” وما بعدها من إعراب والمعنى المقصود، أداة آبتداء/استئناف؛ عطف وجرّ.
ويلاحَظ أيضا عدم ترجمة بعض الأسطر (ص. ٢٦-٢٧)، وضع سطر في غير محله (ص. ٣٣ س. أول ومكانه في نهاية الصفحة السابقة)؛ بلبلة في ترتيب الأسطر (ص. ٤٤، ٤٥) وسهو في وضع “المائة” بدلا من المائتين” في ص. ٣١، תַּחְתִּית שֶל אֲגַם גּוֹוֵעַقعر بحيرة/أجمة محتضرة” بدلا من “قعر بحيرة متضوّر” (ص. ١٥) فالصفة عائدة إلى المبتدأ ومعنى اسم الفاعل في هذه العبارة “يُسلم الروح، يلفظ أنفاسه الأخيرة، يُحتضر” وليس “الجوع والتضوّر” رغم ما في التأثيل بين اللغتين من وضوح في هذا الجزئية. ونعتقد أن المقابل “كامل، مائة بالمائة” أقرب إلى “גמוּר’’ من ”جدا”؛ ص. ١٨، ١٩؛ و”سفاح/سفّاك” تقابل “מְרַצֵּחַ’’ أصحّ من ”قاتل” ص. ٤٠-٤١؛ “فوق الكفاية” ترجمة موفقة للعبارة العبرية الشائعة والشائكة أحيانا “יותר מֵדַּי’’، إذ أن “أكثر مما يجب” تحيد عن الدقة المطلوبة.  لم أدر لماذا تُرجمت “תרועה’’ التي تعني ”الهتاف، الدويّ الخ.” بالكلمة “قطعة” ص. ٧٨-٧٩ و טילי שיּוט والترجمة العربية “وأزرار التقديف”!.
 
عبارة עָרֵי הַמִּסְכְּנוֹת (ص. ٥٢) تُرجمت بـ“المدن الثريّة” (ص.٥٣). وردت هذه العبارة في بضعة مواضع في كتاب العهد القديم مثل سفر الخروج ١: ١١؛ سفر الملوك الأول ٩: ١٩؛ سفر أخبار الأيام الثاني ٨: ٦، ١٦: ٤، ٣٢: ٢٨، وقد تُرجمت بـ“مدن محصّنة” في الترجمة السبعينية، أي الترجمة اليونانية للعهد القديم العائدة إلى القرن الثالث ولغاية القرن الأول قبل الميلاد.  وفي الترجمات الآرامية والعربية، تفسير أبي سعيد الفيومي (المعروف برساچ، ربّي سعاديا چئون، ٨٨٢-٩٤٢م) والترجمات العربية المسيحية في العصر الحديث بهذه العبارات: مدينتي حزن، مدن لخزن المونة، مدينتي مخازن، قرى مخازن، مدن الخباء. نشير إلى أن ترجمة السامريين لهذه العبارة بـ”مدن مسكونة/مساكن” قد جانبت الصواب، كما سنرى حالا وبإيجاز. يبدو أن أصل اللفظة “הַמִּסְכְּנוֹת’’ المذكورة, هو أكادي ودخل اللغة العبرية عبر اللفظة الأشورية ”مشكنتي” وتعني “البيادر، مخازن الحبوب”, وصيغة المفرد منها هي “مشكانو”. وفي العهد التوراتي بنيت مثل هذه المدن، فيثوم ورعمسيس، لتخزين المؤونة والسلاح والذخائر لفترات الحروب والقحط والمجاعة، وعمل في بنائها عمال بسطاء بأجور زهيدة جدا ومن هنا تطور مفهوم “المسكين” في العبرية والعربية.
    
من سمات الترجمة في هذا المقتطف جنوح واضح نحو النقل الحرفي، كما تظهر هذه العينة من الأمثلة: “صندوق المرضى، من سنوات الخمسينيات، أجزاء، صرخ، يتمدد كالجورب، تتمشى أمّ مع طفل ميّت في البطن، تغني، مكسور، ليس لهذا تشبيه، قشرت ملابسه، هو أقات اللهيب، المصنوع، مكسورة، الهواء، يد قاسية، قلب صلد، ينقصه الذوق، مع ملاحظات ربط، يبيض، (ص. ٧، ١١، ١٣، ١٧، ٢١، ٢٧، ٣١، ٤١، ٤٣، ٧٣).
باستثناء عبارة ”صندوق المرضى” المقترضة من العبرية (calque, loantranslation) والشائعة في عربية البلاد المكتوبة، وقد يكون من الأفضل استخدام هذه الألفاظ بدلا من تلك المذكورة: من الخمسينيات، أعضاء، أطلق، يتمدد كمطاط الجورب، تتمشى أُمّ وطفل ميّت في البطن، تهلل/ترّنم، منهار/محطّم، لا مثيلَ لهذا، نزعت/خلعت ملابسه، كان وقود الحريق، المكوّن، مكسّرة/متكسّرة، الفضاء، يد شديدة/حديدية، بلا نضرة، مشفوع بملاحظات ذات صلة، يشيب”.

تمتّعت بقراءة، بل بدراسة هذه المقتطفات من الشعر العبري الحديث، وبترجمته العربية، لما أثارت بي هذه القراءة من تفكير ونبش في موضوع قريب من قلبي، هاتين اللغتين الساميتين وثقافتيهما، وفي فنّ الترجمة الذي قلّما يعرف الكمال في مجال الأدب ولا سيما في الشعر.
في تقديري مثل هذه الكتيبات تصلح في تدريس علم الترجمة بين العربية والعبرية في المرحلة الثانوية والجامعية شريطة أن يكون الأستاذ ضليعا في كلتا اللغتين نظريا وتطبيقيا. وللتمثيل إليك أيها القارىء هاتين الترجمتين وينظر في الأصل ص. ٤٦-٤٩ :

هه، ليت الظلمة تغطي أعيننا!
إلى أين نهرب من صوت قلبنا الذي يدعى:
أليست أيدينا هي التي سفكت دماءنا!
إلى أين نهرب أيضاً من وجوهنا؟

آه، يا ليت الظلام يكسو عيونَنا
إلى أين المفرُّ من نداء قلبنا الداعي
ها هي أيدينا سفكت دمَنا
إلى أين المناص من وجوهنا

القلب جدب. الدم القذر يشرق.
أنتِ، أنا، أنتَ.
ما فعلناه حتى الإله واسع المغفرة لن يغفره.
والمذعورون يتراكضون  في مدينة الهلع.

القلب جافٌُ. والدم الملوّثُ يُشرق.
أنتِ، أنا، أنتَ.
ما فعلناه حتى إلاه عظيم الرحمة لا يغفر.
ومذهولين نتراكض في مدينة الفزع.

 

* أ. د. حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية