د. فاروق مواسي 

"شبوبيـــّة" [1] سميح القاسم في ديوانه

أحبك كما يشتهي الموت

الرؤيا والإشعاع >>

سميح القاسم يعيش القضية ألفلسطينية بكل خلجة شعورية وكل لقطة شعرية، فيترجمها إباء وعنفوانًا وانفعالاً ورفضًا. يتراوح هذا لشعر في صيغ متباينة: تقليدية تارة [2]،  وشعرًا حرًا تارة أخرى [3] ، مرة سربية  [4] لا تخضع للوزن ،  وأخرى مراوحة بين الوزن والعزوف عنه -  كما هي الحال في الديوان الذي نراجعه.

ولعل هذا العمود ألفقري (المضمون) يلبس أردية متنوعة وأجساد قصائد متباينة تعطي الشاعر إمكانات أكثر للتعبير. فلا شك أن القصيدة التي لا تخضع للوزن تستوعب تعابير سميح المنطلقة على غرار (الهوروسكوب)، (أكسيد الكربون)، (أمريكا الشمالية)، ولا شك أن القصيدة العمودية تؤطر الشاعر ضمن قوالب كلاسيكية بأغلبها ،  رغم ما يحاوله المضمون من جذبها الى لغة الواقع.

وقد أدرك القاسم أن ألفن الاشتراكي يتطلب التجديد المستمر في وسائل التعبير، وعن هذه الاتجاهات الشكلية يقول برخت:

" من السخف المطلق أن يزعم أحد أنه ليس هناك أهمية للشكل أو لتطور الشكل في مجال ألفن، فبغير إدخال تجديدات شكلية لا يمكن للأدب أن يقدم موضوعات جديدة أو وجهات نظر جديدة إلى ألفئات الجديدة من الجمهور ........

إننا نحتاج إلى وسائل جديدة للتعبير من أجل تصوير الحقائق الجديدة ".[5]

إن سميح القاسم يجذب النظر في تنوع الشكل عنده، فهو حريص على الابتكار في النماذج المعروضة والأحاسيس المجتلاة.

يقول عبد ألفتاح الديدي:

"  إذا ضاع التنوع في أعمال الأديب اختلطت النماذج واعتجنت الوحدات وصارت على هيئة رتيبة خالية من الشخصية والحياة وشبيهة بالانفصال والعدم، ويؤكد بودلير دائمًا هذه الحقيقة: وهي أن الجميل دائمًا خارق للعادة وخارج عن المألوف" .[6]

وفي ديوان القاسم الذي نعالجه ينثر سميح على العالم رماده الحار في لغة شابة مشبوبة.... قوية جنسية تبحث عن المرأة وعن الوطن.....يرود الشكل حتى إذا انقاد له وانساب كثرت الذبذبات أو التوتر بين الخضوع لمقتضيات الوزن والتحرر منه.

ونلاحظ كذلك هذه التغطية الشكلية بدءًا من أناقة الكتاب وحلته الجذابة - التي تشعرنا قليلاً بالأرستقراطية ،  في وقت يبحث فيه الكادح عن لقمة عيشه، هذه الأناقة التي تمثلت في صورة الغلاف الذهبية  ،  وفي الأوراق الشفافة الإضافية والأوراق السميكة الملونة -  من بنفسجية إلى خضراء إلى زهرية ،  فغدا الكتاب لوحة فنية قبل أن نشرع في القراءة الجوهرية.

أوليست الرهافة والتأنق من سمات الشبوبية؟؟

ومن هذه الذبذبات التي أشرنا إليها ما ينطلق من قاعدة مستقرة: يستخدم الشاعر أساليب المزاوجات اللغوية في صنعة فنية. فمن التبادل اللفظي:

شبابك شيء وشيء شبابي  ( ص 100 )

و

يدك بين يدي

ويدي بين يديك        ( ص 26 )

و

يراك في كل شيء

                         يرى كل شيء فيك             (ص94)

وهذه النماذج  تلقي أضواء على صورة التقطتها آلة التصوير من موقعين مختلفين. إنه نوع من اللعب. ومنه التكافؤ في طباق بلاغي [7] يقول سميح:

خاتمة

  لا خاتمة                            (ص104)

و

وأعلم أنك

  لا لا أعلم                           (ص114)

و

كأنك كنت دائمًا

كأنك لم تكوني أبدًا                    (ص30)

و

أكون في الدنيا

  ولا أكون فيها                         (ص45)

وإلغاء المعنى يثريه ويكثفه بقدر ما يوحي إلى تردد في الموقف ثم اندفاع.

وإذا كان المتنبي يقول:

تمرست بالآفات حتى تركتها

                          تقول أمات الموت أم ذعر الذعر ؟  [8]

مستعملا المجاز العقلي في عجز بيته فإن هذا التتابع اللفظي يستعمله سميح بصورة جديدة واستمرارية:

وفي الماء مائي

 أغرق في الحزن حزني                          (ص101)

و

تخطينا المعجزة في المعجزة                        (ص35)

فهذه الصورة مضاعفة للحزن ومبالغة لمعاناته. كما نلاحظ أسلوب التناقض الذي عابه نقاد الشعر القديم  [9]،  ولكنه عند سميح ينمّي المعنى في رأيي:

تفاحتي الجمره

   الحلوة المره                             (ص109)

و

أنت الجرح وأنت البلسم                     (ص113)

و

وأنا أجهل وأنا أعلم                       (ص114)

ومن هذه الأمثلة لاحظنا أن الشاعر تعمد القبض على التناقض الذي أشارت إليه خالدة سعيد: "القبض على التناقض هو الهجوم على المستقر الراكد، خرق للعادة، هذه هي لغة السلب، وهذا ما يستنبط الحي الدينامي ويسقط المستنفد.

هذا الحي الجديد ليس مجرد تنويع على القديم بل هو معارضة له ،  أو عليه، لكن هذا لا يعني أن المتولد الجديد لم يكن كامنًا في القديم في حالة إمكان ".[10]

وخلاصة القول عندها إن المجددين هم الذين يهبون للتراث الحركة والحيوية لا أولئك الذين يكررون ويقلدون ويحنطون. وإذا كان الشاعر قد تعمد أو اعتمد التلاعب اللفظي بصورة جديدة موحية فإنه  يشبع بعض قصائده حركة.... ولنقرأ معًا:

بين يديك ولدت وبين يديك نشأت وبين يديك ُقتلت وعدت بُعثت وعشت ورحت وجئت وكنت وصرت وخفت وثرت. وبين يديك قرأت... (ص102)

وتتسارع الأفعال بين يديه، تتطور تتهيج حتى تصل إلى ذروة صوفية (إكستازا) يسقط بها لفظتي (وبين)، (يديك).

إنه مرة أخرى نوع من اللعب يفرض عليك المشاركة. وهاك قصيدة حركة أخرى:

وكان هناك فنار               يشع ويخبو

 زمانًا وراء زمان            يشع ويخبو وراء زمان

    يشع ويخبو

   لعل شراعًا يلوح

   لعل دخانًا يلوح

   لعل دخانًا يصيح

  هو الشط

 شكرا فنار الأمان

 وظل يشع ويخبو

 وما من شراع وما من دخان                             (ص 84)

ثم يتحول ألفعل (يشع) إلى (يدق) وكأن الشاعر (مايسترو) أو موزع موسيقي يلزمك أن تشاركه ، وتتخيل الإضاءة والانطفاء ...وكأنك مكلف بالإشراف على الإضاءة.

وثمة مسؤولية شكلية تقع على مخرج هذا الكتاب الأنيق. ففي صفحة (23) يقول الشاعر:

ساعات ألفجر الأولى

  زرق

 العندليب الأول على شجرة الليمون الزرقا

  أزرق

 أنهار العالم تلتف على عنقي الأزرق

 أنشوطة زرقاء زرقاء

 جفون عيني

 زرقاء زرقاء

 أتلاشى في الزرقة

 أتلاشى

 لم أعد أعرف لون عينيك

والعتاب لأن المخرج جعل الصفحة السميكة المقابلة لها صفحة بنفسجية، وكان حريًا به من الناحية الجمالية إن يجعلها زرقاء تماثلاً مع الجو.

وفي توزيع فقرات القصيدتين (أبجدية العمر) (ص32) و (تلاوات من آي الحب) (ص41) قسم الشاعر حروف لفظة (ميلادي) ليكون كل حرف عنوانًا لفقرة ،  فجعلها في القصيدة الأولى على هذا الترتيب: م ي لا د ي

وفي القصيدة الثانية جعلها: م ي ل ا  د ي  ، ولم يكن ثمة سبب مقنع لهذا التقسيم -  اللهم إلا ما أملاه عدد ألفقرات، فبدلاً من أن يستعمل الشاعر الترقيم في التقسيم أكد على ميلاده وبعثه، ومن الغريب أن تكون فقرة (لا)- الموجبة لمعنى الرفض – تشبثًا بالحبيبة:

بين ألفجر والفجر نكون وحدنا

 يكون معنا خفرك الملائكي إزاء جرأتي

 يكون معنا العالم

 ونكون وحدنا

إذًا هذا هو الحب

إن الجنس من سمات (الشبوبية) ،  لذا فليس عجيبًا أن نرى بروز المراهقة والحب مع أكثر من امرأة ، حتى مع امرأة لم يتعارف وإياها بعد، تبدأ علاقته بها:

 هل هذا المقعد خال يا سيدتي                        (ص115)

وينتهي:

ليلتنا كانت رائعة

لكن معذرة ما اسمك

لم نتعارف بعد

تذكرني هذه القصيدة بقصيدة صلاح عبد الصبور (أغنية من فيينا) -  يقول صلاح فيها:

 

تشابكت أكفنا واعتنقت

أصابع اليدين

في قبلة بليلة منهومة

تفرقت خطواتنا وانكفأت

على السلالم القديمة

ثم نزلنا الطريق واجمين

...........................

وحين شارفنا ذرى الميدان

غمغمت بدون صوت

كأنها تسألني من أنت  [11]

لكن سميحًا يجعلها هي التي تسأل (من أنت ؟ ) بدون (كأن) ،  فسميح كما قلنا فيه (شبوبية) وحرارة. ونختم هذه المراجعة بقصيدة له تبين مدى الالتصاق واللعب عند شاعرنا:

لو كنت شجرة

 سأكون عندليبا يعيش بين أغصانك

لو كنت شجرة

 ستكونين فاكهتي الوحيدة

 لو كنت كهفا

سأكون راعيًا مبللاً بالمطر يلوذ بك

 لو كنت كهفًا

ستكون الصدى الأبدي بين جنباتي                (ص81)

 


 

[1]  -  اخترت (الشبوبية) هذه اللفظة العامية لما لها من طاقة إيحائية ،  فهي تعني الشباب والشبوب -  أي ألفتوة والاندفاع ،  كما تحمل معنى الحيوية والحركة والجنس.

أحبك كما يشتهي الموت ، منشورات مكتبة ومطبعة ابو رحمون – عكا - 1980.

 [2]  -      انظر مثلا (الحماسة) لسميح القاسم - . دار الأسوار.

 [3]  -    انظر مثلاً ديوانه الموت والياسمين

[4]   -    انظر مثلا سربيته إلهي إلهي لماذا قتلتني!

50 - أرنست فيشر: الاشتراكية والفن ،  كتاب الهلال – 1966 ،  ص 169

 [6]   -    عبد ألفتاح الديدي: الخيال الحركي في الأدب النقدي، دار المعرفة، القاهرة- 1965 ص 17.

 [7]  -  عن التكافؤ : انظر كتاب قدامة بن جعفر: نقد الشعر، مكتبة الخانجي – 1963 ص 163.

 53 - ديوان المتنبي  ج 2  ، شرح البرقوقي، دار الكاتب، بيروت. انظر شرح البيت ص 252.

[9]  -   انظر مثلاً قدامة بن جعفر  نقد الشعر  ، ص 232 .

 55 -   خالدة سعيد: حركية الإبداع، دار العودة- بيروت- 1979. ص 14.

 [11]  -  ديوان صلاح عبد الصبور (المجموعة الكاملة) المجلد الاول، دار العودة- 1972 ص 213 ؛ وانظر الدراسة الرائعة التي كتبها عن هذه القصيدة الناقد الدكتور محمد النويهي في كتابه قضية الشعر الجديد  ، ص145.

 

مواقع ذات صلة  :   *   موقع د. فاروق مواسي       

   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام