د. فاروق مواسي 

هكذا تغني سهام داود

الرؤيا والإشعاع >>

 لا بد لنا أن نشير في مطلع هذه الدراسة القصيرة عن شعر سهام داود في ديوانها هكذا أغني [1]إلى ملاحظتين جديرتين بالاهتمام:

الأولى- أن الاهتمام في خارج الوطن بأدبنا أخذ يشمل جميع الأدباء ،  وليس قصرًا على فئة دون فئة، وها نحن نشهد إصدار مجموعة سهام التي أشرف عليها الإخوة محمد سليمان ومنذر عامر وسميح سمارة -  إذ جمعوا قصائد الشاعرة من مجلة الغد  وصحيفة الاتحاد لسنة  1973  .

وفي المقدمة التي كتبها (الإعلام ألفلسطيني الموحد) عهد على أن يجد الأدب الوطني مكانًا له في صفحاته المطبوعة :

"هذه الأقلام من حق أصحابها علينا أن نقدمهم إلى جماهير شعبنا ألفلسطيني وشعوبنا العربية وأصدقاء نضالها ...ذلك لأنهم النموذج لصورة ألفلسطينية مع الصهيونية ،  وانطلاقًا من هذه القناعة وهذا ألفهم كان هذا الديوان للشاعرة ألفلسطينية -  سهام داود ،  وسيكون بعده دواوين أخرى لشعراء شباب آخرين من أبناء شعبنا في الأرض المحتلة " .

                                                                                        هكذا أغني ص 9

والثانية- تتعلق بالنشر، فسهام لم ينشر لها كتاب هنا إلا بعد أن نشر لها في لبنان!!!

 

مدخل الى شعر سهام :

لعل أبرز ما يتبدى لقارئ الديوان هذه الانسيابية العفوية التي تحمل الليونة والسيولة ،  فلنقرأ نموذجًا:

مرة أخرى كأنني لم أولد بعد

أحن إلى حب قديم ........قديم

أجدله في ضفيرتي

ليثمر على خاصرتي شلال سحب

ودوالي بلا أصفاد

لو جمعوا كل الضياع  بحلمي

لو حملوا ريش بلابلي كل أجراس السلاسل

من عطشي

سأجمع كل الأنهار بحضني

وأنت........يا أنت

محترق......محترق

 وأنا هدير البحار بدمي                   (ص31)

 

وإذا كان الهدير من طبعه أن يتدفق فإن الشاعرة بأدائها المفهوم المعبر تقدم شاعرية رقراقة ،  وتحمل شحنات عاطفية متوهجه ولغة فيها طعم جديد ،  وسنشير إلى هذه اللغة في متابعة المقال.

تقول الشاعرة: " سأجمع كل الأنهار بحضني " إنها هنا لا تتحدث بمنطق أو بتسلسل واطراد تقيدها أدوات الربط في الجمل ،  بل تنداح كذلك في شعر حر "سائب على حد اصطلاح العقاد ،  ولا يعيب هذا الوصف كما توهم" . والشعر الحر(ليس بمصطلح نازك الخاطئ) قُدمت فيه تجارب رائعة ، قدمها  توفيق صائغ وجبرا إبراهيم ألفلسطينيَين ،  والماغوط السوري وغيرهم.

       هي لا تشحن شعرها شحنات فكرية على صعيد فلسفي ،  ولا تكتنز في ثنايا شعرها ثقافة عالمية ،  أو تفاعلاً مع أسطورة  أو تراثًا متعمقًا، بل هناك حشد من الصور الحدسية مقصورة على  قضيتها فالتزمت، فكانت يافا والزيتون والبرتقال والأرض حلمًا يطل على خاصرتها وفي بطاقات بريدها:    

 

 عندما ركضت إليك مسافرة بلا أشواق

نسيت أن الشرطي قد شوه

ملامحك وغير لون البرتقال

لكنني كتبت لك في رئتي

لن يأخذوا من الزيتون خضرته

فدمعتي كلون عينيك

             خضراء            (ص36)

إن هذه الانسيابية في المضمون لم  تكن تتجاوز دائرة الشعر القومي ،  فيافا في شعرها مرآة تنعكس فيها أبعاد القضية ،  حتى تصبح تكثيفًا وبلورة وصدقًا:

يقول د. نبيل راغب: [2]

"كلما استغرق العمل الأدبي في المحلية الأصلية اقترب بذلك من مجال العالمية " [3] ،  ومن هذا القول أستطيع تلمس سبب إقبال القارئ الأجنبي لشعرها.

 

ميزة ثانيـــة:

إن اللفظة التي تختارها سهام دقيقه لمعناها. فهي حريصة أن تكون على قدها ،  ولا تكون فضفاضة، هي لا تتعمد الإغراب  ولا "  تعاظل " ،  وقديمًا رأى النقاد أن الشعر الجيد هو ذلك الذي لا تستطيع فيه أن تستبدل كلمة بكلمة.

تقول سهام :

في كل جنازة أخذوا من لغتي

طبالاً وشاعرًا

ليحفر القضية في الشوارع     (ص40)

ونموذج آخر:

وجسمي الذي تجوبه الأغاني الصليبية

يافا تدفنني في مآذنها العتيقه

صنوبرة يستوطن فيها العدل والروعه

تدفنني شفقًا في الأفق

لأذوب في الأرض عصيرًا وزنبقًا    (ص97)

فهل يمكن أن تتلاعب بلفظة في مثل هذه الكتابة ؟؟

وهل نحس هنا نشازًا أو تكلفًا أو تصنعًا في الآراء؟

من هنا أصل إلى الإجابة .. علمًا أن لغتها لها طعم أو نكهة لا تتعمد البحث عن الغرابة رغم جِدتها.

يقول جبرا إبراهيم في رسالة إلى شاعر ناشئ:

 

"    كم قصيده تصح وتقوى لو اختصرها صاحبها من أربعين بيتًا إلى أربعة.

إن حذق الفنان يتجلى في مقدرته على الحذف والتركيز بقدر ما يتجلى في التوسيع والإطالة. فالأبيات كالكلمات يجب أن تكون كالدرر يضن بها الشاعر ،  ولا يعرض في نظمه إلا أجودها وأشدها بريقًا ؛ اختصر اختصر!! ولا تبق إلا على كل بيت يشع ويتقد...." .[4]

 ونستطيع نحن أن نتبين بيسر لغة التركيز التي أشار إليها جبرا  من خلال ما نقرأه نحن في  شعر سهام.

ومن الملاحظ كذلك أن الاستعارات والكنايات والتشبيهات ظاهرة ملازمة في شعرها:

 

لماذا أنام في حقيبة حبسوا

داخلها سكان يافا وجذور السنديان؟

لماذا أنام في حقيبة حبسوا داخلها

عباءة جدي وقبل حبيبي    (ص68)

هي في كفي سنابل حريه

هي في كفي رائحة ياسمينة

لم تذبل

...........

يا وجهي الممتد إلى الوادي    (ص94)

 

توزيع اللقطة:-

 وسهام شاعرة صوره تقف على مشهد ،  وتحاول أن توزع اللقطات ( اقرأ النموذج السابق) كذلك:

يا أيتها الأرض الضحيه

لك من قلبي ألف جمرة

لك من جسمي جزيرة

لكن مني طوفان كتابه      (ص88 ونماذج أخرى ص 84،91،96)

 

فلغة سهام فيها جدة بتشبيهاتها وبتوزيع مدلولها ،  فيها دقة أداء ،  وفيها انسيابية.

هذه هي السمات الرئيسيه التي تبينتها من خلال قراءتي لها. أما سماعي لشعرها فتذكرني قراءتها المنفعله بوصف كتبه الدكتور عبد الغفار مكاوي عن الشاعرة النمساوية أنجبورج باخمان:

" إن أنبل ما في تراثهم يتصل الآن على لسان هذه الشاعرة النحيلة ذات الوجه الطيب والعيون الخجولة الوديعة التي لم يشك أحد أن هذا الذي يسمعه شعر.هذه النغمة، هذه المغامرة، هذا الحزن النقي الجسور لم يشك أحد في أن هذا كله يأتي منها وحدها " [5]-  وما أصدق هذا الوصف على سهام.

                                                                                   كانون الأول/1980


[1]  -  هكذا أغنــي  ،  منشورات صلاح الدين ، القدس – 1979 .

[2]  - نبيل راغب :  المذاهب الأدبية من الكلاسيكية إلى العبثية  ، الهيئة العامة المصرية للكتاب ،- 1977 ، ص 210 .

[3]    -  لقد ترجمت أشعار سهام إلى الإنجليزية أيضًا ، وقد اختارت مؤسسة (بين) قصائد إسرائيل- 1974... وفيها ثلاث قصائد لسهام داود ،  ترجمها البروفيسو سوميخ ، بالإضافة إلى القصائد العديدة المترجمة بالعبرية وخاصة في مجلة (عيتون 77)

 

[4]  - جبرا إبراهيم جبرا – الحرية والطوفان- المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، بيروت- 1979ص136.

 

 

                         عبد الغفار مكاوي – البلد البعيد، دار الكاتب العربي، القاهرة – 1967 ص 264.

 

[5]   -

 
   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام