موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

حضارة التسميات

 مقال فوزي ناصر - حضارة التسميات

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

إن الاسم ،أي اسم، لأي مكان، لم يأت من فراغ ،إنما من ظاهرة أو شخص أو حكاية أو إيمان .وما تعدد التسميات إلا دليل على تتابع الشعوب وتعدد الحضارات واللغات،وكما أن الحضارات تراكمية والتلال الأثرية تراكمية، كذا الأسماء. وكما لا يحق لأحد، أخلاقيا وإنسانيا وتاريخيا أن يمحو الحضارات المتراكمة، لا يحق له أن يمحو أسماء إن دلت على شيء إنما تدل على بعض من تاريخ المكان وحضارته وهويته.

لم يكن العرب أول الشعوب التي استوطنت فلسطين ، لكنهم رأوا في الحضارات السابقة لبنة لبناء حضارتهم فاستعادوا التسميات القديمة ، ما راق لهم منها،فسموا فلسطين باسمها وعكا باسمها ويافا باسمها ، ولم يجدوا حرجا في تعريب العديد من الأسماء كما وضعوا أسماء جديدة لم تكن معروفة من قبل ، لكنهم في كل الحالات رأوا في فلسطين كنزا ثقافيا وحضاريا تراكميا يجب الحفاظ عليه.

ويأتي القرن العشرون شاهدا على حمل عسير وولادة عسيرة ، ولدت دولة إسرائيل التي ادعى مقيموها ويدعي مكملو طريقهم أنهم أصحاب الحق الشرعي الوحيدون في فلسطين التي أسموها ارض إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب أبو الأسباط ، ذلك ليثبتوا أنهم يرثون ارض أجدادهم التي وعدهم بها الله ، وان وعد الله حق!

نسوا أو تناسوا أن شعوبا كثيرة سبقت وشعوبا كثيرة لحقت وأخرى آتية. جاءوا باليهود أو المتهودين أو مدعي اليهودية كي يعيدوا للوطن مجده الغابر!! فكان الطرد والقتل والسلب،

و.... وبقي من بقي من العرب فوق أرضهم ليحافظوا على بقاء هويتهم وانتمائهم وظلوا يسمون الطور باسمه ومسكنة باسمها والبقيعة باسمها ، وبقيت مصمص وكفر كنا وحرفيش ، وبقيت لغة العرب تتناقلها الأجيال والصحف والكتب، وبقيت رائحة المجدرة في الطرقات ورائحة الزعتر والفلافل ، وبقي من يسمي مولوده جميلا أو خليلا أو محمدا أو سالما ، وبقيت الاوف والعتابا وأبو الزلف ، وبقيت الدبكة الشمالية والشعراوية.

بقينا ليبقى كل هذا وأكثر مدماكا حضاريا آخر كتلك المداميك التي سبقت ، والتي لم يمحها احد ولن يقدر على محوها احد!

وتأتي اختراعات جديدة من ليبرمان وتابعه كاتس ومن لف لفهما، تلك الاختراعات التي لا تمت للإنسانية بصلة ولا للتاريخ بصلة ولا للحضارة بصلة ولا للعلم بصلة ولا تمت للمنطق بصلة ،بل مادتها حقد وكراهية.

لن يقدر هؤلاء على تغيير ما صنعته البشرية والطبيعة ، من حقهم أن يقولوا ابلين لكنها ستبقى اعبلين كما تبقى شفاعمرو والمغار عامرة بأهلها حاملة لاسمها.

لن يقدر هؤلاء على محو السريس والعبهر والحور والسنديان ولن يقدروا على محو أنيس وساهر وسلمان وفارس وعلي ، ولن يقدروا على محو يا طلت خيلنا من وادي عارة ولا قطعن النصراويات مرج ابن عامر، ولن يقدروا على محو أدب فلسطين وأدباء فلسطين، فن فلسدين وفناني فلسطين، لن يقدروا على محو ذاكرتنا.

قد يفنى مجتمع كالمجتمع الفلسطي أو النبطي أو البيزنطي ، لكن الأرض حافظة والناس الذين فوقها حافظون بعض تراث وحضارة تلك المجتمعات ، ما زال فينا بعض منها ، شئنا أم أبينا! وسيبقى الموروث ما بقي البشر.

 

فوزي ناصر: كاتب ومرشد سياحي  في معالم الوطن الفلسطيني - الناصرة

 

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية