شعرية الرواية التسجيلية العربية القائمة الرئيسية >>

 

تقديـم:

تنفتح رواية "يحدث في مصر الآن" على دعوة المؤلف-السارد القارئ إلى خلق الرواية معه، وهكذا تبدأ بخبر يسرد بشكل تقريري: "اتصل رئيس مجلس قرية الضهرية تيلفونيا بمعاون نقطة بوليس التوفيقة مباشرة، متخطيا بذلك عمدة البلد، أبلغه باعتداء عامل زراعي على طبيب الوحدة وسبه علنيا في مقر عمله الرسمي.."[1].

حيث سيحكي عن حادثة مقتل عامل زراعي في إحدى القرى المصرية.

تدور أحداث الرواية في قرية الضهرية، في مركز أيتاي البارود، محافظة البحيرة. وتقع هذه الأحداث بين يومي الجمعة 7 يونيو 1974 والسبت 15 يونيو  من السنة نفسها، خلال زيارة الرئيس الأمريكي نيكسون إلى مصر.

إن الرواية تنطلق من حدثين متلازمين ومتداخلين هما الزيارة والقتل.

هكذا نجد أن الرواية ترتكز في بناء عوالمها التخييلية على حدث بسيط يرتبط  بقصة الدبيش الذي سعى إلى الحصول على المعونة التي حملها معه الرئيس الزائر، من أجل مساعدة أسرته. وللوصول إليها فكر في التحايل مما جر عليه نقمة السلطة فكان اعتقاله، ومن بعد موته. كيف حصل كل ذلك؟

قرر مجلس القرية أن توزع المعونة الأمريكية على الشعب المصري، وقد كلف طبيب الوحدة القيام بهاته المهمة. فقرر الطبيب توزيع المعونة على النساء الحوامل فقط، ولم تكن زوجة "الدبيش" حاملا  غير أنها كانت بحاجة  إلى هاته المعونة، فكان أن قام زوجها العامل الزراعي بحيلة مكنته من الحصول على المساعدة لتعود زوجته بما حصلت عليه إلى البيت ويعود هو إلى الحقل. لكن العائلة لم تنعم بما حصلت عليه. لأن الطبيب  وفرقة المصادرة، اقتحموا البيت وصادروا المعونة قبل أن تصبح لقمة في أفواه الأطفال الجياع !.

يتوجه الدبيش، بعد عودته إلى المنزل، إلى مركز الوحدة حيث يقوم برفع يده على طبيب الوحدة، لذلك سيتم إرساله إلى نقطة بوليس التوفيقية قصد تأديبه، وهناك سيسلم الروح، بسبب ما تعرض له من تعذيب.

يلفق للدبيش تقريران: واحد ينفي وجوده، والثاني يعلن أنه مجرم خطير.

ويتسرب خبر موت الدبيش إلى القرية، غير أن جثته غير موجودة لإثبات ذلك، وهنا يقرر زملاء العامل الزراعي رحلة البحث والتقصي لمعرفة مصيره.

الرواية بين التسجيلية والشعرية:

إن النقطة الأولى تدفعنا إلى أن نشاهد أحداث شخصيات  الرواية في سياق أحداث سياسية. فبالرغم من أن الرواية ترتكز على حدث بسيط يتمثل في اعتداء العامل الزراعي على الطبيب، فإنها تقوم بربط الخاص بالعام، فاعتداء العامل الزراعي الفقير على الطبيب وما أعقب ذلك من أحداث، يتوج بادعاء السلطات اختفاءه، وكأن "أولاده نبت شيطاني، وكأن زوجته كانت تحمل سفاحا كل ذلك يرتبط بالحدث العام الذي يرتبط بالوطن بأكمله"[2] وهو زيارة نيكسون لمصر، ذلك الزائر الذي كانت تلاحقه فضيحة ووترجيت في ذلك الوقت فخرج للبحث عن مجد زائف لإيقافها. إن الرواية، اعتمادا على ما سبق، تعمل على رصد التحولات الجديدة الطارئة على مصر في فترة ما بعد حرب أكتوبر 1973، وما بعد زيارة الرئيس الأمريكي لمصر" انطلاقا من رصد واقع قرية الضهرية للكشف على الأعطاب التي تحيط بها خاصة، وبمصر عامة.

والرواية تستخدم التسجيل الوثائقي للأحداث، إضافة إلى أسلوب التحقيق البوليسي. ويبدو أن عالم الرواية كما يقول عنه، محمود أمين العالم، بالرغم من مكانه المحدد "وحدثه المحدد الذي تصوره الرواية تصويرا تفصيليا تسجيليا دقيقا- رمز لدلالة أكبر من هذا المكان، وهذا الحدث، بل لعل التحديد الزمني الخارجي للرواية أن يكون عاملا فعالا في الارتفاع بالمكان والحدث المحددين إلى هذه الدلالة الأكبر"[3] ليستخلص بعد ذلك أن التسجيل يصبح "قوة تخييل، بل إن تدخل المؤلف باسمه هذا التدخل المباشر لا يلغي الطابع المتخيل في الرواية، بل لعله أن يضاعفه، ذلك أن تدخله يستشعر كحيلة فنية لتأكيد واقعية الحدث الروائي لا أكثر"[4].

وقبل أن نفصل الكلام قليلا حول هذه النقطة لابد من أن نشير إلى أن عالم الرواية يبدو أنه مقسم إلى أطراف ثلاثة أساسية، طرف قاهر متسلط، وطرف خاضع مخدوع، وطرف ثالث بينهما "يعي القهر والخداع ويرفضهما ولكنه عاجز عن الفعل. ثم يأتي بعد ذلك طرف رابع دخيل ولكنه يشكل عنصرا أساسيا من بنية عالم الرواية هو مؤلف الرواية نفسه باسمه الحقيقي."[5].

إننا نعاين عالما منشطرا لا يمكن رأب صدعه، ينبني، من حيث إقامة التواصل بين أطرافه على لغة استبعادية: اللغة الأقصى، إنه عالم البؤساء وعالم أولئك الذين يملكون قوة المنصب:  الرئيس والضابط والطبيب  يتوسلون بالعنف المادي واللغوي لتوضيع من يحسبون أنهم دونهم ومن حق الكاتب أن يبرز تشوهات في واقع غير محسوس بما في باطنه بصورة كافية.

لكن طيات الرواية تلمح دون تصريح، عبر الرؤية المتحكمة في فضائها، وهي نقدية بالأساس، إلى أن القهر يحط من قيمة الإنسان إن كان في المرتبة الأدنى اجتماعيا، ويصبح أشبه بحيوان مفترس إن كان في المرتبة الأعلى، لأن الجميع يبدو وكأنه مساق بقوة ترتيب مختلفة للأوضاع

يؤثث فضاء النص الروائي صراع بين ضدين أو فريقين خصمين، فريق كثير لكنه ضعيف لا حول له ولا قوة على مواجهة البطش والعنف، وفريق قليل لكنه  شرس وضعيف، ورغم قلته فهو يمتلك كل أسباب القوة المادية والمعنوية، يشكل حلفا يعمد إلى المحافظة على مصالحه وتقويتها ضدا على منطق الأغلبية ومصلحتها، وإن كان النص يعمل على رصد وتسجيل دبيب الوعي الصاعد من أعماق الفئة المغلوبة، لازال جنينيا في طريق التشكل رغم كل المعوقات التي تقف في طريقه، والتي تسعى إلى عرقلة نموه الطبيعي حتى ولو أدى الأمر إلى تشويه هذه الخلقة الجديدة.

يرصد السارد هذا الجنين النامي في أحشاء الطبقة المسحوقة، وهو في طريقه لكي يصب في مجرى المثل الحاد والصارخ الذي انطلق من فم أبي ذر الغفاري والصادع بالدعوة إلى رفع السيف في وجه الظلم، غير أن المؤلف لا يقوم باستعجال هذه اللحظة وذلك بالقفز على مقومات النص الروائي الفنية، لأن مثل هذا الفعل قد يسقطه في التحريض الفج والأجوف، إضافة إلى إنهاك الجانب الجمالي للرواية. صحيح أن العمل يعمد إلى استغلال الجانب التقريري وأحيانا الخطاب التسجيلي المباشر، لكن ذلك كله من أجل تحقيق تلوينات أسلوبية الغرض منها كسر هيمنة اللغة الأدبية التقليدية المثقلة بالزخارف.

هكذا تكون الرواية ذات طابع سياسي مباشر لا تقف "عند حدود المظهر التسجيلي أو التقريري بل يتعدى ذلك إلى الفضح المباشر والإدانة المباشرة والدعوة الصريحة الجهيرة إلى الفعل المقاوم."[6].

 إن دلالة الرواية تحتم ذلك لأنها تقوم بإدانة الاستغلال والتبعية والارتماء في أحضان العدو الأمريكي، كما تقوم بفضح الفئات الاجتماعية التي هرولت مرحبة بهذا العدو، حيث كانت "المتطلعة إلى الارتماء في أحضانه، فضلا عن فضح إيديولوجيتها السائدة، والدعوة الجهيرة المباشرة إلى المقاومة والتغيير"[7].

علما أن الرواية لا تقدم رؤية سطحية لواقعها وأحداثها أو رؤية ثنائية لطرفين يستعبد كل منهما الآخر وإنما تقدم رؤية متشابكة متصارعة بين طرفين قاهر ومقهور، بهدف تحقيق التخطي والتجاوز إلى عالم أفضل وإن ظل سلبيا موهوما. كما أن تأسيس عالم أفضل يبقى معلقا. يتحين فرص الظهور والبروز وسنسعى إلى تبيين ذلك:

ترصد الرواية ثلاثة أوعاء  داخل العمل الأدبي، وتقوم بتسجيل الصراع الدائر بينها. وأول وعي يمكن تدوينه هو الوعي المضلل (بكسر اللام الأولى) الذي يمتلك، كما سبقت الإشارة، كل المقومات لإرضاخ الآخر على قبوله، لأنه يحوز كل الشروط التي تجعله مهيمنا، من خلال تلك الشبكة العنكبوتية التي يقوم بنسجها حتى تصبح أنشوطة توقع في حبالها كل مخالف، باعتماد التضليل والتزييف والتحريف، مادام أنها تتوفر على كل ما يحقق ذلك من سلط متعددة الأبعاد: المادية منها والمعنوية.

وتتشكل هاته السلطة من ثلاثة أطراف تلحمها مصلحتها الشخصية في إطار السلطة العليا البيروقراطية التي تعمل على  حمايتها، أو من خلال إدراكها لمناحي قوتها وضعفها واستغلال المناسب لها مما يمكنها من تأبيد  مصلحتها الحيوية. هاته الأطراف هي رئيس مجلس القرية، رأس الجهاز البيروقراطي بالقرية التي لا يمكن أن تتحقق فيها أية مصلحة إلا بعد إذنه، ومن طبيب القرية الذي يخون وظيفته وقسمه ! حيث يعمل صحبة الأطراف الأخرى على نسج شبكة من المصالح الذاتية الضيقة على حساب مصلحة الآخرين الضعاف، بل على حساب حياتهم. أما الطرف الثالث في هذه المعادلة مثلثة الأضلاع فهو ضابط النقطة الذي يهيئ كل الظروف المناسبة لقمع أية محاولة للتمرد أو تشبه التمرد، بالاعتماد على القوة و التزوير والبهتان

أما الوعي الثاني فهو المضلل (بفتح اللام)، وأول طرف مشكل لهاته المعادلة هي تلك العناصر التي تخون طبقتها جريا وراء تحقيق بعض المكاسب الذاتية، كذلك الطالب الذي اقترح متابعة قضائية للرئيس وإقامة مشروع سياحي بالقرية أو تزلفا للسلطة كالشهود ومن شابههم

ويمكن إدراج "الدبيش عرايس" ضمن هذا الوعي لأنه سقط في الفخ المنصوب له ولغيره، ذلك أنه سعى إلى الحصول على المعونة، رغم كونها مسمومة، بالاعتماد على الحيلة، مما جر عليه سخط الأطراف القوية التي عمدت إلى معاقبته، فكان أن سقط قتيلا !

أما الوعي الثالث فهو الوعي الضد بالرغم من أنه لازال جنينيا، تشكله أيدي المستقبل ببطء وتؤده، وتصهره التجارب والمحن. فالسارد يعمل على رصد وتسجيل هذا الوعي، والعمل على إظهاره اعتمادا على مقتل "الدبيش" إذ سيكون النقطة التي ستفجر حضوره وإن على مهل، ويمثل هذا الوعي "الغلبان" كعنصر أول مع بقية أفراد القرية وإن بدرجات

ويمكن قراءة اسم الغلبان بطريقتين تؤديان إلى دلالتين مختلفتين: فهو الغلبان المغلوب على أمره، والمقهور الذي لا يمتلك قوة بل يعمل على تحمل  أذاها، ولكن، وفي الوقت نفسه، فهو المنتصر الغالب لأنه يمتلك المستقبل، أليس هو من يعمل من أجل كشف الحقيقة، حقيقة مقتل الدبيش، وذلك بالبحث عن جثته كوسيلة لإثبات مقتله وبالتالي إدانة الأطراف المتضامنة التي عملت على طمس الجريمة إن الرواية ترصد وعيه الجنيني الذي مازال في طور التشكل

إنه وعي يصارع بصمت وإصرار كل العراقيل التي تسعى إلى تزييفه، عبر تحريف مساره والعمل على تضليله، إما بالتخويف وإما بالتزييف وإما بتقديم معطيات مضللة.

إنه الوعي الممتلك للمستقبل لأنه يسعى إلى تحقيق العدالة بالرغم من افتقاره للقوة في مواجهة آلة قمعية كبرى، يدرك أنها تمتلك نقط ضعف متعددة يمكن استغلالها لتحطيم جبروتها، من ذلك، العثور على الجثة، إضافة إلى كون العناصر القوية تتصارع فيما بينها جريا وراء مصالحها الذاتية حتى وإن كانت تتضامن  حينما تحس بالخطر، فرئيس مجلس القرية يكتم أسراره عن أصدقائه ويبذل ما بوسعه للوصول إلى مراتب عليا

وقد اتخذت الرواية شكل التعبير التسجيلي التقريري الدقيق. حيث أملى هذا الشكل التسجيلي ارتباط الرواية بطبيعة الواقع الخارجي المعبر عنه دون أن يعني ذلك استنساخ الرواية لهذا الواقع الذي انطلقت منه.

إن الرواية، إذا تحيلنا على مرجع  يلتقي فيه واقع محتمل بتاريخ وقع.

"الواقع المحتمل عنصر مشترك بين كل الروايات لأن كل نص روائي هو في النهاية واقع متخيل  يكتسب واقعيته من مرجعه القصصي الذي يعوض المرجع العملي اليومي المعتاد. من ثم فإن القارئ لا يعتقد في واقعية النص الروائي بالمعنى الملموس ولكن يعتبره واقعيا بالنسبة إلى مجموع العناصر المكونة له التي تنسج واقعيته المتخيلة. وهذا ما يمد جسرا بين الواقعين: اليومي المعيش، والمتخيل المستمد لعناصره من اليومي والمحور لها من خلال زاوية التشكيل والمفهمة والمضمون"[8].

وإذا كانت الرواية قد حرصت على تحديد التاريخ المباشر والمحدد الذي استلهمته بشكل تسجيلي داخل بنيتها الفنية، فليس معنى ذلك أنها قامت باستنساخ لهذا الواقع الذي انطلقت منه. حتى وإن كانت تصدح بالرفض مادام أنها ذات دعوة سياسية تحريضية مباشرة جعلتها  لا تنتمي إلى ذلك النوع من "الأدب-الصدى" أي الأدب بما هو كتابة "عن" واقع اجتماعي وسياسي ونفسي، موجود قبل فعل الكتابة،  ساهم في تشكيل أفق انتظار القارئ يرتبط تقويمه للنص الروائي بمدى قدرته على الشهادة المباشرة على واقع يحفل بالثورة

إن السمة التسجيلية الواشمة لهذا النص الروائي   تخرج بهذا "التسجيل" إلى ما يوسع من مداه وتفتح أفقا أوسع من أفق الرواية التسجيلية. أي أن التسجيل هنا هو في هذا التوظيف للإشارات الدالة واقعيا، والمؤكدة لشيء في الواقع، وهي هنا، لا تؤدي فقط وظيفة فنية بقدر ما تؤشر حدود المعنى المراد، وتؤكد على تلازمه مع الواقع-الحادث.

إن هذا العالم المتخيل الذي ينشد من خلال اندراجه في الجنس الروائي يتجاذبه قطبان قد يبدوان على طرفي نقيض: هما التسجيل والتخييل، فالتسجيل يرغم الرواية على أن تخضع للمرجع وتتقيد بقيوده. كما أنه يشدها من رسنها ويحكم عليها بأن تحذو حذوالتاريخ وأن تكون ظلا باهتا له. أما التخييل فيأتي مكسرا لهذه الصورة الامتثالية، ليخبرنا بأنها ليست رواية واقعية تستند إلى خلفية تاريخية. ذلك أنها تترك نوافذها مشرعة على عالم "المتخيل" وتقطع الصلة مع مبدأ المشاكلةvraisemblance  الذي هو قوام الواقعية في الفن. إضافة إلى أنها تقوم بخلخلة شعرية اليقين التي كان ينطلق منها الخطاب النقدي بصدد الرواية حيث ينظر إليها كوثيقة معوضا ذلك بشعرية أخرى، وهي شعرية الشك بالمقولات والبدائل والحصائل من موقع إيجابي بصدد النص الروائي. صارفة النظر عن النزعة الموضوعاتية الوثائقية.

إنها مادة روائية تغرف من معنى الراهن على ضوء الذاكرة عبر قناة    التاريخ وتأجيج المتخيل، لكنها ليست مادة تحاكي الواقع كما هو، بل تحتفظ لنفسها بحرية التصرف والاختراع، بما هي إعادة، لكن دون اجترار أو استنساخ: فما حضور التاريخ في هذا النص الروائي إلا لتأطير المتخيل عبر رؤية شعرية تتجاوز الواقعية و الواقعي إلى أفق البحث عن شكل  روائي متحول باستمرار انطلاقا من تكسير وثوقية الكتابة ودوغمائية الخطاب والرؤية معا.

فالواقعية التي تنشدها الرواية، إذا، ليست واقعية محاكاتية، كما سبقت الإشارة إلى ذلك آنفا، وإنما هي واقعية تخلق واقعها من خلال ترصيف جديد لتكوينات تخييلية تتيح للقارئ إمكانية المشاركة في إعادة خلق الحكاية وإتمامها عن طريق البحث في التماثلات والتقاط اللحظات الهاربة، واستدعاء الصور المنفلتة وسط زحمة الحياة.

ولا عجب في أن نجد السارد في هذا العمل يطلب مشاركة القارئ ويستحث حضوره، ويعلن ما مرة أنه شريك في عملية إيجاد العمل الروائي وأن هذا العمل لا يمكن أن يوجد بدونه.

هذا الأمر هو ما يفسر التدخل المباشر للمؤلف وإن كان تدخلا لا يلغي الطابع المتخيل للرواية، إضافة إلى كون هذا التدخل، يذكرنا بالمسرح الملحمي من خلال تقنية التغريب التي  تقوم بمضاعفة الجانب الفني للعمل. إن "تدخل المؤلف في هذه الرواية لا يخل بطابعها المتخيل بل يعمق الإحساس بواقعية الحدث الروائي نفسه وبتعبير آخر "إن التعبير السياسي المباشر في هذه الرواية لا يتنافى ولا  يطمس فنيتها الروائية، خاصة أن المؤلف احتفظ لها بمستويات سردية مختلفة ولكنها مضمونة فهو  تارة مستوى السرد التسجيلي التقريري، وهو تارة ثانية مستوى السرد الانفعالي الغنائي وهو تارة ثالثة التحليل الفكري وهو تارة رابعة يستعين بالحوار بمستويات مختلفة كذلك، فهو تارة حوار  إعلامي وهو تارة أخرى حوار إفضائي عميق"[9]. فضلا عن أن الحكاية تصل إلينا من خلال وجهة نظر شخصيات مختلفة "الأمر الذي يجعل رواية "يحدث في مصر الآن" تتكون من تعدد التقارير البيروقراطية ويؤدي هذا إلى تعدد الأصوات، لكن دون تعدد حقيقي في السراد. بالرغم من وجود هذا السارد في "يحدث" فإن استخدام التقارير البيروقراطية المختلفة يخلق تقطيعا مهما في السرد الروائي"[10]. هذا التقطيع هو الذي يقرب الرواية "القعيدية" من الرواية الجديدة ويبعدها عن الرواية التقليدية الخطية، إضافة إلى أنه يحقق للرواية أدبيتها حتى وإن بدت رواية سياسية مباشرة، تعبر عن حدث واقعي مباشر، ذلك أنها ليست تقريرا سياسيا. بل  عملا أدبيا، تظهر أدبيته من أسلوب البناء الخاص ومن التقطيع السردي والغموض في أحداث الرواية. وهو ما سنعمل على إبرازه فيما سيأتي من تحليل.

الرؤية السردية:

تخضع نمطية المحكي لضمير المتكلم الذي يحقق الوظيفة التواصلية الأولى بيننا وبين أحداث النص الروائي. ولا يقتصر ضمير المتكلم هذا على التقديم والإضاءة والتوضيح وعرض الخطة التي ستسير عليها الأحداث، بل يتجاوز ذلك إلى كشف نوايا الشخصيات وتصحيح معلومات القارئ، والقدرة على الحضور في كل الأمكنة، إن درجة حضور السارد، إذا، تستند، من جهة، على ضمير المتكلم، كما تستند، من جهة أخرى، على تقنية التقديم والتأطير والمتابعة والتدخل. وهذا الأمر يجعلنا أمام الرؤية الخلفية المرموز لها بـ: السارد< الشخصيات.

إن الرؤية السردية مرتبطة برؤية السارد الذي يكشف لنا خلفياته المعرفية عبر تقديم مكثف للحدث، والذي يوجه مسار الحكاية اعتمادا على الوظيفة البيانية أو التصريحية المتجلية في كشفه عن مصدر خبره، والمتمثلة أساسا في اللقاء والحوار وغيرهما وبذلك يتعدد المصدر المعرفي للسارد، سواء أكان شفويا أم كتابيا، وهو التعدد الذي ستمظهره بقية الأصوات الساردة، انطلاقا من الموقع الذي تحتله في علاقتها بالدبيش. وبالرغم من ذلك يظل هذا السارد مهيمنا على جميع "كتب" الرواية ، وتظل سلطة ضمير المتكلم المؤطر الرئيسي لبرنامجها السردي، وإن كان يستهدف تركيبا متعددا للمنظور عبر الالتجاء لأصوات ساردة يعقد معها السارد تناوبا في السرد وتنويعا في للرؤية.

إن ما يتميز به سارد "يحدث في مصر الآن" هو هيمنته على  سرد الأحداث والتدخل والحضور في كل الأمكنة. ويطلق على نفسه اسم المؤلف قصد تحقيق تمييز لنفسه عن السارد الشخصية ذي المعرفة المحدودة التي قد تصل أحيانا إلى جهله عن نفسه أشياء يتكفل المؤلف-السارد باطلاعنا عليها.

ولتحقيق تلك الغاية فإنه قد اتخذ لنفسه مسافة تمكنه من مراقبة الأحداث، والتدخل متى شاء، و"التسلل من موقعه الخارجي، إلى أفكار هؤلاء السراد ليحاكمها ويمارس عليها سلطة علوية تستبعد أو تستدعي ما (لا) يناسبها"[11].

هذا الأمر سمح له بتكميل معرفة المتلقي وتنويره وتوضيح غوامض الرؤية. إضافة إلى أنه يقوم بإضفاء "تفاصيل لا تتعلق بدواخل الشخصيات وأقوالها بل بالجو العام للرواية وذلك لإعطاء الأحداث بعدا تراجيديا أكثر"[12].

ومن الأمثلة الموضحة لما سبق نجد قصة أم الشهيد وقصة الطفلة التي لف جسمها بالعلم الأمريكي ( ص 88 ).

لقد سمح السارد لنفسه بكشف نوايا الشخصيات وتصحيح معلومات القارئ "من ضمن النص أو في هوامش يخصصها لمثل هذه التدخلات حيث إن السارد في الوقت الذي يترك فيه الكلمة لإحدى شخصيات الرواية لتحكي ما تراه وتعبر عن وجهة نظرها الخاصة، يلجأ إلى الهوامش تفاديا لمقاطعتها، فيكشف لنا من خلال ما تضمنته أقوال هذه الشخصية من كذب وتزييف، ويفسر لنا بعض أهداف السارد الشخصية من ذكر حادثة ما، ويكشف لنا ما كان من أفعال هذه الشخصية وتكتمت عليه"[13].

إلا أن أهم ما يمكن ملاحظته في هذا العمل الروائي هو أن السارد ينتقل من سارد غائب على الحكاية: براني الحكي hétérodiégétique إلى سارد حاضر من حيث هو شخصية: جواني الحكيhomodiégétique ، مما يجعلنا نرصد ضمنه، والحالة هذه، موقفين سردين يتحكمان في نسق الرؤية السردية.

وإذا كنا قد أشرنا إلى الموقف الأول حيث كان السارد غائبا عن الحكاية، فإننا نشير إلى أن هذا المؤلف-السارد قد أصبح شخصية كباقي الشخصيات تستمد معرفتها من مصادر تلك الشخصيات نفسها وتساهم في بناء الحدث بمثل مساهمتها. ويحضر هذا البعد خاصة في الفصل المعنون بـ "لقاء بين المؤلف وزوجة "الدبيش" حيث نلمس سعي المؤلف إلى استكمال معرفته من خلال محاورته لزوجة "الدبيش" رغبة في تكوين صورة عما حدث، عندما طلب منها أن تحكي له قصة البطن المركب والحصول على المعونة ثم استعادتها منها. وهو، بهذا الصنيع، يقدم لنا الوجه الثاني للحدث يخالف الوجه الذي سعت السلطة لتقديمه. من ثم نقف عند وجهة نظر أخرى مختلفة تتشكل أمامنا بدون  إكراه (لا كما حدث مع الضابط).

وبهذا ينتقل "دور السارد-المؤلف من مجرد تصحيح معلومات الشخصيات أو تكميلها أو رسم خطته في الكتابة للقراء إلى المشاركة الفعلية في الأحداث وهذا ما يجعله يلتقي مع الشخصيات السراد في نفس الدور"[14]. إنه ينزل من عليائه ومن طهرانية حياده  إلى حمأة الواقع قصد لملمة أطراف القصة وإعادة تشكيلها من جديد وفق رؤية مخالفة، إن لم نقل ضدية، للصورة التي قدمتها السلطة.

السراد الشخصيات:

من المؤكد أن البناء العام المحدد للرؤى السردية يسعى إلى تقديم الحكاية (ات) انطلاقا من وجهات نظر متعددة لا تكتسب هذا النص الروائي بعدا أحاديا، وإنما تعدد مظاهر الحقيقة فيه، وهو التعدد الذي يتخذ شكل احتمالات إيهامية وتمويهية تكسر من سلطة السارد الواحد، وتجعل كلام كل شخصية ساردة يواجه بكلام شخصية ساردة أخرى، لنجد أنفسنا، بناء على تعدد الرؤى السردية، أمام نص روائي حواري لا يقتصر على الرواية الأحادية لواقع الحكاية الذي تسعى "يحدث في مصر الآن" إلى تصويره، وإنما نجد أنفسنا أمام رؤية شمولية ومتعددة لهذا الواقع، فيندرج بذلك النص الروائي الحواري ضمن إطار مبحث زاوية الرؤية في الرواية، وجميع التحديدات التي وضعت في هذا المضمار حصرت أنواع الرواية في نطاق علاقتها بالأحادي والشمولي، فإما أن تكون هناك هيمنة تامة للسارد، فتهيمن بذلك النظرة الأحادية، وإما أن يترك السارد الحرية الكافية للشخصيات لكي تعبر نفسها، وتعرض آراءها الشخصية، فتتحقق بذلك النظرة الشمولية لعالم موضوعي.

 وإذ سعت الرواية إلى تنويع فعالية الشخصيات الساردة من خلال التنويع في المواقف والمواقع فإن هذا التنويع بقي محافظا، بالرغم من ذلك، على سلطة المؤلف-السارد ضمن بنية المحكي، حيث إن الرؤى بقيت محكومة ومؤطرة بموقع السارد الذي يميز بين أدوار الشخصيات الساردة ويحدد اختياراتها ومستويات إدراكها، بل يعمل على تقديمها من خلال العنوان الذي تحمله فصول وكتب هذا العمل الروائي.

إضافة إلى كون المؤلف-السارد يقوم بتقديم الشخصية التي ستتكفل بسرد الأحداث ورصد مختلف المعلومات المرتبطة بها، كما يقوم بتنظيم خطاب الشخصية الساردة عبر العديد من الانتظامات النصية والبنائية، فعلى الرغم من استقلالية هذه الشخصية أو تلك بفضاء الفصل، فإن هناك مسافة يستقل بها المؤلف-السارد ليؤطر الحدث الروائي، ويبرهن حضوره هذا على معرفة كلية بتفاصيل القصص وأحاسيس الشخصيات، كما يبرهن حضوره على الإحاطة بتشخيص متنوع لتلك التفاصيل.

بناء على ما سبق نجد أن المؤلف-السارد، بالرغم من كلية معرفته، يكل إلى العديد من الشخصيات مهمة تفصيل الحدث في هذه الرواية، واطلاعنا عـلى ما أسهمت به وما مثل دورها عبر مجموعة من القنوات:

-"قناة مكتوبة ويمثلها التقريران اللذان كتبهما رئيس القرية والطبيب، وكذا التقريران اللذان ينفي أحدهما وجود "الدبيش" أصلا ويؤكد الآخر أنه سياسي خطير يعارض زيارة نيكسون ويدبر لقلب الحكم مع جهات خارجية وقد تم ضبطه لكنه فر من السجن.

-قناة شفهية وتمثلها الشهادات التي يدلي بها الشهود في التحقيق أثناء استجواب الضابط لهم وتقدم بطريقتين:

أ-تدخل مباشر من الشاهد يحكي شهادته دون أية وساطة وباستعمال ضمير المتكلم

كما هو حال: المنادي، وسائق سيارة الإسعاف

ب-التدخل بالواسطة وفيه سيتولى الضابط حكاية شهادة الشاهد، فنكون إذ ذاك أمام صوت الشخصية الشاهد منقولا من طرف الضابط كما هو الحال مع الشهادة الجماعية وبعض الشخصيات التي جمع الضابط أقوالها وأملاها على الكاتب."[15]

فبالنسبة لتقريري الطبيب ورئيس القرية وشهادة المنادي، نلاحظ سردا للمعلومات والأقوال دون تدخل المؤلف-السارد، أي أن خطاب هذه الشخصيات الساردة يستقل وحده بعرض أحداث وتفاصيل المعونة والدبيش، غير أن ما يميز التقريرين هو خضوعهما للرؤية السردية الواحدة التي لا تنوع كثيرا منظورات الحكي. إن عدم تدخل المؤلف-السارد يمكن الشخصية الساردة من تقديم نمط معين للسرد، يرتكز أساسا على ضمير المتكلم من جهة وتوظيف سرد تذكري من جهة ثانية، أي أن خطاب هذه الشخصية يعتمد على السرد من منظور أحادي يقدم تلك الشخصية بوصفها شاهدة ومشاركة في بناء الحدث التخيلي ليظل هذا المنظور الأحادي ضيقا ومحصورا فيما تدركه الشخصية الساردة، غير أن السرد هنا يبقى مؤطرا من طرف المؤلف-السارد وتحت مراقبته فلا يقوم بتكسير كرونولوجيته، حيث يكتفي بالتدخل من خلال الهوامش مكذبا ومضيفا وناقدا وساخرا، مما يعني أن الشخصية الروائية لا تؤدي دورها المباشر في الحكي باستقلال عن صوت السارد، وبالتالي فإن وجودها مرتبط بالمؤلف-السارد الذي يحايثها ويثوي خلفها.

أما بالنسبة لشهادة الشهود وبعض الشخصيات فتظل مؤطرة بشكل مزدوج، من طرف الضابط الذي يقوم بتوجيه الأحداث نحو مجرى الإدانة والتوريط عبر الإدعاء بأن الدبيش إنسان خطير من خلال مجموعة من القرائن الدالة على خطورته، ومن طرف المؤلف-السارد الذي يقوم بوضع العناوين والتعليق على الأحداث إضافة إلى تصحيح معلومات المتلقي أو إتمام معرفته. وبناء عليه، تأتي تلك الشهادات مشدودة إلى مؤطرين مختلفين، غير قادرة على الاستقلال بذاتها عنهما.

لكن ما يجب التأكيد عليه هو أن شهادات الشخصيات في هذه الرواية تأتي "بمثابة قصص جزئية تسعى إلى أن تكامل الرواية وتقلبها على مختلف الأوجه لذلك نلاحظ أن لكل شهادة بنية حكائية مستقلة وإن كانت أغلب الشهادات تلتقي حول حادثة واحدة وهذا ما يمكننا من رؤية الحدث من زوايا نظر مختلفة ومتعددة.."[16]

من هذا المنظور تساهم الشخصية الروائية في سرد الوقائع من منظور خاص بها ضمن النسق التخييلي العام لخطاب المؤلف-السارد الذي يظل المـؤطر الوحيد لكل من خطاب الشخصية الساردة وخطاب الشخصية الروائية، مادامت الشخصيات تمثل شخوصا، حسب الموجهات الخاصة بالتخييل*. ولذلك غالبا ما يمنح السارد في الرواية سلطة الحديث للشخصية الروائية، فتتقاسم  الأدوار بين هذه المحافل التخييلية لتتعدد الرؤى السردية وتتعدد، منظورات المحكي، وبذلك تتقدم الحكاية عبر أحداث عديدة تساهم مجتمعة في جعل القصة الكلية تتخلق أمام أعيننا وتتكامل.

الــزمـــن:

تتعامل الرواية مع حدثين رئيسيين هما، زيارة نيكسون لمصر من جهة ومقتل الدبيش من جهة ثانية: وقد سعت من خلال الارتكاز على هذين الحدثين إلى رصد التحولات الجديدة التي عرفتها مصر ما بعد حرب أكتوبر 1973، وما بعد زيارة الرئيس نيكسون لمصر، وذلك بالتركيز على المكاسب والمغانم التي تحققت بالنسبة لطبقة الأغنياء، والفقر المدقع الذي عرفته طبقة الفقراء، والمعدمين بشكل خاص.

إن الزمن الفعلي للرواية يتحدد في عدد محدود من الأيام لا يتعدى التسعة يبدأ من يوم الجمعة 7 يونيو 1974 لينتهي يوم السبت 15 يونيو من السنة نفسها.

إن انطلاق الأحداث هو يوم الجمعة الذي عرف وصول المعونة إلى القرية، مرورا بيوم السبت حيث يتم تكليف الطبيب بتوزيعها، ليكون يوم الأحد فترة تحقيق فعل التوزيع، واعتداء العامل الزراعي على طبيب الوحدة، حيث يتم إرساله إلى نقطة التوفيقية قصد تأديبه، لكنه يقتل.

أما يوم الاثنين 10 يونيو فسيشهد التحقيق الذي يجريه الضابط في شأن واقعة الدبيش، والذي سيستمر إلى صبيحة يوم الثلاثاء 11 يونيو.

وستبلغ الأحداث ذروتها يوم الأربعاء 12 يونيو حيث تخرج القرية لاستقبال موكب الرئيس الأمريكي، لتنتهي الرواية يوم السبت 15 يونيو حينما يبدأ زملاء الدبيش رحلة البحث لمعرفة مصيره.

ما يلفت الانتباه في هذا العمل الروائي هو كون أغلبية الأيام مذكورة بأسمائها وتواريخها، والأحداث التي شهدتها والعلاقات الرابطة بينها.

غير أن ما يجدر ذكره هو أنه بالرغم من أن الزمن يبدو واضحا إلا أن بنيته ليست خطية، تبدأ من نقطة البداية صعدا إلى ذروتها ثم الانحدار نحو نقطة النهاية وإنما تتميز بالكثير من التداخل نتيجة التقديم والتأخير في الأحداث.

إن الأيام التي تم ذكرها وتحديد تاريخها، هي أيام الجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء، بعضها ذكر اسمه دون تاريخه وبعضها الآخر ذكر اسمه مصحوبا بتاريخه.

إن الأيام التي تم ذكرها مصحوبة بتواريخها تساعد على تحديد تواريخ الأيام التي لم تذكر تواريخها، لأنها  حصرت بين الأيام التي جاءت واضحة التاريخ. من ذلك يوم الثلاثاء، الذي جاء مسبوقا بيوم الاثنين المحدد التاريخ، ومتبوعا بيوم الأربعاء المحدد التاريخ كذلك.

يقول السارد: "والمشكلة أن حضرة الضابط وصل إلى الضهرية صباح الاثنين العاشر من يونيو"[17].

بعد ذلك تخبرنا الرواية أن "الوقت المتاح أمام الضابط كان ضيقا نهار الاثنين وليلة الثلاثاء، وصباحه"[18].

غير أن الأيام التي تلت يوم الأربعاء لم يرد ذكرها لتبقى غفلا وعلى القارئ القيام باستنتاجها بنفسه انطلاقا من الأيام المحددة بالاعتماد على بعض القرائن المبثوثة في النص وهاته الأيام هي الخميس، الجمعة والسبت. إنها الأيام التي شهدت مجموعة من الأحداث، فرفاق الدبيش سيقومون برحلة البحث عنه ومعرفة مصيره حيث سيلتقون بالعمدة ومسؤول الاتحاد الاشتراكيوهي أحداث وقعت بعد زيارة الرئيس نيسكون.

إن جدلية التحديد واللاتحديد تقودنا إلى طرح السؤال حول الدلالات الثاوية وراء ذلك؟.

إن الاحتفال الزائد عن الحد بتدوين بعض التواريخ، والوقوف عندها بنوع من التركيز هو إحدى الحيل التي اعتمدتها الرواية هنا، ذلك أن السلطات تعمد إلى قرع أسماع محكوميها بتواريخ إنجازها، وتضخيم هذه الاحتفالات حتى تنطبع في أذهان المتلقي بغية شغل اهتمامه بشكل زائد، وتركيز أنظاره عليها وصرف نظره عن الأحداث التي يمكن أن تنافسها الشرعية، أو تجعلها موضع تساؤل أو شك.

غير أن نجد الرواية تعتمد هذا التركيز في ضبط التواريخ بشكل دقيق وذلك بقلب الدلالة وتحويل مجرى الهدف عما تريده السلطة إلى عملية فضح وتعرية، حيث إننا نلاحظ أن التواريخ المضبوطة والمتكررة الواردة في النص، ترتبط بأفعال ترمي في المحصلة النهائية إلى تزييف التاريخ وتحريف مجراه، فلابد من حركة مضادة تظهر ذلك.

إن الاحتفال الزائد بل المضحك باستقبال الزائر الأمريكي إن هو إلا دليل على الارتماء في أحضان العدو الذي لازالت أياديه تحمل وشم ولوغه في الدم المصري وغيرهولأن الزمن زمن تحول نحو الانفتاح والهرولة للحصول على منافعه، فلابد له من أن يجرف من أمامه الأشجار المقاومة له إلى حدود اقتلاعها، ولم يكن الدبيش إلا أحد ضحايا هذا الانفتاح، إضافة إلى أن عملية التحقيق في مصرع الدبيش كانت تمر بسرعة لأن الجناة يعلمون الحقيقة ويسعون إلى طمسها.

إن المؤلف-السارد، من خلال الاعتماد القوي على ضبط التواريخ، يهدف  إلى  تجلية الانحرافات التي بدأت تشهدها القرية كمركز للتحول العام الذي عرفته مصر أثناء وبعد الزيارة.

في مقابل ذلك، نجد أحداثا جليلة تحدث في شبه صمت من التحديد التاريخي، حركة تاريخية يسمع دبيبها، ينهض بها زملاء الدبيش بإصرار. "تتعمد" الرواية وضع هذه الأحداث في مجرى تاريخ مقاوم ينهل من الذاكرة صموده، رغم مسعى الأطراف المضادة لمقاومته بكل وسائل التحريف والإغراء والقمع.

لا مشاحة، إذا، أننا في مواجهة قوية بين التاريخ الرسمي، الذي حرف عن مجراه، لفضحه، وبين التاريخ المهمش، تاريخ الضعفاء الناهض من التضامن فيما بينهم، والذي يكتب بصمت وتؤدة.

دليلنا أيضا، على هذا المنحى، أن الرواية تقع في تسعة أيام، والتدقيق في هذا الزمن، قد يقودنا إلى الاستنتاج التالي، عبر الترسيمة الآتية:

يوم الانطلاق والختم   الجمعة                السبت انطلاق دورة جديدة

    انتهاء دورة

إنها بنية قد توحي بالانغلاق إذا ما تم النظر إليها على أنها تبدأ من اليوم الذي تنتهي فيه، لتعيد بناء دورتها من جديد، وهكذا دواليك، مما يؤشر على التكرار القاتل. لكن تدقيق النظر يقودنا إلى أمر مضاد ومخالف، كيف ذلك؟

وصلت المعونة-الشؤم يوم الجمعة وكانت سبب الأزمة التي عرفتها القرية، وعرت في ذلك الوقت ما يعتمل في هذا المكان من صراع صامت، أما يوم السبت الأخير فإنه يوم خروج زملاء "الدبيش"، وأساسا "الغلبان"، للقيام بالبحث والتقصي عن زميله، خاصة وأنه علم بمقتله، ولابد من الوصول إلى جثته كدليل على الجريمة. لتبدأ سلسلة من المراحل يكون أولها تأكيد كون الجثة هي لرجل يدعى "الدبيش"، وبذلك تنفتح السلسلة على أحداث مخالفة ومضادة للحلقة السابقة، تسعى الأولى إلى الطمس والتعتيم وتسعى الثانية إلى التعرية والإضاءة، صراع بين طرفين غير متكافئين، فالطرف الأول يمتلك كل أسباب القوة، لكنه يستضمر ضعفه، وطرف لا يمتلك إلا إصراره وعناده، لتبقى الأحداث منفتحة على كل الاحتمالات، حيث إن الانتصار يبقى معلقا وللقارئ فضل الميل إلى النتيجة التي يراها أكثر احتمالا انطلاقا من إشارات النص وفجواته وبياضاته، لأن المطلوب منه هو إقامة حوار مع الرواية اعتمادا على جدلية المعضلة والحل، السؤال والجواب.

النسـق الزمنـي فـي الـرواية:

بالرغم من أن الرواية تقع في تسعة أيام فإنها تعج بالكثير من الأحداث التي تتطلب البحث عن طبيعة زمنية تناسبها.

لقد سبقت الإشارة إلى أن الرواية لم تعتمد السرد الكرونولوجي، بمعنى أن متوالياتها الحكائية لم تأت وفق تسلسل زمني متصاعد يسير بالقصة سيرا حثيثا نحو نهايتها المرسومة بدقة، كما هو شأن الرواية التقليدية، وإنما تصرفت في الزمن بحيث أصبحت أبعاد الزمن الثلاثة حاضرة في هذا النص بشكل جلي إن طريقة تشغيلها للزمن هي التي جعلتها تنزاح عن عمودية الرواية التقليدية لتؤسس شعريتها المتميزة.

نبذت، إذا، الرواية التسلسل الخطي للمتواليات الحكائية، حيث قامت بخلخلته اعتمادا على حركتين أساسيتين للسرد هما الاسترجاع والاستباق. فالملاحظ أن هناك استرجاعا للحظات ماضية، من جهة واستباقا للنقطة التي وصل إليها السرد باستشراف ما هو آت، في حركة لولبية يمثل الحاضر فيها نقطة الارتكاز الأساس، من جهة أخرى.

المفارقات الزمنية:

الاسترجاع:L'analepse  

يشتمل النص الروائي على مقاطع استرجاعية متعددة تحيلنا على أحداث سابقة، يكون من مقاصدها ملء الفجوات التي يخلفها السرد وراءه، سواء بإعطائنا معلومات حول سوابق شخصية جديدة، أو باطلاعنا على حاضر شخصية اختفت عن مسرح الأحداث سواء عادت للظهور من جديد أم لم تعد، أو لسرد الفراغ الذي حصل في القصة حين قام السرد بترك بعض الأحداث جانبا لفترة زمنية معينة

إن النقطة المركزية في الرواية هي حادثة اغتيال العامل الزراعي، وحول هذه النقطة تضاربت الأقوال واختلفت وجهات النظر لدرجة أنها بلغت حدا جعل المتلقي يعيش حالة التباس، وقد لعبت الذاكرة دورا مهما في هذا الأمر، إذ كانت وراء الاسترجاعات العديدة والمتنوعة، حيث إن الأسئلة وقفت وراء انثيال الذاكرة سعيا وراء رسم صورة معينة "للدبيش" بين رغبة في جعله إنسانا فارا  من العدالة، ورغبة في معرفة مصيره ومن المسؤول عن ذلك المصير.

إن الاسترجاعات الواردة في هذا العمل، والتي ساهمت بشكل فعال في تعطيل نمو الأحداث وخلخلة سيرها الكرونولوجي، انقسمت إلى قسمين: استرجاعات خارجية واسترجاعات داخلية.

1- الاسترجاعات الخارجية:

تعمد هاته الاسترجاعات إلى إلقاء الضوء على فترات إحدى الشخصيات  التي كان السرد قد تجاوزها دون الوقوف عند تفاصيلها، ومثال ذلك الرجوع إلى حياة "الدبيش". وقد كان لهذا الاسترجاع مدى بعيد إذ أنه يمتد إلى فترة ولادة العامل الزراعي وصباه إلى حين زواجه يقول المؤلف-السارد: "لن أتوقف لأحكي قصة حياته، خفير ماكينة الطحين الذي يملكها أغنياء الضهرية،تزوج بائعة الترمس التي تجلس عند مدخل الماكينة يوميا، أصبح منظرها جزءا مكملا للماكينة، انتقل الخفير الغريب الذي لم يكن من أهل البلد، وحضر إليها مع تركيب الماكينة إلى دار مأجورة، تملكها زوجته الجديدة. الاثنان يعيشان الأيام الشاحبة لحظات العمر الأخيرة. أتي الدبيش إلى الدنيا، وجه يطل على الضهرية، ميزته من لحظة البداية أنه واحد من الذين لا يملكون شبرا واحدا من الأرض، لا في دنيانا الفانية، ولا في دار البقاء. لم يذهب إلى المدرسة في صغره، قضى صباه  جزءا من وابور الطحين، لم يحب أن يعمل خفيرا مكان والده، انضم إلى الفواعلية الذين لا يجفف عرق أيامهم غير حلم مكرر أن يمتلكوا ذات يوم قطعة من الأرض. بدد أيامه وهو يعمل في حقول الآخرين، تزوج وعاش مع صدفة"[19]

إن هذا المقتطف يعود بنا بعيدا إلى فترة تزوج أبيه فولادته فزواجه، وهي فترة تتجاوز بكثير نقطة انطلاق السرد الأصلي. صحيح أن التاريخ غير محدد بدقة للانطلاق منه قصد التعرف على هذا المدى la portée de l'anachronie، لكن بالرجوع إلى النص سنجد بعض الإشارات التي يمكن اعتمادها دليلا، منها أن الدبيش يبلغ من العمر ثلاثين سنة، وبهذه الإشارة يمكن القول إنها فترة طويلة بالنسبة للحدث الأساس الذي انطلق منه النص وهو مقتله، إننا لم نتوصل إلى معرفة هاته المدة إلا بالاعتماد على القرائن المصاحبة للنص.

كما أننا نصادف استرجاعا خارجيا آخر يرتبط بالدبيش أيضا يشير إلى لحظة زمنية سابقة للحظة الانطلاق يقول المؤلف-السارد: "نقلت جثته في هدوء ودون علم أحد إلى مشرحة المستشفى سلمت الأمانات التي وجدت معه للضابط، أربعة قروش ونصف وخاتم وعرضحال تمغة باهت متآكل الأطراف، مكتوب عليه طلب باسم زوجته للحصول على جنيه واحد ضمان اجتماعي شهري، وعرضحال آخر مقدم منه يطلب فيه العمل خفيرا نظاميا في مكان أحد الخفراء الذين أحيلوا على المعاش. في ذيل الطلب تأشيرة مكتوبة بلون أحمر تقول إنهم يأسفون لعدم إمكانية تعيينه لأنه ليس عضوا عاملا في الاتحاد الاشتراكي العربي"[20].

إن المقتطف يشير إلى  تعداد الحاجيات التي كانت موجودة مع الدبيش، وفي الآن ذاته يحدد نقطة انطلاق النص وهي مقتله، إلا أن نظرة مدققة تمنحنا فرصة الاطلاع على بعض الأفعال التي قام بها الدبيش سابقا قبل وقوع الواقعة، وإن لم تكن المدة معروفة، وغير مشار إليها بدقة فيمكن القول إنها تمتلك مدى أقل بكثير من مدى المقتطف الأول، لأن تلك الأحداث جاءت بعد زواج العامل الزراعي. كما نعثر على الرد السلبي على طلباته، وهي ردود لاحقة وإن كانت سابقة على الحدث المركزي، إن عدم تحديد هذه الأحداث، التي جاءت عرضا، يدفعنا إلى القيام بمحاولة تأويلية لقياس مدى الاسترجاع، ويمكن أن يكون زواجه نقطة الارتكاز لتلك الأحداث كما يمكن أن تكون الأحداث المشار إليها آنفا قد جاءت بعدما أنجب أبناءه الثلاثة. ويبقى للقارئ الركون إلى أحد الاحتمالين، لكن الأكيد هو أن المدى ليس بالبعيد إذ يمكن أن يتراوح بين ثلاث سنوات فأقل.

وهذا الأمر نفسه نلاحظه في شهادة "صدفة" عندما تستثار ذاكرتها بسؤال الضابط عن تدين زوجها حيث تقول: "ساعة روقان البال بس يروح الجامع- يرجع وعلى ملامح وشه تتعارك الهموم اللي راح الجامع وهو شايلها على كتافه، والكلام اللي رجع بيه من هناك، يكلمنا عن الجنة بعد الموت والترع اللي مليانة عسل أبيض وجناين التفاح والملايكة"[21] إن المقتطف لا يقدم لنا مدى هذا الاسترجاع، كل ما يمكن استنتاجه هو أنه قصير لأنه يرتبط بفترة زواجه من "صدفة"، وهذا الأمر لم يتم إلا في لحظة قريبة من لحظة الحدث المركزي، إذ يمكن تقدير فترته الزمنية، كما المقتطف السابق، في ثلاث سنوات تقريبا، فالتقدير مرتبط بإعمال الذهن وممارسة التأويل لأن المقتطف جاء غفلا من أية إشارة دقيقة تساعد على الضبط والتحديد.

الأمر ليس كذلك دائما، إذ نصادف داخل النص استرجاعا محددا مداه الزمني.

"منذ فترة تقل عن العام حدثت مذبحة في وضح النهار في أحد شوارع البلد راح ضحيتها خمسة رجال من أهالي البلد، دبرها شاب متعلم متأثر بأفلام رعاة البقر ويترحم دائما على صورة جاري كوبر والمسدسين المتدليين على خصره، ويرى أن العنف أفضل وسيلة للتفاهم بين البشر"[22].

إن المقتطف يتضمن استرجاعا خارجيا حيث إن الأحداث التي  تم عرضها وقعت قبل مقتل "الدبيش" بسنة تقريبا أي أن مداه الزمني واضح الإشارة، وقد تم استرجاع هذه الأحداث لإظهار مدى التراجع الذي يمكن أن يحدث نتيجة الانفتاح، فالزيارة لن تكون وعدا بالحياة، وإنما تكريسا للعنف الذي يجسده الممثل "جاري كوبر"، المؤمن بأن لغة التحاور بين الناس هي العنف.

تستوقفنا، ونحن بصدد الحديث عن الاسترجاع، بعض المقتطفات النصية التي يمكن تسميتها بالاسترجاعات التأويلية، أي تلك الاسترجاعات المرتبطة بأحداث سابقة يتم تأويل حدوثها بحسب اختلاف المنظورات، ويكفي الاستدلال على ذلك بتلك التأويلات التي حفت بحدث مقتل "الدبيش"، حيث اختلفت بين ذاهب إلى أنها جاءت نتيجة ما يسمى "حرب الكل ضد الكل" (ص 142) وذاهب إلى أنها نتيجة رفض قيامه بتنظيف استراحة الضباط ( ص 141)، وهاته التصورات إن هي إلا تأويلات لحدث سابق يتم استرجاعه في اللحظة الراهنة وتقدم له سيناريوات محتملة لحدوثه.

إضافة إلى هذا، تقدم لنا الرواية بعض الأمثلة الاسترجاعية، تعمل على إيقاف الزمن لفتح المجال من أجل تأمل الحاضر بمقارنته  بالماضي قصد وضع اليد على التغيرات الحاصلة في الواقع والناس، فبالرغم من أن هذه الاسترجاعات خارجية إلا أنها لازالت مستمرة الحضور، فهي لا تزال طرية في ذهن شخصياتها "كصدفة" التي تستعيدها بكامل الوضوح، وتكشف من خلالها ما يخالجها من ذكريات دافئة موشومة في الذهن والدم، تحركها اللحظة الراهنة المطبوعة بالرياء والزيف. تتساءل صدفة فتقول: "من سيملأ رحابة الفراغ في حجرتها، في الليالي المطعونة بمساحات الظلام المخيفة"[23]. وتقول فيما يشبه المونولوج الداخلي "آه لو تذهب، ولكن كيف؟ شعرت أنها وحيدة احتضنت الدبيش الصغير والولد والبنت، في الليل يأتيها نباح الكلاب وأصوات الناس، تشعر أن في الدنيا دفئا إنسانيا ما عدا حجرتها، تصورت أن الأيادي تدفع باب حجرتها عليها. قالت إن الدبيش كثيرا ما حماها، وإن ظل الدبيش ولا كل ظلال العالم"[24].

نستشف من هذا الاسترجاع قوة اللحظة ووطأتها على "صدفة" التي ترفع تنهيدة حارة في وجه الزمن الذي قسا عليها، إن "آه" الصادرة من الأعماق؛ هي سهام في وجه الواقع المؤلم الذي تعيشه والموشوم بالوحدة والفراغ والبرودة، في مقابل الماضي الذي شهدته مع الدبيش حتى لحظة مقتله والموشوم بالدفء والحنان والحماية. إنها تتأمل ماضيها وحاضرها معا على ضوء الآخر، فيحصل بذلك نوع من المراوحة الزمنية التي تخصب السرد وتزيد من إنتاجيته.

2-الاسترجاعات الداخلية:

ترتبط هذه الاسترجاعات بدور الضابط الذي يسعى إلى استعادة الواقعة عبر استحثاث ذاكرة الشهود، والاعتماد على أقوالهم في تدوين  تقريره، إن هذه الاستعادة تؤطر من طرف الضابط الذي يفتح حيزا لا بأس به لأصوات الشخصيات حتى تدلي بأقوالها، إما كتابة وإما شفويا.

والملاحظ أن معظم الشهادات ستصب في مجرى إدانة الدبيش، حيث إنها تلتقي في كون العامل الزراعي يهدد أمن الدولة ويعرقل مصالحها الحيوية. كما أن المؤلف-السارد سيقوم، بالعمل ذاته، ولكن بطريقة تختلف وسيلة وهدفا. إنه سيقوم بتجميع المعلومات ويضعها في سياقها الصحيح. إن الأجوبة الغامضة من طرف من زاروه بالقاهرة قد حركت فيه شوق معرفة ما جرى للدبيش بالضهرية، فكان أن حمل معه أسئلته بحثا عن أجوبة شافية من الزوجة ومن طرف أصدقائه المقربين.

والاستعادتان معا داخليتان لأنهما مرتبطتان بلحظة مقتل "الدبيش" بالعودة إلى لحظة توزيع المعونة، واعتداء العامل الزراعي على الطبيب.

إن الاستعادات المختلفة حافزها هو الأسئلة المطروحة، ومن ثم فإن الأجوبة عن هذه الأسئلة لن يكون بطريقة استرجاعية، فالأحداث التي سيتم سردها جرت قبل لحظة السؤال بفترة زمنية لا بأس بها.

وقد اختلفت هاته الاسترجاعات من حيث القنوات المعتمدة، إذ نجد استرجاعات مكتوبة وأخرى شفهية.  فالتقريران اللذان كتبهما كل من الدكتور ورئيس مجلس القرية يدخلان ضمن الاسترجاعات الكتابية، أما شهادة شهود الزور و"الغلبان" و"صدفة"فتدخل ضمن الاسترجاعات الشفهية. وقد امتد الاختلاف إلى الحيز المكاني الذي شغلته الاسترجاعات حيث نجد استرجاعات طويلة، وأخرى قصيرة.

إن ما يلاحظ بالنسبة لنوعي الاسترجاعات أنها تتمحور حول حدث واحد يشكل الناظم لها، لكنها بعد ذلك تختلف فيما بينها حيث ستذهب كل واحدة إلى ما تريد تحقيقه من شهادتها. إن مرد هذه الاختلافات هو تعدد التفسيرات التي أعطيت للحدث بحسب المواقف المختلفة التي قدمته. وقد ساهمت، بذلك، وفي خلخلة عمودية السرد باعتمادها حركة زمنية صاعدة وهابطة تتسع زمانا ومكانا.

وعن هاته الحركة الصاعدة والهابطة يقول محمود أمين العالم: "إن الرواية لا تعبر عن أحداثها، ولا تقدم شخصياتها بطريقة طويلة، بل بـطريقة تكاد تكون إهليلجية، فهي تبدأ من نقطة، ثم تتحرك عنها، ثم سرعان ما تعود إليها حاملة عناصر جديدة، ثم تعاود حركتها الصاعدة وعودتها الهابطة الأكثر غنى، وهكذا تواصل ارتفاعها ونموها حتى تفجرها التحريفي الأخير، بل تنمو أحداثها وتبرز شخصياتها أحيانا بطريقة عكسية أي نبدأ من النهايات لنعود إلى البدايات، مما يشكل وحدتها الصياغة رغم تنوع أساليبها السردية"[25].

الاســتــباق:Prolepse

يعد الاستباق prolepse القطب الثاني المحدث للمفارقات الزمنية ويقوم بتهييء القارئ لأحداث قد تقع  وقد لا تقع، إنه يتشكل من مقاطع حكائية تروي أحداثا سابقة عن آوانها أو يمكن توقع حدوثها، الأمر الذي يؤدي إلى قلب نظام الاحداث في الرواية عن طريق تقديم متواليات حكائية محل أخرى سابقة عليها في الحدوث، أي القفز على فترة ما من زمن القصة وتجاوز النقطة التي وصلها الخطاب لاستشراف مستقبل الأحداث والتطلع إلى ما سيحصل من مستجدات في الرواية.

ولإبراز هذا البعد المساهم في خلخلة الزمن يمكن الاعتماد على إحدى الجمل الواردة في تقرير الطبيب والتي يقول فيها: "ولما كان الإمساك بالبشر من خلال طموحاتهم أنجح وسيلة للسيطرة عليهم"[26] إنها جملة بينة الدلالة تخبر بأن الأحلام التي راودت شخصيات الرواية، بمن فيهم الطبيب، كانت بمثابة اللجام المتحكم فيها.

فقد شدت أنظار شخصيات هذا العمل إلى "الزيارة" التي رأت فيها الطريق المؤدية إلى التغيير الشامل في الضهرية ومصر كلها وحتى الشرق الأوسط، لأن ما سيعقبها هو الخير العميم، وهكذا أخذت تنسج أحلامها بحسب مطالبها الخاصة وما تبغي تحقيقه وما ستجنيه من أرباح مادية أو معنوية، وقد نفخ في أحلامها أن تحقيق كل ذلك رهين بحسن الاستقبال.

وفي هذا الإطار يمكن إدخال الأحلام التي راودت كلا من الطبيب والضابط ورئيس القرية الذين رأوا في الزيارة فرصة العمر لتسلق السلاليم والوصول إلى أعلى المراتب: "أتت نسمات المساء الطرية، مست العقول والقلوب، حلقوا في سماوات من صنع الخيال، مر المساء وانتصف الليل وهم يتحدثون في الأمور السياسية والمال، التحقيق والقضية، طموحات الشباب الأول معاون النقطة أصبح مديرا للأمن العام، والطبيب وزيرا للصحة ورئيس مجلس القرية كان متواضعا في طموحاته قال إنه يكفيه جدا منصب محافظ الإسكندرية، ضحكوا"[27].

وبما أن المؤلف-السارد قد عمل على إبراز ما استحوذ على ألباب تلك الشخصيات، فإنه لم يكن محايدا لأنه وطأ لتلك الأحلام بعبارات تسفهها بغية فضح خفايا الشخصيات وما تتطلع إليه من أمان زائفة، من ذلك تلك النسمات الطرية التي أذكت أحلامهم فحلقوا في سماوات من صنع الخيال، وبذلك يهوي بهذه العبارات على ما تم نسجه لإبراز بطلانه، زاد من حدة تهكم المؤلف-السارد من تلك الأحلام الجو العام، الذي تعيش فيه تلك الشخصيات، العابق بالخمر والتخمة وهما عنصران يشرعاان الأبواب بالمجان أمام الأحلام، خاصة وأن الزمن الذي راودتهم فيه كان هو الليل.

بناء عليه سيعمل الطبيب على توزيع المعونة بشكل غير مسبوق، حتى يصل اجتهاده إلى أعلى فيحصل على ما يحلم به، ويتمثل هذا الاجتهاد في توزيع المعونة على النساء الحوامل فقط، حتى "يشعر الأجنة أبناء المستقبل بالجميل الأمريكي، إن المعونة لا تستهدف امتلاك الحاضر فحسب بل السيطرة على المستقبل كذلك"[28].

إضافة إلى هذا الحلم البعيد والذي يراه قريبا يعمل النص الروائي على فضح تصرفات الطبيب من خلال أحلامه المتمثلة في إقامة عيادة خاصة به، إذ يضم إلى قائمة الأسماء التي ستستفيد من المعونة تلك الأسرة الغنية التي ترغب في مصاهرته والتي ستساعده على تحقيق ما يريد وهو يعلم أنه لن يصاهرها أبدا. إن القارئ يتوصل إلى معرفة هاته الشخصية من خلال أحلامها التي ملكت عليها جماع نفسها، فهي لا تسعى إلى بناء مستقبلها بالكد والعمل وإنما بواسطة استغلال الفرص واقتناص المناسبات.

كما أن رئيس مجلس القرية الذي يركبه طموح جارف للوصول إلى أعلى المراتب سيرى نفسه في الحلم يصافح الرئيس نيكسون، الذي سيحصل منه على وردة بيضاء بناء على حسن الاستقبال الذي حظي به. لقد تم تفسير الحلم الذي رآه رئيس القرية من طرف المتدين والموظفين والغجرية، بالخير العميم الذي سيحدث له حيث ستتغير حياته كلها بعد مرور الموكب.

إن التفسير الجماعي للحلم سيكون المفتاح الذي به سيلج "النصاب" شخصية رئيس القرية ويعمل على ابتزازه، بدعوى أنه قادر على رفعه إلى أعلى. وسيتكفل المؤلف-السارد بالسخرية من تصديق الرئيس وإظهاره غرا عبر تصويره لتصرفاته الرعناء التي كادت تؤدي بحياته وهو يتقدم لاستقبال الضيف ظانا أن القطار سيتـوقف !.

وتمضي بنا الرواية لتواصل كشفها لتفاهة الأحلام التي استبدت، بشكل جنوني، بالكل من خلال تصديقهم للمكاسب العميمة التي ستتبع الزيارة، حيث تعد المعونة التي وردت على مجلس القرية مقدمة لها، إن ما تم الترويج له هو الدفع بالجميع لإنجاح الزيارة ليس إلا.

غير أن الخير العميم الموعود به سيتضح زيفه من خلال مقتل "الدبيش" أولا، ومن خلال عملية البحث والتقصي التي سيقوم بهما زملاؤه ثانيا، حيث ستتضح الكذبة البيضاء أمامهم كانبلاج الفجر: إذ "المفروض أن الكبير بيعدي على البلاد ينصلح حالها المعوج.

الكبير عدى والحال أصعب من الأول"[29]

زيادة على ما سبق، سيقوم المؤلف-السارد بإظهار بطلان الوعود وزيف الأماني، وأن ما يروج له ليس الغرض منه إلا محو آثار وندوب الجراح المتولدة عن الحرب: لذا "كان هناك الكثيرون من الذين قالوا لا في بعض الأحيان لم يكن الحلم بقادر على تصفية بحار الدماء القديمة والجديدة والجراح مازالت طرية، وذكرى الشهداء وعددهم في الضهرية ثلاثة عشر في الحرب الأخيرة لم يمض عليها سنة واحدة"[30]

تلك، إذا، بعض الأمثلة التي سقناها للتدليل على خلخلة بنية الزمن عبر بعديها الاسترجاعي والاستباقي، ولم تقتصر الرواية على ذلك، بل اعتمدت عناصر أخرى لتحقيق ذلك سعيا وراء تكسير عمودية الزمن،  وخلخلة الأحداث بدل تقديمها في تراتب منطقي.

ويتمثل ذلك فيما يمكن تسميته بخلخلة مورفولوجية السرد بصريا، إذ أن بصر القارئ ينتقل من الأعلى إلى الأسفل للتعرف على وجهتي نظر مختلفتين، وجهة نظر إحدى شخصيات النص، ووجهة نظر المؤلف-السارد الذي يعمد، عبر الهوامش المخصصة له، إلى فضح أو إلقاء الضوء على نقط تم تجاوزها أو مناقشة ما ورد من أفكار أو أحداثوهو بهذا الفعل يلعب الدور نفسه الذي قامت به الاسترجاعات والاستباقات لكن هذه المرة على مستوى عمودي ، بعد أن كان أفقيا.

إن القارئ إذا، مدعو لتوقيف سيرورة الأحداث، وتعطيلها مؤقتا، للتعرف على وجهة نظر المؤلف-السارد الثاوية في الهامش والمصاحبة للنص الأصلي، وهي إشارات تدل إما على معرفة ضافية بالأحداث وبالشخصيات، وإما على نقص في المعرفة، من ذلك ما صرح به المؤلف-السارد من جهله الإصرار على رقم ثلاثمائة التي وردت في هامش (ص 88) حيث يقول: "لم أفهم حرص الغريب على الرقم (ثلاثمائة) في كل هذه الأصناف، قد يكون ذلك لحكمة ما لا يعلمها غير رئيس القرية شخصيا."

 

 

التــناسل الحــكائي:

إذا تتبعنا رواية "يحدث في مصر الآن" نجد أنها تنبني في أساسها الحكائي، على قصة تدور حول مقتل "الدبيش عرايس" العامل الزراعي الذي سعى بالحيلة إلى الحصول على المعونة فكان ما كان. لكن إلى جانب هذه الحكاية الرئيسية فإن الرواية تتضمن عددا لا بأس به من الحكايات التي ترتبط بهذه القصة بروابط مختلفة ومتعددة، وتؤدي في علاقتها بهذه القصة المركزية أدوارا عدة: منها أنها في طابعها الاستطرادي تأتي إما لتفسير غامض في القصة المركزية أو لتقديم معلومات عن إحدى الشخصيات، إما عند  دخولها الأول إلى عالم الرواية وإما في أثناء ذلك، وإما لسد فراغات خلفها النص ولزم التصريح بها استكمالا لمنطقية الأحداث. ومن بين الحكايات التي تتضمنها الرواية، حكاية تفكير "الدبيش" في طريقة الحصول على المعونة، حكاية حواره مع زميله "الغلبان"، حكاية تركيب البطن، حكاية اعتدائه على الطبيب، حكاية اعتقاله، حكاية تعذيبه ومقتله، وحكاية دفنه، إضافة إلى حكايات أخرى فرعية تساهم في فهم بعض الشخصيات وطريقة تفكيرها وما تحلم به، كحكاية عشق رئيس القرية، حكايته مع الزائر الغريب وحكاية ما وقع له أثناء محاولة استقبال الزائر بمحطة القطار، حكاية الطبيب مع أصهاره، حكايته مع زملائه وتفكيرهم في التخلص من الورطة التي وقعوا فيها، إلى ما هناك من الحكايات الفرعية التي تتفاوت من حيث الطول والمساحة التي تستغرقها، ومن حيث أسلوب ورودها وطبيعة الرابط الذي يجمعها والحكاية الرئيسية.

فإذا كانت الحكايات المرتبطة "بالدبيش" تلقي الضوء على حياته مذ كان صغيرا إلى أن تزوج وأصبح له ثلاثة أبناء، فإنها تبين الفقر الفادح الذي يعيش فيه صحبة أسرته لدرجة أنه، أحيانا، لا يملك ما يسد به رمقه سوى التدخين وشد البطن؛ من ثم فإن ما قام به تجاه الطبيب ما هو إلا نتيجة طبيعية لتلك الحياة المزرية التي يتخبط فيها.

كما أن حكايات الطبيب مع أصهاره  وطريقة توزيعه للمعونة ومناقشته مع زملائه بحثا عن طريقة للتخلص من الورطة التي وقعوا فيها جراء مقتل الدبيش، تبين لنا جانبا خفيا من شخصية هذا الرجل الذي يميل إلى اقتناص الفرص، وتصيد المناسبات لتحقيق الأحلام الشخصية مهما كان الثمن.

وكذلك الشأن بالنسبة لرئيس مجلس القرية، والضابط والإقطاعي "طبعة 75"، وغيرها من الشخصيات.

ولا يخفى أن مثل هاته الحكايات تقوم بتوقيف سيرورة الزمن، وتعطيل تناميه الصاعد بفعل هذه الانعطافات التي تتطلبها متابعة هاته الحكايات الجانبية المؤطرة من طرف الحكاية الرئيسية.

 

الــتنـاوب:

وتكمن أهمية هذا العنصر في تلك الوقفات التي يحدثها بفعل الانتقال من قصة إلى أخرى قبل اكتمالها، حيث يتخلخل الزمن جراء العودة إلى القصة الأولى لاستكمالها أو الاستمرار فيها زمنا ثم العودة إلى الثانية، وهكذا دواليك إلى انتهاء النص الروائي.

وأبين دليل على هذا ذلك الحضور "لتفكير الرواية في ذاتها" والمؤطر للنص بداية وانتهاء. فالرواية مبنية على أساس من روايتين تدور الأولى من داخل الثانية، وتتعاقبان في الحكي، وتعمل الرواية على تقديم أجزاء نصية تتعلق كل منها بالأخرى وترتبط بها في أغلب الأحيان، وتنقطع عنها وتفارقها أحيانا أخرى مما يعني أن الحكاية الداخلية لا تنفصل عن الحكاية الخارجية فهما يتشابكان، وفي تشابكهما تقوم الحكاية الخارجية بتأطير الحكاية الداخلية من حيث المنطلق والمنتهى وتتناوب معها داخل النص كله.

إيقاع الوتيرة السردية:

التقنيات السردية:

تتخلل الوتيرة السردية لرواية "يحدث في مصر الآن" حركات تشف عن إيقاعات سردية زمنية تتباين من حيث السرعة وسعة الحيز المكاني الذي تشغله بموازاة مع زمن القصة.

I - وسنبدأ بالحركات الأولى وهي ذات سيولة زمنية سريعة تتراوح بين إيقاعين زمنيين:

-إيقاع الخلاصة السردية.

-إيقاع الحذف السردي:

*الخلاصة: Sommaire

والخلاصة لا تتحرر من ظل الماضي الذي يبقى متحكما في خلفيتها، ونمط اشتغالها، إن الخلاصة، خلاصة الحاضر تحديدا، تضع معطيات الماضي في خدمة حاضر القصة وتفسح المجال، بذلك، أمام القارئ لكي يستجمع صورة الأحداث كما يريد السرد أن يلم بها.

وتتحول الخلاصة إلى ما يسميه البوصلة التي تخبرنا بما حصل أو سيحصل من أحداث تهم ماضي أو حاضر القصة وذلك بأقل إشارة وأسرع إشعار.

تفكر "صدفة" في كيفية إعالة أبنائها بعد غياب الدبيش، وتنوي الذهاب إلى منزل أسرتها المغلق وتتذكر: "رحلت الأسرة إلى مديرية التحرير الأب الأم وثلاثة أخوة وأختان كعمال تراحيل. فضلوا البقاء هناك بريق الكلمات والوعود أقعدهم عن الرغبة في العودة. الذين يحضرون من عندهم يقولون إن الحال أصعب، غرباء من كل بلاد الدنيا خلال الفترة الطويلة التي مرت، دفن الأب في الرمال. وحضر أحد الأخوة ميتا في صندوق مغلق نزل من السيارة السوداء إلى ظلمة القبر دون أن تراه تزوجت الأختان، وكلما سألت كان الرد: الحال هناك صعب"[31].

كل هذه الأحداث الكثيرة لم تحظ من الرواية سوى بتلك الأسطر القليلة، والشديدة التركيز. فقد توالت أمامنا بسرعة مكوكية يتعذر معها استبصار ملامح الأحداث كما جرت في القصة.

إن المقتطف السابق يرتبط بخلاصة ذات مدى زمني أعلى، إذ يجري فيه تلخيص أجزاء كبرى من الأحداث تغطي فترة زمنية طويلة بحيث تسير القصة بسرعة فائقة مكتفية بالإشارة والتلميح عملا بمبدأ تسريع السرد المتحكم في تقنية الخلاصة.

المقتطف السابق، إذا، يقوم بتلخيص أحداث عديدة في مدة زمنية طويلة يحددها في "الفترة الطويلة التي مرت" بالتركيز على الأحداث الأساس، وليس غريبا أن تقوم الذاكرة باسترجاع تلك الأحداث، لأن صدفة في حالة نفسية صعبة جراء موت المعيل الأول للأسرة، إنها تستعيد "تلك الأحداث" بتركيز شديد بين لحظتين حاضرتين متميزتين بالقسوة وهما كثرة الأوراق المفروض أن تحصل عليها للإدلاء بها قصد الحصول على المساعدة، ووحشة الليل بالمنزل الذي فرغ من عموده الأساس وهو الدبيش، إن الذاكرة لا تستعيد إلا اللحظات الصعبة لتخبرنا بأن ليس هناك من حل، لا في الماضي ولا في الحاضر، وأن مسلسل الحرمان ممتد من الماضي إلى الحاضر.

والملاحظة ذاتها تنصب على تلك الخلاصة الواردة في الصفحة (102) حيث يستعيد المؤلف-السارد تاريخ الدبيش قبل ولادته إلى حين زواجه في بضعة أسطر، مركزا أشد ما يكون التركيز على لحظات أساسية تلقي الضوء على هاته الشخصية، وتمنح للقارئ بعض المفاتيح لفهمها وإدراك خصوصيتها.

كما نصادف في الرواية ورود التقديم الملخص Présentation résumée"" حيث تقتصر فيه الخلاصة على تقديم موجز سريع للأحداث والكلمات، إذ لا تعرض أمامنا سوى الحصيلة، أي النتيجة الأخيرة التي تكون قد آلت إليها تطورات الأحداث في الرواية، وبفضل هذا التقديم الموجز تمدنا الخلاصة بالمعلومات الضرورية عن الأحداث والشخصيات مستعملة أسلوبا شديد الكثافة والتركيز:

"في المقدمة التي لم تكن مثيرة تركناهم- العامل الزراعي في نقطة البوليس، رئيس مجلس القرية في الإسكندرية، ضابط البوليس في استراحته الطبيب في الفيلا، زوجة العامل الزراعي وأولاده الثلاثة يشربون سماء الليل بأعينهم في انتظار الفجر"[32].

إن هذه الخلاصة-الحصيلة لا تقدم لنا شيئا جديدا، فهي أشبه ما تكون بكتابة تلغرافية لأحداث جرى عرضها مفصلة على مدى الصفحات السابقة، ويؤتى بها هنا على سبيل الاستخلاص والتذكير وضمان حضور القارئ وانتباهه.*

*الحـــذف: L’ellipse

يلعب الحذف دورا مهما في اقتصاد السرد وتسريع وتيرته، فهو تقنية تقضي إسقاط فترة طويلة أو قصيرة، من زمن القصة وعدم التطرق لما جرى فيها من وقائع وأحداث، أي عندما يكون جزء من القصة مسكوتا عنه في السرد كلية، أو مشارا إليه فقط بعبارات زمنية تدل على موضع الفراغ الحكائي من قبيل و"مرت بضعة أسابيع" أو "مضت سنتان" من ذلك هذا المقتطف:

"سافرت يومها إلى البلد، أسباب السفر متشابكة ومتداخلة ولكن وجدت نفسي بعد ثلاث ساعات  أغمس عيني في مناظر البلد"[33].

إن البياض الكرونولوجي يحدد في هذا المقتطف في ثلاث ساعات، حيث يتم القفز عليها وعلى ما اشتملت عليه من أحداث، وبذلك فإن البياض، يسرع من وتيرة السرد عن طريق إلغاء الزمن الميت في القصة والقفز بالأحداث  إلى الأمام بأقل إشارة أو بدونها.

والملاحظة ذاتها بالنسبة للمقتطف التالي: "وكانت والدة شاب ذهب إلى الحرب ولم يعد، كلما سألت عنه قيل لها أنه مفقود ولم يحدد موقفه بعد. عام بأكمله مر ضنوا عليه خلاله بلقب "شهيد حرب التحرير" كانت تستجدي ثمن العشاء لم تجد من يمد لها يده بمليم بعد انتصاف الليل أخذت تحكي قصتها لصمت الليل وظلامه منذ عشرة أشهر حزنت على ابنها الوحيد"[34].

بين أن البياض الكرونولوجي الوارد في المقتطف السابق محدد زمنه بالستة والعشرة أشهر، وهي فترة زمنية لا بأس بها عرفت أحداثا متعددة تم حذفها بالقفز عليها وعدم إيلائها أية أهمية، حيث إن الحيز المكاني الذي شغلته قصير جدا لا يتناسب والفترة الزمنية التي يشير إليها، ومرد غياب الاحداث التي تناسب الفترة الزمنية المعلن عنها ناتج عن غياب خبر جديد ينور الأم التي ما فتئت تسأل عن ابنها الوحيد فلم تحصل على إجابة تشفي غليلها، إن الحذف مرتبط، إذا، بحالة التكرار التي عرفتها ردا على سؤالها القديم المتجدد، وكأن الحذف جاء ليخبرنا أن لا شيء جديد قد حصل وبالتالي فإن تسريع وتيرة السرد عن طريق إلغاء الزمن الميت في القصة بالقفز بالأحداث إلى الأمام ضرورة لتجنب السقوط في الإملال بسرد أحداث لا تتغير.

II- أما الحركة الثانية فهي ذات سيولة زمنية بطيئة تتمثل في إيقاع:

الوقفة، ففيها يتم إبطاء الوتيرة السردية إلى حدود التوقف.

الوقفة الوصفية:

تقوم هذه الوقفة بتعطيل زمنية السرد وتعليق مجرى القصة لفترة قد تطول أو تقصر، مما يترتب عنه خلل في الإيقاع الزمني للسرد، ويحمله على مراوحة مكانه وانتظار أن يفرغ الوصف من مهمته لكي يستأنف مساره المعتاد، من ذلك وصف دار الدبيش الذي تكرر أكثر من مرة:  "جلوسهم في وسط الدار الذي لم يكن مسقوفا جعلهم يشاهدون لمعان نجوم السماء بمجرد أن بدأت الدنيا تليل"[35].

والوصف يرتبط بالعين، وهو ما يشير إليه المقتطف السابق بلفظة "يشاهدون" حيث إن الرؤية عمودية أي من الأسفل إلى الأعلى يراقبون فيها لمعان النجوم في الليل، ذلك أن هذا اللمعان لم يكن ليتحقق لو لم يكن الزمن ليلا.

ووصف الدار في هذا المقتطف جاء ليكمل وصفا تم من طرف الطبيب حينما ذهب لاستعادة المعونة حيث قال: "في حارة ضيقة عثرنا على البيت، الباب مفتوح، في وسط الدار امرأة ريفية"[36].

فلم يكن وصف الدار إلا قصيرا جدا، إذ اقتصر على تحديد موقعه بالحارة الضيقة وذكر مدخله مع وصفه  بصفة واحدة وهي "مفتوح"، وهذا البخل في وصف دار "الدبيش" مرتبط أشد ما يكون الارتباط، من جهة، بحالة الاستعجال لأن الطبيب حدد مهمته في استعادة المعونة بأسرع وقت، ومن جهة ثانية، بنظرة الاستعلاء التي يتميز بها الدكتور والتي جعلته يقفز بسرعة عن الوصف لعرض عناصر المعونة والصراع الذي دار بين مجموعته "وصدفة" الضعيفة.

غير أن المؤلف-السارد سيكون أكثر سخاء في وصف منزل الدبيش: "سارت أمامنا  انتهت ما داير الناحية، دخلت حارة بدت ضيقة البيوت واطئة وأشكالها غريبة، أكوام الحطب متناثرة عليها، أدت الحارة إلى أخرى أكثر ضيقا البيوت قريبة من العشش، تلامس السقف بيدك بعض البيوت بلا أبواب، الحارة مسدودة

وسط الدار، وفي أوله باب حجرة وحيدة في آخره زربية جافة وخالية، تتناثر بعض الكراكيب التي نسميها تجاوزا أثاث البيت، بجوار الحائط، منقد وكوالح وجوزة وعدة شاي وجوال قديم فرشته "نورستة" على الأرض بدلا من الحصيرة، الحجرة الوحيدة فيها فرن على الأرض حصيرة فوقها مخذة تاه لونها الأصلي في الجدار حبل يمتد إلى الجدار المقابل فوقه تعلق ملابس العائلة، خلف الفرن طشت وبعض الأواني النحاسية، فوق الفرن باقي ما يمتلكونه لم يكن بالدار غرفة معاش بها من الخير ما نسمع عنه في الحكايات القديمة الزريبة كانوا يستخدمونها لقضاء حاجاتهم، على سطح الدار كميات الحطب    المختلفة"[37].

نحن أمام مشاهد بصرية تتوالى أمامنا انطلاقا من الكبير إلى الصغير، وكأننا بإزاء كاميرا تنتقل من الوصف البانورامي، الذي يحدد موقع الدار إلى الوصف الجزئي للبيت وأركانه وما يشتمل عليه من أثاث،  الغرض من ذلك إظهار الفقر المدقع الذي تعيشه هاته الأسرة.

إن الوصف السابق قد قام بتعليق مجرى القصة لفترة زمنية لا بأس بها، ولن يستعيد السرد حضوره إلا بعد الإفراغ من الوصف إن توقف  الوتيرة السردية قد شكل أيضا وقفة دلالية تدعو المتلقي إلى التوقف عندها حتى يملأ الثغرات الدلالية الثاوية وراء الوصف.

إضافة إلى تلك الوقفات الوصفية السابقة، والتي اعتمدت العين وسيلة  واللون وسيطا، نجد أن النص الروائي يقدم لنا مقاطع وصفية تعتمد على ما سبق وتضيف عنصرا آخر يساهم في بروزها، إنه عنصر المكان، وخاصة المكان المرتفع الذي يتيح للناظر منه رؤية أوسع وأكبر من ذلك هذا المقتطف: "حضر الموظف ومـعه الأوراق، جـلس وأمامه مـنضدة صغيرة في الشرفة واستمتع بمنظر أوراق شجرة التوت وبالهواء المشبع برائحة الماء والخضرة والأرض المروية حديثا"[38]. فالشرفة مكان مرتفع يطل على مكان فسيح يتميز بالخضرة والرواء إنها نظرة بانورامية لعالم طافح بالمسرات. بعكس المقتطف التالي: "أدارت عينيها في الجالسين، استقرت العينان على جزء من النافذة يبدو منه شريط عميق الزرقة من السماء، ليست في حياتها ذكريات سعيدة تتذكرها، لكـن شريط السماء الأزرق بدا لنظرها في تلك اللحظة كأنه الشيء الوحيد المؤكد وسط العالم كله، نزلت بنظرها على خرق قديمة موضوعة في ركن الغرفة"[39]

إن المؤلف-السارد يقوم بتبئير "صدفة" وهي وسط حجرة التحقيق في حالة ضيق واضطراب، حيث تقوم بوصف الحجرة ماسحة إياها بنظرها، ولأنها تشعر بالنفور يمتد بصرها إلى الخارج الأرحب، انطلاقا من النافذة، المعبر الذي مرت منه أنظار صدفة لتلاقي الحرية والانطلاق المشمولين بالزرقة اللذيذة، بعيدا عن هذا الداخل الذي يختزن كل معاني الحصار واللاآمان.

إنها من خلال وصفها تقيم تعارضا بين الداخل والخارج، تعارضا يميل لصالح الخارج على حساب الداخل المشتمل على خرق قديمة.

هكذا تقوم الوقفة الوصفية بتعطيل زمنية السرد للحظة ثم يعود فيها إلى حركته وسريانه، إلا أن ما يميزها هو حيزها المكاني الصغير الذي تمتلكه، فهاته الوقفات الوصفية تخالف كليا الوقفات الطويلة التي تعودنا عليها في الروايات الكلاسية والتي كانت تستغرق صفحات عدة، إنها وقفات لا تروم استجلاء واقع جاهز متكامل تحاكيه وتستنسخه بدقة، وإنما تروم استجلاء واقع مفكك، غير جاهز لا يكتسب تمفصلاته وانسجامه إلا بفضل تشغيل المخيلة المبدعة.

III-الحركة الثالثة ذات سيولة زمنية متطابقة والسيولة الزمنية للقصة تتمثل في إيقاع المشهد، حيث يتوالى ما حدث في القصة بكل تفاصيله وأبعاده.

إن سرعة المحكي هنا لا تكون أسرع من سرعة القصة ولا أبطأ، وإنما تكون في حالة توازن وتطابق تام بينهما؛ إضافة إلى أن المشهد يمتلك دورا حاسما في تطور الأحداث وفي الكشف عن الطبائع النفسية والاجتماعية للشخصيات، كما يقوم بتحقيق أثر الواقع في القصة، ويمنح للمتلقي فرصة مشاهدة أطوارها  وهي تجري أمام عينيه في الوقت نفسه الذي يقدمها له الخطاب، مما يخلق لديه وهم التمثيل المباشر لما يحصل من أحداث.

ومن بين التقنيات المستعملة لتحقيق المشهد نجد تقنية الاستنطاق التي يديرها الضابط لتكوين ملفه حول الدبيش، واللقاء المباشر الذي يجريه المؤلف-السارد لمعرفة حقيقة ما جرى. وكل المشاهد المتولدة عنها تظل مشدودة إلى المشهد الأساس، فهي إذ تستحضره تترسخ في فلكه محكومة به لا تدور فيه إلا لتكشف سعته. فمشهد مقتل "الدبيش"، مشهد يلقي بظلاله على عالم شاسع، انقضى كما انقضت حياة الدبيش وأضحى لا يستحضر إلا على مستوى الذاكرة.

هكذا يقوم كل من الضابط والمؤلف-السارد، من خلال استحضار المشاهد، وبث الحياة فيها من جديد، بالتعالي عن الزمن الفيزيائي وعيش الماضي في الحاضر إذ تبين درجة حضور الماضي واستمراره داخل الحاضر وتشبث الشخصيات به.

فالضابط يسعى إلى إعادة خلق يوم الواقعة من خلال ذاكرة الشهود الذين يستدعيهم لأخذ أقوالهم، وتعود الشهادات، كما يتطلب ذلك التقرير الذي يعده، إلى يوم صرف المعونة، ولحظة اعتداء "الدبيش" على الطبيب، وبذلك تحضر المشاهد اعتمادا على أسئلة الضابط المتنوعة، حيث يدخل في حوار مع الشهود فيتلقى أجوبة عن أسئلته التي تروم إدانة "الدبيش" وتأكيد كونه يدبر أمرا لإفشال الزيارة، حيث إن كل شهادة تقدم لنا وجهة نظر تساهم في إلقاء الضوء على جوانب معينة من الحادث ومن شخصية "الدبيش"، وإن كانت تلتقي في الهدف المراد وهو توريط العامل الزراعي. من ذلك مشاهد- شهادات شهود الزور والطبيب ورئيس القرية والإقطاعي والمنادي، أو بالاعتماد على بعض الجمل الواردة في شهادة "صدفة" و"الغلبان"

في حين نجد أن المؤلف-السارد يسعى إلى فهم ما جرى دون خلفيات مسبقة، فيعمد، من أجل بلوغ بغيته، إلى الاتصال بزوجة "الدبيش" حيث يقدم لنا بعض المشاهد الدرامية وهو بصدد البحث عن الحقيقة.

بناء على ما سبق يمكن القول إن المشهد يحتل موقعا متميزا ضمن الحركة الزمنية للرواية بفضل وظيفته الدرامية في السرد وقدرته على تكسير رتابة المحكي بضمير المتكلم الذي ظل يهيمن على الرواية. وبفضل التشديد على الحوار كوسيلة خطابية أساسية مما يستدعي خلق مشهد مباشر تتوارد فيه أقوال الشخصيات وهي تجيب عن الأسئلة لتوريط "الدبيش" أو معرفة حقيقة ما جرى.

وقد استثمرت هاته التقنية لما تستضمره من تركيز درامي وما توفره من إثارة تخلخل وتيرة السرد وتقطع استرساله، إنها وسيلة ساهمت في ترويح الفعل الدرامي ومعالجته بشكل حواري يعطي الامتياز لكلمة الشخصيات بإدراجها كما هي في النص الروائي.

وللاستدلال على ما ذهبنا إليه بصدد التلازم بين تقنية الاستنطاق وأسلوب المشهد سنختار بعض الأمثلة نعرض لها في جدولة موجزة ثم نعلق عليها سريعا:


 

 

من ص 53 

إلى ص 58

يأتي شهود الزور لتقديم شهادتهم في حق الدبيش ويوطأ لذلك بحوار بين الضابط وصديقي عمره  تأتي الشهادة اعتمادا على أجوبة لأسئلة الضابط الموجهة.

احتياطي الشهود يتكلم

من ص 61

إلى ص 65

أسئلة الضابط عن سن وأحوال صدفة وأجوبة زوجة الدبيش عن الأسئلة، وإخباره عن أفعال زوجها مذ قيامه من نومه إلى حدود عودته من الحقل لكي يذهب إلى المستشفـى لصرف المعونة، وما دار بين الزوجة وزوجها من حوار.

الضابط يسأل زوجة الدبيش فتفك عقدة لسانها: تحكي وتقول

من ص 77

إلى ص 78

حيث يسعى الضابط إلى انتزاع اعترافات من الزوجة لتوريط الدبيش.

عندما يعرف الجميع

من ص 66

إلى ص 70

أسئلة الضابط الموجهة للغلبان حول صديقه وإجابة هذا الأخير عنها من خلال الحوار الذي دار بينه وبين الدبيش، وخاصة حول المعونة.

جزء من حوار دار بين الدبيش والغلبان يرى الضابط ضمه إلى التحقيق

من ص 71

إلى ص 75

بعد تقديم شخصية الإقطاعي والتعارف الحاصل بينه وبين الضابط يتم التعرف على بعض ما قام به الدبيش من خلال الحوار، ومحاولة الإقطاعي الظهور بمظهر الوطني وإظهار الدبيش بالمتمرد الخطير.

إقطاعي طبعة 1975 يتساءل: لماذا ينظر الفقير لما يملكه الغني؟

من ص 87

إلى ص 99

وهو الحوار الذي دار بين المؤلف وزوجة الدبيش أظهر بعض الجوانب الخفية من حياة الزوجين وكيفية صنع البطن الوهمية وكمية المعونة وطريقة انتزاعها بعد ذلك

لقاء بين المؤلف وزوجة الدبيش

 

على هامش هذا الجرد لبعض مشاهد الاستنطاقات والاستجوابات يمكن الإدلاء بالملاحظات التالية:

1- من جهة الكم، يلاحظ الطول النسبي الذي تحتله هذه المشاهد، فهي تتراوح من حيث اتساعها بين بضعة صفحات، قد تكون مسترسلة وقد تكون متقطعة، وبين الفصل الموقوف كلية على مشهد استنطاق وهو ما يدل على عمق النفس الدرامي للنص الروائي وانفتاحه على عالم الشخصيات وعرض كلامها بشكل مباشر ودون وسيط.

2- من بين المشاهد الواردة يلاحظ أن البعض منها مفبرك والبعض الآخر يسعى إلى أن يكون صادقا، ولكن غايته هي الدفاع عن المصالح الذاتية وإدانة الطرف الآخر الذي تسعى تلك المشاهد - الشهادات إلى تحقيقه.

في حين، أن بعض المشاهد جاء  واقعيا صادقا لأن أسئلته الموجهة  لا تسعى إلا إلى استجلاء الحقيقة بعيدا عن أي غرض ذاتي.

ختاما، يمكن القول، إن الرواية لم تتعامل مع الزمن بشكل خطي كرونولوجي ينطلق من نقطة ويتصاعد حتى يبلغ نهايته المرسومة بدقة، وإنما قامت بالتنويع، فأقانيم الزمن الثلاثة أضحت حاضرة، وأصبح تداخلها شيئا محققا.

 

المـــكـــان:

 

المكان الروائي:

     

تعريف مختزل:

"لم تعن الدراسات الشعرية أو السيميائية في النقد الحديث بتخصيص أية مقاربة وافية ومستقلة للفضاء الروائي باعتباره ملفوظا حكائيا قائم الذات وعنصرا من بين العناصر المكونة للنص"[40]، والأبحاث التي عنت بذلك لازالت  حديثة العهد، لم تتطور بالشكل الكافي لتؤلف نظرية متكاملة عن الفضاء الحكائي "مما يؤكد أنها أبحاث لا تزال فعلا في بداية الطريق"[41] فضلا عن أن  الآراء المرتبطة بهذا الموضوع ما هي إلا اجتهادات متفرقة "لها قيمتها، ويمكنها إذا هي تراكمت، أن تساعد على بناء تصور متكامل حول هذا الموضوع"[42].

غير أن الملاحظ هو أنه لم ينظر إلى الفضاء إلا نظرة جانبية تقلص من شموليته وتختزل أبعاده الطوبوغرافية والدلالية والرمزية" وسواء عند باشلار أو جلبير دوران أو جورج بولي فإن مقاربة المكان كانت تتم دائما من زاوية وظيفية تبحث في التمظهرات الواقعية والقيم الرمزية التي يتضمنها أكثر مما تأبه لبنيته ومنطقه الداخلي والعلائق التي تربطه بمكونات التخيل الروائي"[43].

ومن المعلوم أن المكان لا يعيش منعزلا عن باقي عناصر السرد "وإنما يدخل في علاقات متعددة مع المكونات الحكائية الأخرى للسرد كالشخصيات والأحداث والرؤيات السردية.. وعدم النظر إليه ضمن هذه العلاقات والصلات التي يقيمها، يجعل من العسير فهم الدور النصي الذي ينهض به الفضاء الروائي داخل السرد"[44].

وقد التفتت الدراسات إلى ذلك وسعت إلى تجاوزه بـ "قياس درجة كثافة المكان أو سيولته والإمساك بالدلالات الرمزية والإيديولوجية التي يكشف عنها"[45].

غير أن الدراسات المنجزة حول هذا الموضوع لم تقدم تصورا واحدا للفضاء، بقدر ما قدمت تصورين أو أكثر له أغنت النظر إلى الفضاء الروائي ومهدت لانبثاق شعرية خاصة به ما انفكت تتطور مع الوقت.

وقد لخص الباحث لحميداني الأشكال الأربعة التي اتخذها مفهوم الفضاء وهي: "الفضاء الجغرافي: وهو مقابل لمفهوم المكان، ويتولد عن طريق الحكي* ذاته، إنه الفضاء الذي يتحرك فيه الأبطال، أو يفترض أنهم يتحركون فيه.

فضاء النص: وهو فضاء مكاني أيضا، غير أنه متعلق فقط بالمكان الذي تشغله الكتابة الروائية أو الحكائية- باعتبارها أحرفا طباعية-  على مساحة الورق ضمن الأبعاد الثلاثة للكتاب.

الفضاء الدلالي: ويشير إلى الصورة التي تخلفها لغة الحكي وما ينشأ عنها من بعد يرتبط بالدلالة المجازية بشكل عام.

الفضاء كمنظور: ويشير إلى الطريقة التي يستطيع الراوي-الكاتب بواسطتها أن يهيمن على عالمه الحكائي بما فيه من أبطال يتحركون على واجهة تشبه واجهة الخشبة في المسرح"[46].

وفي ختام هذا التحديد يقدم الملاحظة التالية: "لقد بينا أن المفهومين الأخيرين لهما علاقة بمباحث أخرى، واتخذا هنا تسمية الفضاء دون أن يدلا على مساحة مكانية محددة على خلاف المفهومين الأولين اللذين نعتبرهما مبحثين حقيقيين في فضاء الحكي، بينما يمكن إرجاع المبحث الثالث (الفضاء الدلالي) إلى موضوع الصورة في الحكي، والمبحث الرابع إلى موضوع زاوية النظر عند الراوي"[47].

على أي، فإن تنوع الدراسات المرتبطة بالفضاء دليل على أهميته "بالنسبة للسرد، ويصبح هذا الأخير محتاجا لكي ينمو ويتطور كعالم مغلق ومكتف بذاته، إلى عناصر زمانية ومكانية، فالحدث الروائي لا يقدم سوى مصحوب بجميع إحداثياته الزمانية والمكانية، ومن دون وجود هذه المعطيات يستحيل على السارد أن يؤدي رسالته الحكائية"[48].

إن الفضاء يقيم صلات وثيقة مع باقي المكونات الحكائية في النص وفي مقدمتها الحدث الروائي والشخصيات التخيلية، إذ لا يتشكل المكان إلا باختراقها له، ارتباطا بالأحداث التي تقوم بها داخله.

  فلا شيء "في الرواية يتميز بالاستقلالية عن البنية المكانية كما أن كل المواد والأجزاء والمظاهر الداخلة في تركيب السرد تصبح تعبيرا عن كيفية تنظيم الفضاء الروائي، وعليه يمكننا النظر إلى المكان بوصفه شبكة من العلاقات والرؤيات التي تتضامن مع بعضها لتشييد مواقع الأحداث، وتحديد مسار الحبكة ورسم المنحى الذي يرتاده الشخوص"[49]  كما أن أهم وظائف الفضاء تتمثل، قبل كل شيء، وفي أغلب استعمالاته، في التمكين لسير الاحداث بحيث يفضي تغيير الأحداث وتطورها إلى تعددية الأمكنة واتساعها أو تقلصها حسب طبيعة موضوع الرواية، "إن مجموع هذه الامكنة، هو ما يبدو منطقيا أن نطلق عليه اسم: فضاء الرواية، لأن الفضاء أشمل وأوسع من معنى المكان، والمكان بهذا المعنى هو مكون الفضاء، ومادامت الأمكنة في الروايات غالبا ما تكون متعددة، ومتفاوتة، فإن فضاء الرواية هو الذي يلفها جميعا إنه العالم الواسع الذي يشمل مجموع الأحداث الروائية."[50]. وقد أكد ذلك، سابقا، رولان بورنوف  R. Bourneuf  حين قال: "إن الفضاء داخل الرواية، هو أكثر من مجموع الأمكنة الموصوفة"[51].

إن تحليل الفضاء الروائي هو الذي سيسمح لنا بالقبض على الدلالة الشاملة للعمل في كليته، "بيد أن هذا التحليل لن يكون بمقدرته ادعاء تفسير جميع  أسرار النص أو كشف مختلف مظاهره، كما أنه لا يفعل ذلك دائما بنفس الدرجة من العمق، وإنما يكون أكثر إنتاجا إذا ما اهتم بدراسة المبادئ البنيوية التي تنظم اقتصاد المكان في الرواية من خلال المستويات التي تشكل أساس التنظيم الحكائي للنص"[52].

ولعل من بين " أهم المفاهيم التي أبانت عن خصوبتها   وقوتها الإجرائية في هذا المضمار، تلك العائدة إلى الروسي يوري لوتمان، مثل مفهوم التقاطب المكاني الذي جرى استخدامه للوقوف على طبيعة الثنائيات الضدية القائمة في أصل نشأة الفضاء الروائي من قبيل (الداخل-الخارج)، (الفوق-التحت)، (الأمام-الخلف) إلخ، والتي، كما يبدو، ترتقي بالعلاقات المكانية المعتادة إلى مستوى النموذج المكاني القابل للتحليل وفقا لطبيعة تنظيم واشتغال المادة المكانية في الخطاب الروائي"[53].

ومن بين المفاهيم الأكثر إجرائية وخصوبة، مفهوم الحد الذي يقوم "بوصفه مفهوما طوبوغرافيا، بتقسيم فضاء الحكاية إلى فضاءين صغيرين غير متقاطعين ويتضمنان قيما ومبادئ متعارضة (الأمن- الخطر)، و(الشر-الخير) إلخ، مما ينجم عنه تمفصل الفضاء التخيلي إلى أماكن مباحة وأخرى محظورة لا يجوز اخنتراقها بغير ترخيص مسبق"[54].

المكان في الرواية:

يؤدي المكان دورا هاما وأساسيا في عمل يوسف القعيد. والمكان الذي تدور فيه أحداث رواية "يحدث في مصر الآن" هو القرية: قرية الضهرية نقطة التوفيقية مركز ايتاي البارود البحيرة.

ينقسم المكان إلى قسمين: قسم يسود فيه الفقر والقهر والجوع، وقسم يسود فيه الغنى ورغد العيش.

إن اختيار يوسف القعيد للقرية هو من أجل إظهار عالم التسلط الذي ترزح تحته الطبقة المعدمة.

"فالمكان  (القرية) الداخل، يتسم بالعزلة عن المدينة-الخارج، التي تمارس هيمنتها وسيطرتها على الريف، حيث لا يتم الاتصال بين الداخل والخارج إلا من خلال الإقطاعي المهيمن على الفلاحين المعدمين، لذلك يخلق المكان العزلة، أنماط السلطة الخاصة به متمثلة في العمد وكبار الملاك الأغنياء، بالإضافة إلى أشكال السلطة الرسمية المتمثلة في ذوي النفوذ وأصحاب المناصب الرسمية الغير خاضعين لأي رقابة تحد من سيطرتهم وبطشهم."[55]

اعتمادا على ما سبق يمكن تقسيم المكان الوارد في النص إلى قسمين: قسم الداخل أي القرية وقسم الخارج أي المدينة. فلنبدأ بالقسم الخارجي.

 

*المكان الخارجي:

إن القارئ لنص "يحدث في مصر الآن" يمكن أن يقوم بتقسيم هذا المكان، بدوره إلى قسمين بحسب شخصيات الرواية، فهي تختلف حياله باختلاف مواقعها.

فالخارج يمثل السعادة والرقي والحياة بالنسبة للطبقة المسيطرة، فـإذا كان الإقطاعي يمتلك فرصة الذهاب إليه، فإنه بالنسبة لرئيس القرية مجال للالتقاء بالحبيبة هروبا من مشاغل القرية وهمومها.

إنه ينتقل إليه باستمرار للحفاظ على شجرة الحب من الذبول، يقضي غالبية أوقاته هناك إلى جانب معشوقته وخاصة على الكورنيش بالإسكندرية، إنه شبه غائب عن القرية، لا يقوم بأداء واجباته هناك، كما أن الأحداث التي عرفتها القرية كانت في غيابه، إن انتقاله من الخارج إلى الداخل، والعكس، يتحقق بواسطة سيارة الإسعاف.

إضافة إلى أن الخارج يجسد مكان الارتقاء في الوظيفة، بالنسبة إليه ومن تم الانتقال للعمل بالمدينة.

والأمر نفسه بالنسبة للضابط والطبيب، فهما معا يحلمان بالارتقاء، ومن ثم الانتقال للعيش بالمدينة.

ما يلاحظ على هؤلاء أنهم جميعا لا يرتبطون بالقرية بأي رابط، كل ما يهمهم هو تحقيق مصالحهم، والهروب إلى المدينة من جحيم القرية.

كما أن الخارج يمثل الموت بالنسبة لطبقة الفقراء. "فالدبيش" لما نقل خارج الضهرية فقد حياته، والأمر ذاته بالنسبة لأسرة صدفة، التي انتقلت خارج القرية للعمل مع عمال التراحيل، إلا أن الأب يموت هناك، كما أن أخاها يعود في صندوق، أما باقي أفراد الأسرة فلم تعد تصل إليها  أخبار عنهم، وانقطاع الأخبار يعني  رمزيا الموت.

إن طبقة الفقراء مشدودة إلى القرية وأرضها، لا تستطيع منها فكاكا وخروجها إلى المدينة يعني الموت، إلا إذا كان الذهاب إليها مؤقتا من أجل جلب الرئيس، أو من أجل تحية موكب زائر، ثم العودة سريعا، أما غير ذلك، فلا.

 

 *المكان الداخلي:

قد يبدو عالم القرية مكانا واحدا وموحدا، إلا أن عملية تدقيق تظهر أنه عالمان:

عالم الأغنياء وذوي النفوذ، وعالم الفقراء والمعدمين.

عالم الأغنياء يشتمل على ملاك الأراضي الزراعية من الإقطاعيين السابقين، وعلى ذوي النفوذ في القرية الذين تتيح لهم وظائفهم ومواقعهم في المؤسسات القروية تحقيق المكاسب المادية بشكليها، المشروع، وغير المشروع؛ إضافة إلى ما تكفله لهم هذه الوظائف من فرض سلطاتهم على المواطنين المتعاملين مع هذه المؤسسات.."[56]

ويمثل هذا العالم شخصيات ثلاث رئيسية وهي:

1- رئيس مجلس القرية.

2- طبيب الوحدة.

3- الضابط.

أما عالم الفقراء والمعدمين فيضم ذوي الدخل المحدود أو الذين يعملون بالحقول مقابل أجر زهيد لا يكفي لتحقيق متطلبات العيش الكريم.

ويمثل هذا العالم العاملون في المصالح والمؤسسات الحكومية في القرية وهم:

1- ساعي مجلس القرية.

2- سائق سيارة الإسعاف.

3- تومرجي الوحدة الصحية.

4- العسكري النوبتجي.

5- نومرجي الاستقبال.

6- كاتب التحقيق.

7- الدبيش وأسرته وزملاؤه وأساسا الغلبان.

إنهما عالمان مفصولان، لا أحد يستطيع هدم البرزخ الذي يفصل بينهما أو الانفلات من قبضته*. فحينما قام العامل الزراعي "بمهاجمة الطبيب والاعتداء عليه، محاولا تغيير النواميس الثابتة والحاكمة لطبيعة العلاقات بين أفراد المعسكرين، بادرته قوى كبار الملاك وذوي النفوذ بالتعذيب الذي أفضى إلى الموت، بل ووصل الأمر إلى نفي وجوده أساسا"[57].

غير أن الأمر ليس كذلك بالنسبة لمن يمتلك السلطة،  فله الحق فـي التنقل بين العالمين-المكانين متى شاء، وهو ما سيقوم به الطبيب حين ذهب إلى بيت الدبيش لاسترجاع المعونة.

إن مكان الفقراء والمعدمين مكان مستباح بالنسبة للسلطة، لكن مكان الأغنياء مقدس، محرم دوسه أو انتهاك حرماته.

إن ما يحقق لمكان الأغنياء حرمة تعلو إلى حدود التقديس أمور:

 

1)-آليات القهر والتعذيب التي تمارسه السلطة قصد تكريس نفوذ البرجوازية البيروقراطية وتحقيق مزيد من المكاسب، حيث إن البرجوازية تنظر لذاتها بشكل متضخم، وتدعي طهارتها واستقامتها واستعدادها للدفاع عن الوطن، وهي تسعى، من وراء ذلك، تعظيم الربح والمكاسب.

2)- نظرة الطبقة المعدمة لنفسها المتسمة بالدونية، يساهم في ذلك الإيمان بالغيبيات والانغماس في الممارسات الدينية، وقد ساهمت الطبقة الغنية في تكريس مثل هذه النظرة، وإشاعة مثل هذه السلوكات لأنها تخدم مصلحتها.

3)-التفكك والفردية اللذان يطبعان، غالبا، الطبقة الفقيرة،* مقابل التحالفات والارتباطات التي تميز الطبقة الغنية.**

وبناء عليه يمكن القول إن الفاصل بين المكانين محكوم بالثبات لا يجوز تجاوزه أو انتهاكه، كما أن الفئة الغنية تتميز بكل ألوان الحيطة والحذر، ولتأمين نفسها تنهج كل السبل التي تساعدها على تحقيق وتأبيد مكتسباتها بدءا بالأشكال المعنوية مثل الدين والادعاءات المرتبطة به، حتى أقصى الأشكال المادية مثل التعذيب والقتل.

فضلا عن أنها تمتلك وسيلة أخرى للضغط على الفقراء وهي إدراكها حاجتهم إلى الطعام، فتقوم باستغلال ذلك لتكريس الواقع ومواجهة أي رد فعل محتمل.

وقد امتاز كل مكان بسمات تميزه عن غيره وتطبعه بطابع خاص به، فنجد أن مكان الأغنياء يتميز بالانفتاح والعلو والسمو والفخامة، فأصحابه يتمكنون من الانتقال من مكان إلى آخر، ومن القرية إلى خارجها، هذا الانفتاح والتحرك أتاح للطبقة المسيطرة امتلاك مزيد من القوة والسلطة تقوم بتوظيفهما خدمة لمصالحها. زيادة على كون مثل هذا النوع من المكان يتيح فرصة اكتساب المعرفة وهي أداة أخرى لتحقيق التميز، أو أداة تستغل لتحقيق مزيد من المكاسب دون أن تكون أداة لتحقيق التغيير.

فالطبيب تلقى تعليمه بالمدينة باللغة الإنجليزية الأمر الذي جعله غير قادر على التواصل مع أهل القرية، كما أن رئيس مجلس القرية يطمح، عبر التملق، إلى الترقي والحصول على مناصب بالمدينة. الأمر ذاته بالنسبة للضابط الذي ينظر إلى المدينة على أنها مكان تحقيق اللذات.

أما بالنسبة لأبناء القرية من المثقفين والذين يعملون في المدينة، حتى وإن بقيت لديهم ارتباطات بالقرية فإنهم غير قادرين على فعل شيء، الأمر الذي يدفع بالبعض منهم إلى استغلال كل الفرص المتاحة للكسب؛ من ذلك المثقف الذي اقترح تحويل موت "الدبيش" إلى مشروع استثماري.

أما مكان الفقراء فإن ما يميزه هو الانغلاق والتقوقع، الأمر الذي انعكس على أصحابه، فعزلة المكان لعبت دورها في تكريس تفكير يؤمن بالغيبيات والقضاء والقدر، وبالتراتبية حيث لا يجوز ارتفاع العين على الحاجب، الأمر الذي دفع البعض منهم إلى التفكير الفردي، وتحقيق المصالح الفردية والنجاة بنفسه بعيدا عن مصالح أقرانه، ويمثل هذا الجانب شهود الزور من طبقة "الدبيش" الذين قدموا مصلحتهم الخاصة على مصلحة أخرى.

كما أن الفئة التي سعت إلى البحث عن مصير "الدبيش" قد انقسمت بدورها، حيث نجد أن هناك من فكر في ترك البلد كلها، هروبا من البطش السائد في القرية. والبعض الآخر قرر المواجهة بدل المهادنة.

إن للمكان، إذا، سطوة على أصحابه. خاصة حين يكون مغلقا حيث تسوده الغيبيات والسلوكات  الإيمانية مما ينعكس سلبا على سلوكاتهم تجاه واقعهم المر.

وللهندسة المكانية الحاضرة في النص الروائي ما يعضد ما ذهبنا إليه ويؤكده، وهو ما سنعمل على إبرازه الآن:

تتشكل السلطة في القرية من خلال حضور مجموعة من الأشكال الهندسية الدالة عليها. فهي تحضر في شكل الأعلى، وفي هذه الحالة نشير إلى تلك القوة القاهرة التي تنزل كالصاعقة على الضعاف، فلا يجدون لمقاومتها مفرا. وهي حين تحضر بهذا الشكل فإنها تستعير إحدى الأدوات الفنية التي تستعملها السينما ونقصد بذلك "اللقطات الغاطسة"، سعيا وراء إبراز ما تتميز بها القوة من قدرية وسطوة. في مقابل ذلك نجد الأفراد الذين تنزل بهم يتميزون بالضعف وانعدام الإرادة. حيث ترى أن ما يقع بها قدرا وقضاء لا مرد لهما.

وبهذا نحصل على الشكل التالي:

الأعلى : القوة

العلاقة تسلطية                    الأسفل: الضعف

كما تحضر في المركز، ونعني بذلك تشكل بؤرة الدائرة في مقابل الحواشي التي تشير إلى الهامش والضعف في آن.

وفي كلتا الحالتين فإن السلطة تقع في مركز النظر، بمعنى أن الأنظار تبقى مشدودة إليها  لا تحيد. وهي تعمل كل ما في وسعها لتبقى كذلك،  فكلما انشدت إليها الأنظار دل ذلك على مدى قدرتها وتسلطها.

والآن لننظر إلى هذه المقتطفات قصد التدليل على ما ذهبنا إليه:

1) "جلس على كرسي خيزران ومد قدميه على كرسي آخر وقف حوله العاملون بالمجلس من موظفين وسعاة وعمال وعددهم يصل إلى الثلاثين"[58]

2) "ركب الضابط البوكس واتجه إلى الضهرية انتظر حتى نـزل الطبيب من الفيلا في العاشرة."[59].

3) وقت الغروب نزل الطبيب إلى البلد ووراءه أربعة من التومرجية"[60]

4) " يوم الأحد التاسع من يونيو سنة 1974 لم يكن مثل كل الأيام الأخرى من الثامنة صباحا سمعت أصواتا تحت نافذة الفيلا. نظرت من النافذة وجـدت كتـلا بشرية"[61]

5) "الثامنة صباحا في الصيف وقت مبكر نزولي بدون إفطار أو شاي الصباح يسبب لي صداعا مستمرا أكثر من يوم. تحاملت على نفسي ونزلت، أثار ظهوري المنتظرين تجهمت، تصلب جسمي، أسرعت في سيري جلست في مكتبي"[62]

 في المقتطف الأول، يطلعنا المؤلف-السارد على وصف ساكن لرئيس القرية وهو جالس على كرسي، وقد مد قدميه على كرسي آخر، والصورة واضحة الدلالة على الارتخاء والقوة، يعضدها وقوف العاملين بالمجلس حوله. إنه في مركز أعين الموظفين، فهو في وسط الدائرة. الأطراف مشكلة من شخصيات تعمل بالمجلس، وبما أنه الرئيس فهو يوجد في الوسط. ويكون مرؤوسوه حوله مما يدل على السلطة التي يمثلها، والتبعية التي يجسدها الآخرون. وإذا التفتنا إلى العدد، نجد أن الرئيس مفرد. في حين أن العاملين كثر. إضافة إلى الاختلاف في العدد، نجد حضورا لثنائية تعمل على تحقيق البعد السلطوي للصورة يتمثل في ثنائية القعود والوقوف، فالجلوس إشارة إلى احتلال مركز مريح في حين أن الوقوف هو نوع من بذل الجهد، هذا الأمر مرتبط بالأطراف والحواشي.

إننا أمام صورة للحلقة بما يمثلها الأشخاص، الذين هم بوسطها من محورية، وأهمية لكونهم يستقطبون الأنظار، وإرسال الأنظار إلى المركز هو تهميش لغيره.

وفعل النزول كثيرا ما يرد مرتبطا بالثالوث المكون للسلطة، ويأتي المقتطف الثالث والخامس ليشيرا إلى الأمر، في حين أن المقتطف الرابع يحمل في طياته أفعالا تشير إلى أن فاعلها  يحتل مكانة عالية تمنحه قوة تملك عليه  جماع حواسه لدرجة أنه لا يرى إلا كتلا بشرية عديمة الملامح والخصوصية. مقابل "أنا" الناظر المتميز عنها لأنه يملك صفة الإنسانية. والإشارة الواردة في المقتطف تضع تمييزا بين الأنا المفرد والآخر الجمع. وهي إشارة دالة على أن السلطة لأفراد قلائل يتحكمون في مصائر مجموع لا مميزات له.

إن الاستنتاج الذي يمكن أن يتولد عن ما سبق، هو كون السلطة تحتل مكانة الأعلى لأنها تمتلك القوة؛ غير أن الأعلى هنا لا يدل على السمو والرفعة والنزوع الروحي بقدر ما يدل على الانحدار والمادية. ذلك أن هاته السـلطة جائرة تعمل على القيام بالأفعال اللاقانونية من سرقة واغتصاب وقتل للحفاظ على امتيازاتها، وهكذا نحصل على المعادلة التالية: الأعلى = الشر

في حين نجد أن الأسفل لا يدل على النزعة المادية والانحطاط، بقدر ما يدل على  السمو والنزوع الروحي والرفعة، من خلال "الغلبان" الذي يجسد كل ذلك عبر دفاعه المستميت على الحق وسعيه إلى البحث والتقصي من أجل معرفة ما جرى حقيقة للدبيش، إضافة إلى مساعدته لصدفة وأبنائها، وهكذا نحصل على المعادلة التالية:  الأسفل= الخير

إن المعادلة تنقلب في هذا العمل الروائي من خلال نظرة المؤلف-السارد الساخرة والنقدية الرامية إلى تعديل الأمور وتسويتها، حتى تستقيم الحقائق وتأخذ الأحداث طبيعتها الصحيحة.

يمكن اعتبار هذه المعادلة هي مضمر النص الروائي؛ لأننا لو اكتفينا بما يقوله ظاهره لحصلنا على معادلة عكسية: الأعلى = الخير (توزيع الطعام، مساعدة المعوزين) الأسفل = الشر (الدبيش).

إن الصراع في هذا العمل، يتجلى من خلال استغلال المكان وتوظيفه لصالح هذه الفئة أو تلك إذا ما استطاعت امتلاك القوة لا الحق.

ومن خلال التقاطب الأصلي (الأعلى/الأسفل) تنشأ لدينا طائفة من الثنائيات الإضافية المرتبطة بكل طرف على حدة، بحيث تشكل امتدادها الطبعي وتزيد في اتساعه الدلالي.

هذه التقاطبات الفرعية الناشئة تظهر من خلال:

 المكان الراقي           /        المكان الشعبي

المكان المتسع            /        المكان الضيق

المكان المفتوح           /        المكان المغلق

وارتباطا بهذه الأمكنة الناشئة تقوم تقاطبات أخرى تخص الشخصيات التي تشغلها حيث نجد الآتي:

الوظيفة الفكرية          /        "الوظيفة" اليدوية

مما ينعكس على البنية الجسدية لكل طرف:

فالوظيفة الفكرية يكون أصحابها ذوي بشرة ناعمة وأياد رطبة، في حين يكون أصحاب الوظيفة اليدوية ذوي أجساد ضامرة، ووجوه كالحة وأياد متشققة. إن أصحاب الوظائف الأولى تدل أجسامهم على النعمة، مقابل أجسام الوظائف اليدوية الجسدية الدالة على الفقر والعوز.

تجدر الإشارة، ونحن نتحدث عن الأماكن المغلقة والمفتوحة، إلى أن البيت بالنسبة لفئة الطبقة المستضعفة، ليس ركاما من الجدران والأثاث، أو فراغا باردا، بقدر ما يختزن قيم الألفة ومظاهر الحياة الحميمية الجامعة  بين الزوجين التي جعلته رحبا دافئا وجميلا؛ يقول المؤلف-السارد: "لن أتحدث عن تفاصيل العلاقة بين صدفة والدبيش لن أصف التنزه داخل حدود الغرفة الضيقة مع رجل لم تحب سواه. ضاع الدبيش وتلك أهم الحقائق"[63].

جلي أن الإشارة إلى الغرفة الضيقة إشارة إلى حدودها التي ستتسع بما سيختزنه كل طرف للطرف  الآخر من مشاعر، فالتنزه عبارة دالة على العشق المتولد لهذا المكان في إطار ما يجمع بين الزوجين من حب، إن المكان لا أهمية لمساحته إذا ما غابت مثل تلك العلاقات، وذلك ما حدث "لصدفة" لما غاب "الدبيش".

في حين نجد الفيلا التي يقطنها الطبيب، بالرغم من كبرها، وانفتاحها فإنها تختزن قيم النفاق والدسيسة والسرية.

إن الطبيب ينافق أصهاره للحصول على العيادة، ويقوم بالخيانة حين يضاجع مساعدته. وحين يجتمع مع أصدقاء العمر للتداول في أمر المعونة و"الدبيش".

إن اتساع المكان وانفتاحه في هذا العمل لا أهمية لهما، حيث إن القيم التي يختزنها تصيره  مكانا مغلقا وضيقا، ذلك أن الأسرار التي تم تداولها بين الأصدقاء الثلاثة بقيت مختزنة بالغرفة لم تبرحها، وللحفاظ على السرية لابد من إغلاق كل المنافذ حتى لا تتسرب أية معلومة. فإذا أضفنا الصفة ذاتها على مكتبة الرئيس التي تدل على الضخامة والاتساع والانفتاح، من خلال النوافذ والأبواب والهاتف، والتي عرفت أسرار ما دار بين الرئيس وزائر الليل، وصلنا إلى أن أماكن الطبقة العليا ظاهرها متسع وفخم ومنفتح، وباطنها ضيق وبئيس ومنغلق.

إن التقاطبات مكنتنا من الوقوف عند دلالات المكان والقيم التي يختزنها، ارتباطا بوظائفها داخل النص. فقد وصلنا إلى أن المكان، بالرغم من مظاهره الواضحة للعين، لا يعكس حقيقة القيم التي يختزنها، الأمر الذي يتطلب إعمال النظر والتعامل مع الإشارات والأوصاف بحذر شديد قصد بلوغ الدلالات الممكنة لا المقدمة بشكل تقريري ومباشر.

بمعنى أن هناك تأثيرا متبادلا بين الشخصية والمكان الذي تقيم فيه، وأن لا شيء، في هذا الأخير، يمكنه أن يكون ذا دلالة من دون ربطه بالإنسان الذي يعيش فيه.


 

[1] - يوسف القعيد، يحدث في مصر  الآن، دار المستقبل العربي، القاهرة، الطبعة الرابعة، سنة 1986 ص 6.

[2] -صالح سليمان عبد العظيم: دراسة سوسيولوجية لرواية "يحدث في مصر الآن" مجلة البيان، العدد 329 الكويت ديسمبر 1997، ص 79.

[3] -محمود أمين العالم، التاريخ والفن في ثلاث روايات مصرية، ضمن الرواية العربية واقع وآفاق، مؤلف جماعي دار ابن رشد، الطبعة الأولى، سنة 1981 ص 72.

[4] -محمود أمين العالم، التاريخ والفن في ثلاث روايات مصرية، مرجع سابق ص ص 72-73.

[5] -محمود أمين العالم، التاريخ والفن في ثلاث روايات مصرية، مرجع سابق ص 72

[6] -محمود أمين العالم، المرجع نفسه ص 65.

[7] -محمود أمين العالم، المرجع نفسه ص ص 77-78.

[8] -محمد برادة: تشكيل وتشخيص الواقع- التاريخ في الريح الشتوية: آفاق، السلسلة الجديدة عدد 4 دجنبر 1979، ص 23.

[9] -محمود أمين العالم، التاريخ والفن في ثلاث روايات مصرية، مرجع سابق، ص 74.

[10] -فدوى مالط- دولاس: يوسف القعيد والرواية  الجديدة، فصول، المراقبة في اللغة والآداب الجزء الثاني، المجلد الرابع، العدد الثالث، أبريل -مايو-يونيو س 1984، ص 192.

[11] -ولد محمد البشير، مظاهر التجديد في الرواية العربية المعاصرة، يوسف القعيدنموذجا رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، أداب حديث، خزانة فاس، بحث موقون تحت رقم82/71 سنة 1994-1995ص ص 201-202.

[12] -ولد محمد البشير المرجع نفسه ص 204.

[13] -ولد محمد البشير، المرجع نفسه ص 203.

[14] -ولد محمد البشير، المرجع نفسه ص 205.

[15] -ولد محمد البشير: مظاهر التجديد في الرواية العربية المعاصرة: يوسف القعيدنموذجا، مرجع سابق، ص ص 205-206.

[16] -ولد محمد البشير، مظاهر التجديد في الرواية العربية المعاصرة، يوسف القعيدنموذجا، مرجع سابق ص 206.

* -Todorov (t) Ducrot (o) Dictionnaire encyclopédique, op.cit, p 286.

[17] -الرواية ص 53.

[18] -الرواية ص 54.

[19] -الرواية ص 102.

[20] -الرواية ص 26.

[21] -الرواية ص 92.

[22] -الرواية ص 143.

[23] -الرواية ص 166.

[24] -الرواية ص 69.

[25] -محمود أمين العالم: التاريخ والفن والدلالة في ثلاث روايات مصرية، مرجع سابق ص 74.

[26] -الرواية ص ص 39-40.

[27] -الرواية ص 126.

[28] -محمود أمين العالم، التاريخ والفن والدلالة في ثلاث روايات مصرية، مرجع مذكور ، ص 68.

[29] -الرواية ص 154.

[30] -الرواية 373.

[31] -الرواية ص 169.

[32] -الرواية ص 25.

* -يمكن إدراج ما ورد في 177 ضمن التقديم الملخص حيث يعرض المؤلف، في خاتمة الرواية، جدولا زمنيا بحوادث الرواية.

[33] -الرواية ص 90.

[34] -الرواية ص 111.

[35] -الرواية ، ص 105.

[36] -الرواية ص 45.

[37] -الرواية ص ص 92-93.

[38] -الرواية ص 31.

[39] -الرواية ص 62.

[40] - حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، القضاء الزمن الشخصية، المركز الثقافي  العربي ط 1، سنة 1990 ص 25

[41] - حميد لحميداني: بنية النص السردي، من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي  العربي، ط 1، آب 1991، ص 53.

[42] - المرجع نفسه ص 53.

[43] - حسن بحراوي  مقدمة الفضاء الروائي، عمل جماعي، ترجمة عبد الرحيم حزل، إفريقيا الشرق، 2002 ص 5.

[44] -حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، مرجع سابق ص 26.

[45] -حسن بحراوي  مقدمة الفضاء الروائي، مرجع سابق ص 5

* -الحكي يقابل المفهوم الفرنسي récit  عند الباحث.

[46] -حميد لحميداني: بنية النص السردي، مرجع مذكور ، ص 62.

[47] -حميد لحميداني: بنية النص السردي، مرجع مذكور ، ص 62.

[48] -حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، مرجع مذكور ص ص 28-29.

[49] -حسن بحراوي، مقدمة مؤلف جماعي ترجمة عبد الرحيم حزل، مرجع مذكور، ص 6

[50] -حميد لحميداني: بنية النص السردي، مرجع مذكور، ص 63.

[51] -R .Bourneuf :  « l’organisation de l’espace dans le roman »

أخذا عن ج. ب كولدنسنين، مؤلف جماعي ت عبد الرحيم حزل، مرجع سابق ص 41.

[52] -حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، مرجع مذكور ص 33.

[53] - حسن بحراوي: مقدمة المؤلف الجماعي، ترجمة عبد الرحيم حزل، مرجع مذكور،  ص7.

[54] -حسن بحراوي: مقدمة المؤلف الجماعي، ترجمة عبد الرحيم حزل، مرجع مذكور،  ص7.

[55] - صالح سليمان العظيم: دراسة سوسيولوجية لرواية "يحدث في مصر الآن" مرجع سابق  ، ص 79.

[56] -صالح سليمان العظيم، دراسة سوسيولوجية لرواية "يحدث في مصر الآن" مرجع سابق ص 80.

* -ذاك ما يشير إليه الطبيب المسعف لزميله الذي أهين بالقول: "الأدهى والأمر أن يعتدي علينا أشباه الناس متخطين بذلك كل أشكال الفروق بين بني البشر " (الرواية ص 47)، أنظر ص 78.

[57] -صالح سليمان العظيم، دراسة سوسيولوجية لرواية "يحدث في مصر الآن" مرجع سابق ص 81

* -أنظر ص ص: 23 و 151.

** أنظر ص 131.

[58] -الرواية ص 27

[59] -الرواية ص 27.

[60] -الرواية ص 22.

[61] -الرواية ص 42.

[62] -الرواية ص 42.

[63] -الرواية ص 166.

   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام