د. فاروق مواسي 

حول مقال لنزار قباني

شيوع الأدب لا يعني جودته

الرؤيا والإشعاع >>

أنا من عشاق نثر نزار قباني لما فيه من موسيقية وحيوية ،  وأنا من المعجبين بفكر نزار لما فيه من ثقافة وإنسانية ..... ولكني هنا أخالف نزارًا..... واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.

كتب نزار " صباح الخير أيها الشعر" -  مقالة نقلتها (الحصاد) (العدد 27) يُظهر فيه تشفيه من بعض الشعراء الذين لم تلاق كتبهم رواجًا في معرض الكتاب العربي ، حيث  أقيم في بيروت نهاية العام المنصرم.

ومسألة ذيوع الكتاب وسعة انتشاره مسألة فيها نظر...

 ومن كنزار لا يعي كيف توزع مجلة (الموعد) مقابل الأعداد اليسيرة التي كانت توزعها (الآداب) بشق الأنفس!؟

ومن كنزار يعي كيف يخدر جمهورنا ودهماؤنا بقراءة الكتاب التافه الرخيص السطحي ، وكيف تذاع القصص البوليسية ..... بينما لا يكاد يعرف القصيمي وطرابيشي والعالم والنويهي والشمعة وأضربهم.

ولو عرضنا الفلسفة على قرائنا لما وجدنا إلا الصفوة تقبل على هضمها، ومتى كان الكم دليلاً على الكيف؟ ورحمة علي أبي حيان التوحيدي! .

إني لعلى يقين أن ثمة تفاوتًا في أذهان المستمعين أو المتلقين ،  فمنهم من يستملح الحكمة المجترة ، ومنهم من يبحث عن الجدة والطرافة.... منهم من يبحث عن الحيل والتلاعب اللفظي والمحسنات ، ومنهم من تستهويه الفكرة عينها، منهم من يفهم من أول قراءة -  بل يقرأ ما بين السطور ،  ومنهم من لا يفهم حتى ولو قتلت ما تعرضه عليه شرحًا وتأويلا.

فأي (ناس) يعني نزار إذ يكتب:

"لقد آن لهؤلاء أن يتعلموا أن الشعر هو كائن يعيش مع الناس ،  وفي الناس ، ويبدأ وينتهي بالناس".

خذ لزومية من المعري واعرضها ،  فستجد قلة يسيرة تدرك أبعادها، والعزوف عنها لا يعني إطلاقًا أنها ضعيفة، وهذا ينطبق على كثير من الشعر الغربي وعلى بعض شعرنا الغامض الذي ينطلق من رصيد ثقافي غني ،  ولا اعني هنا المبهم المستغلق- على الجادين- الذي لا يوحي ولا يشي بشيء.

إن الأفكار كالإنسان.... فكم من رجل فيه عمق ودراية لا يجد قبولاً في مجتمعه، ومن كالأدباء والفنانين يحسون بذلك؟ فهل نحكم على هذا الرجل بالعدم؟ وهل (الشعبية) أوصلت بسذاجتها الى إبداع؟

أرجو ألا يفهم من رأيي أنني أدعو إلى الترفع ، وإنما هي جدلية موقف، وذلك أن تحس إحساسات الشعب وتخرج عنه من خلال محافظة على فرادة وذاتية ،  لتعود بالتالي إلى هذا الشعب، فمنه خلقت وإليه تعود.

يقول شاعرنا الكبير المتنبي: إن النفيس غريب حينما كانا، ولقد شكا أبو الطيب سوق الكساد إذ قال:

وشغل النفس عن طلب المعالي

                                 ببيع الشعر في سوق الكساد

ولا ريب أن آلاف الأصناف من الجواهر لا يقدرها الجاهل بها- إلا إذا غره اللألاء اتفاقًا، ومأساتنا أن فينا كثيرين ممن ينصبون أنفسهم قضاة للحكم في كل ميدان.

لي صديق يخوض في كل بحث مع الخائضين ،  وكأنه العالم العلامة يحكي أكثر مما يقرأ أو يسمع، أشرت عليه أن يدرس ويقرأ ويتخصص ،  وبعدها ينقد في مجال اختصاصه ،  وقصصت عليه قصة المثّال الذي اختبأ وراء تمثاله ليستمع إلى ملاحظات المارة.... فلاحظ أحدهم- وكان إسكافًا- ملاحظة تتعلق بالحذاء ، فقبل الفنان نقده شاكرًا، ولكن هذا لم يكتف ،  بل أخذ ينقد ما ليس في دائرة معرفته ....وبالطبع فإن الفنان ضرب عنه صفحًا، لكن صديقي تولى ،  واخذ يصعّر خده ، ويدلي دلوه  في كل بئر ..... فهو الحكم الفيصل على الشعر والشعراء ،  وهو الذي يعرف أصول الرسم ، ويعطي العلامات لبيكاسو، وهو الذي لا تعجبه طريقة التوزيع الموسيقي أو الهارموني عند باخ ، وهو الذي يحدثنا عن التمثيل والتماثيل (فما شاء الله.....!!)

 ما أكثر أمثال صاحبنا وخاصة في ميدان الشعر، هذا الميدان (المسكين) الذي يصول ويجول فيه  كل من ينطق العربية ،  فإن حفظ  شخص بضعة أبيات أخذ يساجل فيها ،  ويرددها كالببغاء ،  بل طالب الشعراء الجدد أن ينسجوا على منوالها بلحمتها وسَداها.... ليس من سبب اللهم إلا لأن المادة المخزونة تتطلب أحاسيس موافقة مدغدغة.... وإذا كان بحر الرجز حمار الشعراء فالشعر يريدونه حمارًا لهم.

إن نزارًا يدرك حق الإدراك أن ذيوع القصيدة عنده وانتشار كتبه لا ينفي كونه شاعرًا مبدعًا وأصيلاً ، كما أن ذيوع شعر غيره لا يعني إطلاقا أنه أفضل مما خيمت على كتبهم العناكب، فليس بالضرورة أن يكون قرار وحكم.

فليقرأ كل منا ما يستحب ،  وليعجب بمن يعجب ، فليست الشعبية والسوقية من علامات الخير، وليست الانعزالية والكساد بالضرورة ظاهرة إيجابية، إنها أمور متداخلة لا يمكن تقويمها إلا في ضوء دراسة منهجية أصولية.

وإذا كان نزار حزينًا لما أصاب الشعر الكاسد من مذلة وانكسار وشرشحة فإنني حزين لأن شاعرًا كبيرًا يؤمن بالاستفتاءات الثقافية ،  ولأن شاعرًا كبيرًا يناقش شعر الغثيان من خلال كساده ....وهذه حجة واهية لا تقف على أرض صلبة.......

حزيران- 1980

 

 
   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام