موقع بيتنا

الرئيسية - مقالات-

هنيئاً لك يا غزة بالإعمار

 مقال جاكلين صالح أبو طعيمة - هنيئاً لك يا غزة بالإعمار

 

المقالات الرئيسية
الدراسات الرئيسية
مقالات أخرى للكاتب

 

الموضوع الأهم والأكثر انتشارا اليوم بين الفضائيات والصحف إعمار غزة، والقمم القادمة والتصريحات المتفاوتة كلها كانت لإعمار غزة، والأغرب من ذلك أن لا أحد يعلم بإعمار غزة إلا الذين سيعمرونها، بل الذين شاركوا في قتلها منذ أيام...

فالدول التي فتحت نيران أفواهها تجاه إسرائيل لتحثهم على إعدام غزة وأعطت الضوء الأخضر بذلك، تقيم اليوم مبادرات ومؤتمرات ولقاءات لإعادة إعمار غزة، ما هذه المفارقات العجيبة الجلاد والحكم في مصاف واحد، والمقتول هو الوحيد الذي لا يعرف..

لم يلتفت أحد من القتلى للذين أَمَرُوا بقتلهم لأن الموت باغتهم بقوة، وظن المتآمرون بأن القتيل مات ودُفِن وذهب سره بالرصاصات التي تهاوت على قلوبه...

لكن هؤلاء المعمرون ظهروا بأياديهم الملطخة بالدماء، ولأن أرضنا أرضاً مقدسة لا يختفي فيها شيء والحقائق يسيرة المعرفة، ولن نكتب من جديد كشف النقاب عن ... لأن النقاب قد كُشِفَ منذ زمن بل لم يعد هنالك نقاب أصلاً، والدم في فلسطين له كرامات فكل قتيل يكتب على يد قاتله هذا الذي قتل...

والأغرب أن القاتل يلبس ثوب العفاف ويقيم المآتم والجنازات ويا صِدْق أمثالك يا جدتي (يقتل القتيل ويمشي بجنازته) لكنه اليوم سيعوض القتيل عن قتله بل لا يكفيه أن يقتله فحسب فإنسانيته كقاتل تأبى عليه إلا أن يجفف دمع الأم والأخت والبنت الوحيدة التي بقيت، وليس القاتل هنا إسرائيل وحدها بل شعب العروبة الذي لم تدك مضاجعه دموع الباكين أو صرخاتهم ولم تثر الدماء فيهم إلا كلمات الشفقة وانتهى الأمر..

ويفيق الفلسطينيون على صدمة عظمى اسمها إعمار غزة بعد حرب أخذت في طريقها الأخضر واليابس حرب أشرف عليها قادة الوطن العربي رجاله.. ساسته.. كل من تهدد فلسطين أمنهم .. وهي الحلقة الأضعف.. لا بل كل من يرى في وجود غزة بالتحديد خطراً عليه، أياً كان موقفكم يا ساسة أليس في غزة هذه بشر نساء أطفال شباب وشيوخ أم أن هؤلاء فقط أسماء اعتدتم ذكرها في أعداد الشهداء، هل ما كان يعنيكم من هذه الحرب أناس بالتحديد أم كانت قتل غزة كلها هو بغيتكم... إلى الله نشكوكم يا من ظننا أنكم تعمرون غزة بأيدٍ نظيفة... وكان وجهكم السمح وكلماتكم الرقيقة شعاراً ظننتم أنكم تضحكون به على لحية عجوز في السبعين، ولم تعرفوا أن له ولد في العشرين يتتبع كفركم ولغطكم وكيف على غزة تتآمرون...

هل نلوم إسرائيل ونسب عنجهيتها، ونرفع أيدينا للسماء نشكوها وأنتم العابثون، لولاكم لم تجرؤ إسرائيل على غزة، لولاكم يا سادة لم تسل دمعة في عين امرأة، ولم يسفك دمٌ في قلب، ولم يتبدد شمل، ولم تستبح عورات لم يسترها إلا الليل.

أنتم يا ساستنا الأشاوس من أدخلتم زناة الأرض إلى حجرتها، ولم تسترقون السمع وراء الأبواب بل وقفتم تَنْظُرُون فض بكارتها، وحين كانت تصرخ بكم بنيتم الفعل للمجهول، وظن الفاعل أن الفعل مستتر ولم يكن قد سُتِرَ إلا الضمير فذبحوا المفعول، والله لم يصدق في وصفكم غيرك يا ابن النواب...

ولماذا نشت بعيداً وإعمار غزة اللعبة الأكثر إثارة، لماذا نلهث والمتعة هنا بأيدينا .. هذا سيدفع مليار، وذاك سيعطينا نصفه، وهذه ستجمع تبرعات من المدارس والجامعات، أما هؤلاء يكفيهم أن يقتطعوا نصف دولار من راتب كل موظف، وأنت يا شهر فبراير القصير فلتشهد، سيعمرون غزة، يأتون كملائكة من السماء، يمسحون دمع كل طفل يقبلون جبينه، يتحسسون شعر رأسه، لكل بيت هُدِم بيت جديد أمامه حديقة نرجس وياسمين، ومدارس جديدة، ومآذن تنافس بروعتها بلاد الألف مئذنة، وملاعب خضراء ومدرجات ونوادي وقصص وأحلام، ويقتلون الغولة ويلعبون دور الشاطر حسن، ويفتكون بالعنقاء، ويزورون المقابر، وعلى كل مقبرة سيضعون إكليل يكتبون عليه ... مظاهر إعمار غزة...

هنيئاً لك يا غزة بالإعمار... وأنت لماذا تبكين يا امرأة فقدت واحداً، إنك تُضحِكِين، وتلك فقدت اثنين أين النصاب يا هاتين، أخبرتكم أن النصاب أربعة أو خمسة وما دون ذلك أمرٌ عادي، سيعمرون غزة يا نون النسوة الباكية وهنا فقط الفاعل معلوم...

ونشت بعيداً من جديد، أهول الموقف من يجعلنا في كدر لا نعرف نسق أو طريق، أم أننا فقدنا الطريق، لا هذا ولا ذاك غداً سيعمرون غزة، ويمهدون الطرقات ويرصفون ما تكسر من أرصفة الشوارع، لن يغطوا وجوههم منا فهم قدموا لإعمارها وغدا في ذاك الفندق سيُنْزِلُون مراقب الإعمار فهم دوماً بنا لا يثقون... وما يضحكني الآن وغداً أنهم بعد لم يتفقوا وكأني بجدتي تقول ( تفرحين قبل الهنا بسنة) ونسيت أنهم لم يتفقوا بعد من سيعمر غزة، وفي كل مكان استطلاع للرأي يقول من يعمر غزة هذا أو ذاك أو نرسل لكم آخرين، والله يا ساسة لو أرسلتم لنا طيفكم يكفينا، فكيف سنقبل يوماً بمن فتح النار صوب صدورنا وندخله يقيس مساحات الركام في بيوتنا، لكننا سنقبل ليس لأننا مجبرين أو غير قادرين بل لأننا جزء من خطة متين، خطة إعمار غزة..

بل هي خطتين الأولى كيف ندمر غزة والأخرى كيف نعمرها، وكأني بالسيناريو يتكرر كل عام، ولن تغب عنا دموع التماسيح التي سالت أمام عدسات الكاميرات لمزيد من الشهرة، السيس فلان بكت عيونه على أطفال غزة، أما ذاك السيس فكان أكثر جرأة وسحب من دمه قطرات لغزة، ألم أقل هنيئاً لك يا غزة...

لكني وقبل أن أنتهي من سرد مراحل الخطة أذكركم بشيء أن تعيدوا إعماره، هناك دمع ودم وفجيعة وظلم تكالبوا على قلب امرأة، وهذا يُتم وثكل وفقيد وجريح ومن أعيق، هؤلاء اليوم من ظلوا في غزة رفقاً بهم وحين تُعِيدون الشهيد ضموه لصدر الأم بحنان وأخبروها حتى لا تقتلوها بالصدمة مرتين، والقدم المبتور ذاك حين تعيدوا إعماره رفقاً به وحذروه من خطاه، أما البيوت والمساجد والمدارس فقط امسحوا الدماء عن الجدران وأقنعوا الصغار أن الموت لم يكن أصلٌ للمكان، وقولوا لهم جئنا نقتل الغولة بعدما جلبناها من الغابات البعيدة.. علهم يوماً يصدقون لعبة الكبار... وهنيئاً لك يا غزة..

فلسطين رفح – الحدود المصرية الفلسطينية

 * المنشورات, الدعايات, الارتباطات, تعبر عن رأي كاتبها وعلى مسؤوليته ولا تحدد ولا تعني رأي الموقع أو الطاقم

المقالات الرئيسية