موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

عولمة للتنوير .. وعلموية للتخلف !!

 مقال د. ميرا جميل - عولمة للتنوير .. وعلموية للتخلف !!

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

النقاش حول العلمانية ، ورديفها ، توأمها.. العولمة ،  في الفكر العربي ينحرف نحو ربط الظاهرة بالدين ، او بالخطر على الهوية ( أي هوية ؟ ) وطمسها والغاء خصوصية المثقف العربي والثقافة العربية ، دون أن يقدم أي تفسير واضح وعقلاني حول هذه التبريرات . وهو منهج ليس جديدا على المجتمعات العربية والاسلامية. وما يثير الاستهجان ، ليس الربط بحد ذاته ، انما الفهم الخاطئ  بأن كل عملية تنطوي على احداث نقلة نوعية في حياة المواطن العربي ورفاهيته ، واقتصاديات المجتمعات العربية ورقيها العلمي والتكنلوجي، تُرفض عشوائيا وبانغلاق ،حتى لو كان جوهرها يتماثل مع التجارب الانسانية لمختلف الشعوب.

الدفاع عن رفض  العولمة والعلمانية ينطلق من أن الغرب يحاول التذرع بها في مسعاه للسيطرة على العالم وفرض النظام العالمي الجديد أو فرض طروحات ثقافة العولمةورديفها العلمانية بالقوة .

هل طرح المعارضين معنى ثقافة العولمة ؟ تأثيرها على الاقتصاد والرقي العلمي والحضاري ..؟

هل قارنوا بين واقع الانسان في الأنظمة التي تعتبر جزءا من العولمة ، والانسان العربي في مجتمعاتنا ؟ هل سأل الرافضين انفسهم لماذا نحن نركض  للحصول على منجزات العولمة  في الوقت الذي نذم فيه العولمة ، بأدوات انتجتها ن ولم نعد قادرين على الحياة والنشاط  بدونها ؟

بعض المتثاقفين يتذرعون بالسلوك الاجتماعي  في رفض العولمة ، هل سلوكنا الاجتماعي أكثر رقيا من سلوك العلمانيين او مروجي العولمة؟

ما هي مميزات سلوكنا الاجتماعي ؟

اذا بدأت في اعطاء نماذج منورة لسلوكنا الاجتماعي ، سأتهم بأني عدوة لشعبي وثقافتي ونفسي !!

عشرات أنواع من الزواج .. من زواج المسيار الى زواج المتعة الى زواج الفرند الى زواج السياحة ، والقائمة طويلة ... هل هذا سلوك اجتماعي نفاخر به أم زنا ؟

هل اضطهاد المرأة واعتبارها ضلعا قاصرا ، ومجرد بضاعة يملكها رجلها ، واخضاعها لمحرم  لا تحرك لها بدونه ،  هو  سلوك اجتماعي يجب حمايته من العولمة؟

هل حرمان شعوبنا العربية من حقوقها الدمقراطية ، وابقاء نسب كبيرة من الأجيال الناشئة  خارج المدارس ، وغياب الفصل بين السلطات واستشراء الفساد ، هو سلوك اجتماعي ننافس به فكر العولمة؟

هل استمرارالحديث عن العلاج بالحجامة وبول الإبل وحبة البركة ، هو سلوك اجتماعي وعلمي ، نتفوق فيه على دول العولمة ، حيث يعالجون بالهندسة الوراثية ويقرأون الخريطة الجينية؟

 ما زلنا  حتى هذه اللحظة غير متفقين على تحديد بدايات الشهور الهجرية فلكياً بينما هم يهبطون على سطح القمر ويرتادون المريخ ويراقبون دبة النملة من خلال أقمارهم الصناعية.

واذا عجزوا عن محاورتك يلجأون لهرطقات الاعجاز العلمي في القرآن ، التي سبق وأن تناولتها في السابق.ويجيئني الحوار الذي خاضته الكاتبة والمفكرة الاسلامية المصرية الجريئة الدكتورة بنت الشاطئ ضد هرطقة مصطفى محمود ، على صفحات الأهرام في وقته ( سنوات السبعين ) ، حيث شبهت دعاة الإعجاز العلمي بالحواة  وأنهم نصابون متاجرون بمشاعر المسلمين المتعطشين لأى تفوق أو إنتصار علمي فى عصر هم فيه فى مؤخرة العالم . واليوم صارت الأهرام ساحة مفتوحة لدكتور الهرطقيين زغلول النجار !!

لا اتجاهل ان اليسار وقوى ثورية مختلفة ترفض العولمة من وجهة نظر فكرية ، وهي لا تلتقي مع وجهة النظر الدينية الاسلامية.بل وبين المعسكرين خطان متوازيان لا يلتقيان ( الا باذنه تعالى ، كما جاء في كتاب سعودي لتدريس الهندسة) . ومع ذلك ربما نتفهم معارضة اليسار الثوري في اوروبا للعولمة ، ونجد مسارات للحوار والتلاقي ، فهم لا يرفضون العلم ولا يدعون ان كتبهم المقدسة تشمل العلوم ، كما كان حال الكنيسة في العصور الوسطى .. حتى الامام محمدة عبدة حذر من هذه الهرطقة ، بقولة : ان في القرآن كل ما يلزم امور الدين وليس الدنيا.

والسؤال التلقائي حتى متى نبقى في أسر هذا التوجس  واضعين الدين حجر عثرة في طريق تغيير واقعنا المتردي من حضيض الى  حضيض أكثر قسوة؟

لن أدخل في نقاش حول صحة أو خطأ استعمال الدين كحاجز يمنع دخول العرب الى التاريخ الحديث .. ويحافظ عليهم خارج التاريخ البشري. هناك الكثير من الطروحات التي ترى المحفزات الحقيقية في الدين نحو طلب العلم والرقي .. حتى في دراسة معروف الرصافي لشخصية الرسول ودعوته أكد على ظاهرة مهمة جدا وعقلانية جدا وفيها الكثير الكثير من المنطق  ، بان الهدف لم يكن دينيا محضا ، انما احداث نهضة كبرى او موجة عربية كبرى تكون دينية اجتماعية سياسية وبناء الدولة العربية القوية ( كتاب: الشخصية المحمدية – معروف الرصافي / منشورات الجمل – المانيا – 2002 ) وعلية لم يفرض الاسلام على المسيحيين ( الضالين ) ولا حتى على المجوس ( عبدة النار ، الكفار ) .. لأن ما كان يهمه تحصيل الجزية لميزانية الدولة العربية الاسلامية.      

 

في البحث عن دوافع نشوء العولمة لا بد ان نلاحظ ان تطور الوعي البشري في القرون الأخيرة  ، أعطى البشرية أدوات وقدرات علمية وتكنلوجية ، ومساحات آخذة بالاتساع والتطور من الاتصالات ، ونهضة اقتصادية بنسب مرتفعة جدا سنويا.الأمر الذي اتاح للمرة الأولى تحقيق رفاهية كانت حلما بشريا في السابق. بالطبع ظلت الشعوب العربية محافظة على سلوكياتها الاجتماعية وتعاني من الجهل المنتشر والمتزايد ، والفقر المدقع والبطالة المدمرة.. والأنظمة القمعية ، وغياب نظام عربي دمقراطي ، واستمرار الحكم بقوانين طوارئ ، او بنزوات أجهزة السلطة التي باتت تتميز في معظم الوطن العربي ، بكونها سلطات قبلية عائلية دينية واستبدادية .

لا اريد ان يفهم كلامي ان الرفاهية أضحت حالة اجتماعية عامة في الغرب ، انما شملت أوساطا اجتماعية أكثر اتساعا وبازدياد دائم . ومقابلها نجد واقعا صعبا تعاني منه  الفئات العاملة والفقيرة .

 البعض يدعي ان الاستعمار هو سبب تخلف الشعوب ، ويتجاهلون ان الآستعمار كان من نصيب الدول المتخلفة ، ولم تستعمر أي دولة أو شعب متقدم اقتصاديا.ونحن نحافظ على موروثاتنا حتى لا تتناقض مع سلوكياتنا الاجتماعية .

رغم كل السلبيات التي رافقت هذه النهضة العلمية والتكنلوجية والاقتصادية ، فقد بدأت تطرح مفاهيم الحرية والمساواة لكل سكان كوكبنا الأرضي.

العولمة أعطت قوة هائلة للأفراد والمنظمات وأصحاب الرساميل ، وللسياسين التابعين لهم . وأضحت السياسة مرتبطة تماما برأس المال. وما يعنيه ذلك من قدرة المتمولين على تحويل السيء الى جيد والعكس صحيح. وعمليا دمغت الفكرة الانسانية للعولمة ، بظواهر فاسدة وتحريف في توجيهها الى  مضامين استغلالية وقمعية في الداخل والخارج.

ولكن هل يمكن النظر الى العولمة والحكم عليها ، حسب انعكاساتها ، وما تمثله هذه الانعكاسات على سائر سكان كوكبنا؟

العولمة التي انطلقت من ازدياد الوعي الانساني لا قيمة لها بدون استمرار تطور هذا الوعي ، واستمرار انعكاسه على النهضة العلمية والاقتصادية .

ان الرقي في مستوى الحياة ، ومستوى الخدمات هو الانعكاس الطبيعي لازدياد الوعي  ، ونشوء ما يسمى بدول الرفاه الاجتماعي في اوروربا ، هو نتيجة حتمية لاستحالة الاستمرار بالنهج الذي أعقب العولمة ( عصر الرأسمالية الأول ، وانتشار الاستعمار ).

هذا لا يعني ان الجميع يتمتع بنفس القدر من الرفاه . ولكن تطور الوعي يطور آليات تضع بيد المجتمع المدني قوة رقابية على حقوق الانسان ، وحقوق المواطن ، وتأميناته المختلفة.. الاجتماعية والصحية والخدماتية وحرياته الدمقراطية والثقافية والدينية والاثنية .

الانسان لم يعد هو نفسه ذلك الانسان  عديم المعرفة . التعليم ازداد نظرا لضروات تفرضها النهضة والتطور التقني والعلمي والاقتصادي والحاجة الى علماء ومهندسين وتقنيين واداريين ومبرمجين وموظفين .. الخ .

ان النضال ضد ازدياد الفجوات في الدخل بين الأغنياء وسائر الفئات الاجتماعية ، لم يعد نضالا طبقيا فقط ، بل هو نضال من أجل انقاذ المجتمع المدني من الفساد وما يشكلة من خطورة تزايد الفجوات في الدخل ومستوى الحياة على الواقع الاجتماعي والسياسي ، وهذا ما زال صحيحا حتى اليوم ، وهو في صميم الفكر الذي يطرحة معارضي العولمة .

ان العولمة التي نريدها هي عولمة عادلة ، تتمتع بثمارها الانسانية كلها.. وليس عددا ضئيلا من الأقوياء.

 

لا يمكن اتجاهل دمج العولمة بالعلمانية التي يفهمها الكثيرين خطأ بأنها لادينية. وترتبط العلمانية تاريخيا بعصر التنوير في أوروبا وتلعب العولمة اليوم  دورا أساسيّاً في المجتمع الغربي كمرجع اوّل لهيكلة الدولة، وينسب الكثير من الباحثين وبحق ، ان المبادئ و الأفكار الأولى التي مهّدت الطريق لعصر التنوير الأوروبي وللعلمانية في اوروربا ، تعود إلى فلسفة و كتابات ابن رشد الذي عمل على تكريس الفصل بين الفلسفة و الدين.

 

 العولمة والعلمانية

 

في العلاقة بين العلمانية والعولمة يوجد ارباك في اللغة العربية.

اولا ، لا بد ان نميز بين علماني ( من علم ) وتعني القدرة على حل جميع المشاكل وتطبيق الطرق العلمية في جميع حقول المعرفة البشرية ، يستطيع العلم ان يعطي الانسان فلسفة شاملة عن الحياة.

ثانيا ، علمانية ( من عالم ) وتعريفها أشمل وأقدم لأنها اقترنت بالعالم ، أي بالمحيط البشري المترامي في هذا الكون الواسع..

لا يمكن ان نتجاهل ان التعريفين متقاربان . العالمية تعني العلمية ، اذ بدون العلم لا تتحقق العالمية . والعلمية والعالمية عنصران متفاعلان في الانتصار للعلم ومقولات المنطق والعقل .

بالطبع هناك تعبير آخر اللائكية مشتق من نفس المصادر الكلاسيكية للعلمانية والعولمة، ويعني الناس غير الخاضعين للفكر الديني ( والقصد الفكر الكاثوليكي ) وهو مبدأ عقلاني بجوهره  يرفض تدخل الكنيسة في شؤون الدولة. ويدعو الى الفصل بين البعد الديني والقضاء الوضعي. وان الدين لا يهم الا صاحبه ، وكان الفيلسوف البريطاني برتراند راسل  من اللائكيين ، فكتب مفسرا: اللائكية هي ان يكون الانسان سيد لنفسه

اذن مفهومها لا يعني العداء للدين ، بل التحرر من الدين  وليس الغائه والحرية للدين .

العلمانية ، كما أسلفنا ..  جائت على صعيد عصر النهضة الاوروربي ، الذي قاد اوروبا بعيدا عن سيطرة الكهنوت الكنسي. ولكن  العلمانية لم تطرح نهاية الدين ، بل طرحت الحرية للدين والحرية من الدين.والدولة العلمانية لا تقمع المتدينين ، ولا تميز ضدهم ، بل تصون حقوقهم ربما أفضل من صونها لحقوق غير المتدينين . مثلا الدولة الفنلندية توفر الأموال لبناء المساجد في فنلندا. وهناك من يقول ان القانون العلماني يخدم الدين من تدخل الدولة ، كما هو الحال في القانون الأمريكي مثلا .( طبعا بغض النظر عن اشكاليات العمليات الارهابية وما جرته من مضايقات على المواطنين المسلمين وعلى الزوار المسلمين. )

يمكن اعتبار نظام هارون الرشيد وابنية الأمين والمأمون ، نوعا من العلمانية المبكرة ، فقد كان عصرا منفتحا على العلوم والنقل والترجمة والموسيقى والفلك والطب وغيرها. وساهم المسيحيون والفرس وابناء قوميات وديانات أخرى  في احداث نهضة علمية عربية اسلامية  واسعة . وحتى عندما احتج رجل دين على ترجمة كتاب ما يتناقض مع مباديء الدين امام الخليفة الأمين ، قال له الأمين: نترجمه ونقرأه ولا نعمل به .

المثير للملاحظة هنا ان الموسيقى كانت تعتبر في الاسلام من الفسق. ولكن فترة الرشيد والامين والمأمون شهدت نهضة موسيقية هائلة.بل وطور الأطباء العرب طريقة العلاج بالموسيقى كما فعل الرازي وابن سينا والخوارزمي وغيرهم ، وكانوا موسيقيين الى جانب كونهم أطباء.فهل كانت موسيقاهم نوع من الفسق ؟ وهل العلاج بالموسيقى الذي يعتبر اليوم من الاساليب الجديدة في العلاج  الطبي والنفسي هو أمر مرفوض دينيا ، لأن صيغة ما قيلت في ظروف لم تعد قائمة ؟

ما دمنا ضد العولمة لماذا نستعمل التلفاز ، والانترنت والبلفونات والتلفونات والفاكسات والطائرات والسيارات وكلها أدوات تطورت كانعكاس للنهضة وبدء عصر العلمانية  وما تلاها من ثورة صناعية ثم ثورات تكنلوجية وعلمية ؟

وهل سنظل نبحش في موروثاتنا لايجاد اشارة نجعل منها موضوعا يخدم ايماننا العلموي ؟

العلموية ليست اكتشافا جديدا ، وهي تعني ايمان غير علمي في جوهره ، يتوهم القدرة العلمية الخارقة  بذاته اولا وبقدرته على تأويل نصوص لم تطرح أصلا كنصوص علمية. لأن للعلم ميدانا خاصا في النشاط البشري ، ومحكوم بصيغة اجتماعية.

لا بد اليوم من نهج تنويري في كل مجالات حياتنا . لا يمكن الاستمرار بالانغلاق في أي فكر كان ، لأن الانغلاق يعني الموت البطيء.

 

د. ميرا جميل – باحثة اجتماعية وكاتبة - نيقوسيا

 

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية