موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

مزيداً من الحصار ومزيد

 مقال جاكلين صالح أبو طعيمة - مزيداً من الحصار ومزيد

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

مزيداً من الحصار ومزيد ، لم أختر هذه الكلمات عنواناً لي ولكنها أجبرتني، مزيداً من الحصار ومزيد، وظن أولئك أن حصارهم يثنينا، وظنوا أنه يؤلمنا، وفي النهاية ظنوا أنه يقتلنا، هكذا سمعتها... الحاج حامد صاحب المفتاح القديم الذي نحت الزمن ظلمه عليه فأسكنه لون الصدأ، يُحدِث وهو يبتسم حصار ... مزيداً من الحصار ... ربما في البداية لم أفهم كلماته... لم أدرك مدلولاً لتفوهات الحاج حامد، وظننت أنها أعراض الكبر .. مضيت وأنا أظن أنه قد ضاعت به الذاكرة ولم يعد يعي ما يقول ...

المخيم مكتظ بالناس .. وعلى مقربة منه سوق المخيم كذلك مليء بالباعة والمتجولون والخضروات الطازجة والتي باتت يوم أو اثنين... صور اللاجئين في عيني تتوارد، وأصوات المارة تتتابع ... لا تخلو الأحاديث من كلمة حصار هنا وهناك ... حصار حصار حصار، لَكَم هي مزعجة تلك الكلمة حين تتردد في كل مكان وكأن اللغة قد خلت وخابت حتى لم يبق للناس كلمة سواها، وقد ظننت أني سأقول للسائق الذي سيقلني إلى الجانب الآخر من المخيم أريد أن أذهب إلى حصار..

والمفارقة العجيبة حين ركبت السيارة لأستريح قليلاً من الاستخدام المتواصل لهذه الكلمة وجدت طالب في الثانوية يقول لزميله الآخر هل تعرف أن كلمة سياج التي نستخدمها لنعبر بها عن السور أو الحويطة أصلها إنجليزية وتعني حصار، إنها تلفظ سيج، ويؤكد زميله المتسغرب ستمر هذه الكلمة في امتحان الثانوية العامة فكيف ينسى المحاصر الذي وضع الامتحان كلمة حصار، وقتها فقط شعرت بأن الحرارة تعلو حتى أن رأسي تصاعد منها الدخان اللامرئي، وبدأت صور المخيم تتقارب وتتباعد الطريق ليس بعيداً ولكني آثرت السيارة على المشي، كانت علامات الحصار في كل مكان والبضاعة المهربة عبر الأنفاق تزين الدوار الرئيسي في المخيم، وتزداد الصور وتنقص حتى وصلت فوقفت بي السيارة حيث أريد.

يستقبلني الراديو بصوت إحدى المذيعين المميزين في الشق الآخر من الوطن وهو يفسر الحصار وكيف أتى وأين سيذهب بنا ، لم أحتمل أكثر أغلقته بعنف ورشقت وجهي بقليل من الماء لأتخلص من كابوس تلك الكلمة...

نمت ليلة طويلة والحصار يمزقني، يمنعني من التنفس كان يختلج أحلامي يستبيح حرمتها، وانتظرت حتى جاء الصباح.

كان المخيم مزهراً لونه بيض الشتاء، تتغلله رائحة الفقر والجوع، لم تمر اليوم أيضاً سيارة الغاز التي تزعجني كل صباح، وكذلك سيارة المياه المعدنية لم تأتِ أيضاً، وأصوات السيارات لا أسمع لها صدىً ماذا يا ترى هل انتقل المخيم لمنطقة أخرى لا أعرفها... لم أستغرب الفكرة فكل يوم في المخيم حكايات جدد وكلها أغرب من التصديق.

وقتها اشتد الحصار، منعوا الكهرباء، قطعوا الماء، سمموا الهواء، أغلقوا كل المعابر، مزقوا شقي الوطن وقسموه، وألقوا بقذائف الرعب هنا وهناك... وظنوا أني لم أعد أحتمل شدة الحصار، لم يكن في البيت غاز ولا ماء ولا كهرباء، لا سبيل لوجبة إفطار مهما كان، باغتتني ابتسامات الحاج حامد وهو يقول مزيداً من الحصار، فقلت بصوت عالٍ مزيداً من الحصار، وجمعت أوراق قديمة لم أكن بحاجتها وبعض الأخشاب المتناثرة هنا وهناك وقلن بلاستيكي أصفر تسلمنا فيه مؤن الوكالة، وأشعلت النار في وسط البيت الصغير، امتلأ البيت دخان أبيض، نسيت النار وتأملت ذلك الدخان كان مليئاً بالحب، كان الدفء صفته والأمان غالباً عليه، وقتها ابتسمت أكثر وقلت خلف الله على الحصار الذي جعلني أشعر ولو لمرة بالأمان، وطهونا وخبزنا وصنعنا خبزاً وزعتر، وشربنا شاياً برائحة النار ما كان أشهاه، وتسامرنا وضحكنا في النهار، وخرجت حيث يسكن الحاج حامد وكان قد بدأ بإشعال ناره هو أيضاً، الآن عرفت لماذا يعيش الحاج حامد كل هذا العمر إنه يشعر بالحب والحب يعطيه من العمر الكثير، ليمد الله في عمر ذلك العجوز، لم أجلس جواره ولم أحدثه ولكن وقفت أنظره من بعيد أرقب رأسه وهي تهتز يمنةً ويسرى، في كل مرة كان يميل برأسه كان يزيدني إصراراً على البقاء، كل إيماءة من جسده القديم كانت تدفعني للمزيد من العزم، تمد إلي أشرعة من النور لأستمر وأبقى ... الحصار لم يثنيه ولم يفنيه، الحاج حامد شاهد النكبة الأولى حين كان ابن ستة أعوام ولا زال يذكرها تماماً ويحدث بها الجميع، قصة لم يسأم أن يكررها ألف ألف ألف مرة، وأنا لم أسأم يوماً من متابعته من بعيد في أي وقت تأخذني الأقدار هناك للجانب البعيد من المخيم.

كل يوم يشتد حصار ويزداد حصار ويغلق معبر ويقفل منفذ، والفلسطينيون يتعايشون ويصمدون، يتكيفون ويستمرون، لا يثنيهم قطع الماء أو الكهرباء، أصبح ذلك سيان، يمنعوا من السفر ويموتون على أسرة المشافي التي خلت من الحياة ويعيشون، لا يصرخون ولا يفقدوا الأمل، كلما اشتدت عليهم الأمور قسوة يعيشون، أثبتوا للجميع أنهم بحق يستحقون الحياة، فتعلمت كيف أكون فلسطينية حقاً ، تعلمت كيف أثبت مثل الحاج حامد وقصصه ومفتاحه، تعلمت كيف أكون لأستمر، وتعلمت أن أحتضن القضية في قلبي وأكتب لها بقلمي وأشرح عنها بلساني، تعلمت الصمود من فقر المخيم، من الثكالى في كل مكان، من الصغار الذين عجنوا بماء الثورة والقضية فجُبِلوا أحسن ما خلق الله...

ومن الحصار تعلمت كيف أكون، الحصار صقلني علمني أسسني من جديد، الحصار زادني قوة .. عزما، الآن فقط لم يعد لكلمة حصار وجود في حياة المخيم، لأنه أصر أن يبقى ويناضل حتى ينتفي هنا ويعود لأرضه هناك حيث الأرض المحتلة، في كل مرة كان يصر المخيم على الصمود، كانت تزداد في قلبي وعقلي ووجداني آلاف الآيات من الصبر وشدة العزم.

وبينما أنا هكذا بين الصمود والقوة والتحدي والإصرار، تباغتني أصوات عالية من عرس لاجئ في المخيم، لقد غسله أصدقائه ليقابل عروسه وينجب منها ألف صمود جديد وبقاء حتى تصبح سمته الخلود...

هنا نظرت للأفق بعيداً وأغمضت عيني وابتسمت ... وتذكرت ابتسامة الحاج حامد وهو يقول مزيداً من الحصار ومزيد ... فمضيت....

- رفح – الحدود الفلسطينية المصرية

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية