موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

ما بين الوضوح والغموض في الشعر

 مقال كمال ابراهيم - ما بين الوضوح والغموض في الشعر

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

     من الأمور التي لا تبشر خيرا تزايد الأصوات الشعرية التي تتبع نهجا يضفي على قصيدتنا ثوبا من الغموض الزائد أو قل الابهام المفرط . وأصحاب هذا النهج بلغت بهم السذاجة الى حد أن بعضا منهم يتهمون الشعراء الذين يتبعون الوضوح مسلكا في شعرهم بالمتتأزمين وبالتالي يقللون من أهمية أشعارهم .

     ولهؤلاء أقول لو كان الغموض وحده هو الذي يجعل النص شعرا ، أو لو كان الابهام هو الذي يكسب النص الشعري جمالا لما كنا وجدنا شعراء يشار لهم بالبيان ، مارسوا السهل الممتنع فلمعوا وبرزوا أكثر من غيرهم .

      والسهل الممتنع أسلوب أدبي وشكل من أشكال الكتابة عرفه العرب والأجانب في الماضي والحاضر . ومن الأدباء العرب الذين عرفوا بهذا الأسلوب الجاحظ قديما ومحمد الماغوط ونزار قباني ومنصور الرحباني في العصر الحديث .

    ويكفي منصور الرحباني الذي اتخذ من الوضوح في الشعر نهجا سار عليه ، يكفيه أنه يعتبر العلامة الفارقة في الفن والثقافة العربية ، وهو الذي ترك لنا المجموعات الشعرية الرائعة : أنا الغريب الاّخر و القصور المائية و أسافر وحدي ملكا .هذه المجموعات كتبت بلغة شعرية صافية ومناخ تعبيري رفيع .

    ومنصور الرحباني حين يكتب الحب والطبيعة والموت بلغة واضحة تحسه وكأنه ينحدر لون نشيد الأناشيد ... ويقول

اصعدي الى الأعالي فالينابيع اّتية على السحب ، ومكتملة الشهوات أنت . .

    ويمكن القول عن قصائد ديوان أسافر وحدي ملكا بأنها كتبت بلغة هادئة بل تكاد تكون مشتقة من العامية البسيطة أكثر مما هي مشتقة من بلاغة الفصحى – لغة بسيطة كالماء في انسيابه وشفافيته .

   وممن عرفوا بأسلوبهم السهل الممتنع من الأجانب الكاتب النيجيري وول سوينكا الذي ألف أعماله الأدبية بالانجليزية وحاز على جائزة نوبل للاّداب سنة 1986 . فبالاضافة الى سهولة وامتناع أسلوبه في الكتابة تتميز بعض مؤلفاته النثرية بروح البساطة والسذاجة والفطرة التي يمكن اعتبارها من مكونات الشخصية الافريقية . ويبدو أن الافريقي الذي يعيش في اتصال مباشر مع الطبيعة وفي تناغم معها يحافظ على البساطة .

    ولا شك أن الظروف التي تكتب فيها القصيدة تلعب دورا هاما في تحديد أسلوبها ، فلو كتب الشاعر عن الحرب مثلا وما تسببه من كوارث وويلات تجعل من المبدع نفسه أو الشاعر بعيدا عن التمويه وبعيدا عن الدخول وسط نفق القناع ويتخذ منهجا واضحا ضد الحرب وضد الجرائم التي تنتج عنها .   

    أرجو أن لا يفهم من كلامي أني أعبد الوضوح المباشر في الشعر بل اني أميل الى القول ان جمالية الشعر في جعله يتميز عن الكلام العادي بسحر الكلمة وعذوبة المعنى وقد قيل ان من البيان لسحرا.

  وفي نفس الوقت على الشعر أن يبتعد عن الغموض الذي يجعله مبهما وغير مفهوم في لغة العصر فيسيطر ذلك الغموض أو الابهام كليا على فهم القاريء  وتصبح التعابير طلاسم تغيب المعنى المراد. وأنا أشجب كليا هنا نظرية الشاعر الفرنسي فيرلين في دراسته المشهورة الشعراء الملعونون التي طرح فيها فكرة الجمال ضد الوضوح .

 

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية