د. فاروق مواسي 

قصائد سياسية – قصائد غنائية

لفدوى طوقان [1]

الرؤيا والإشعاع >>

(عندما كنت تغنين رأيت الشرفات

تهجر الجدران والساحة ترتد إلى حضن الجبل

لم نكن نسمع موسيقا ولا نبصر لون الكلمات

كان في الغرفة مليون يطل)

                                                  محمود درويش

أنت ارتويت فعاطينا سلافته

                 يا ربة الهبتين الحب والألم

                                                         سلمى الجيوسي

 .................

كتابة الدراسة عن شاعر مرموق تتطلب مراجعة ما كُتب عنه ، حتى يكون الناقد على بـّينة ونور، وكم بالحري عن شاعرة القضية وأخت شاعرها. لذا ليس بدعًا أن نرى تباين وجهات النظر عن شعرها ما دامت الكتابة وفيرة عنه.[2]

أمامي الآن ديوانها السابع  (قصائد سياسية) [3] ولو استعرضنا أسماء الدواوين السابقة لوجدنا العبارة الموحية - الأمر الذي لا نجده في اسم هذا الديوان ،  فكأن العنوان ليس فيه البوح والإيقاع والغناء ، وإنما هو بيان سياسي مباشر.

إن شاعرتنا في الدواوين الأولى حلقت في أجواء الطبيعة ،  وهامت في الحب ، ووصلت دائرة التجديف ، حتى حطت على أرض الوطن ، فإذا بها تسرد لنا لوحات شعرية قصصية -  بدأت جذورها بقصيدة " نداء الأرض" [4] ،  وأخذت تتطور إلى شبه حكاية:

نأخذ أغنياتنا

من قبلك المعذب المصهور

وتحت غمرة القتام والديجور

نعجنها بالنور والبخور

والحب والنذور

ننفخ فيها قوة الإنسان والصخور

ثم نردها لقلبك النقي

نردها لقلبك الماسي

يا شعبنا المكافح الصبور

                                                     (مقدمة الديوان)

فهذه اللوحة قصصية غنائية خطابية، وإذا نظرنا إلى طابع القصائد عامة فإننا نجد الشاعرة تتوقف قليلاً على صورة معينة تكررها ،  أو ترسمها ثانية، تسترسل وتتواصل،  ولوحتها لها مقدمة ،  وفيها حواريات( مونولوجات وديالوجات) ، وهي لا تجعل العقدة بؤرة مركزه -  فهي منساحة منداحة تختتمها بتفاؤل وإيمان.

ففي قصيدة " رسالة إلى صديق غريب "  [5] ص( 4) -  تبدأ الشاعرة :

وصلتني منك اليوم  رسالـــه

فيها نبض فيها شعر

ترجع لي ذكرى الزمن الضائع من أيام العمر

تنسيني هذا الزمن التائه زمن القهر

..................

ثم تحدثنا الشاعرة عن يوم السبت ،  إذ يصبح لبلدها شمــيم لا يطاق ،  وذلك إثر هجوم الخوذات العسكرية، وتواصل سردها الشعري.... حتى تصل إلى النهاية المتفائلة:

فيطل من الأفق لنائي

نجم يغزل خيطان الضوء

ويضحك عبر ألفلوات

فاللوحة القصصية في قصائدها [6] واضحة المعالم والخطوط ولا تجريد فيها؛  ويكتب الدكتور محمد غنيمي هلال في هذا الصدد :

" ولا من عجب أن يحتوي الشعر على عنصر قصصي يتخذه الشاعر مجالا لتجربته ، وهو فيه أبعد من يكون عن الخضوع لقواعد القصة في مفهومها الحديث "[7] ، وهذا السرد الشعري مشبع بالغنائية ،  وهي تعبر به عن انفعال الشاعر إزاء الأحداث أكثر من كونها مجرد  كلمة تنطبق على كل شعر غير ملحمي أو تمثيلي  .

يقول الدكتور مجدي وهبه:

 " إن الغنائية تستميل النفوس من حيث ألفكرة التي تخاطب العقل والشعور الذي يناجي القلب وموسيقا الشعر التي تتردد في الأذن والصورة الشعرية التي تمثل في الخيال....... وللغنائية وسيلتا تعبير:   الوسيلة الاعترافية التي تنقل المشاعر الذاتية إلى القارئ، والوسيلة الخطابية التي تعبر عن مشاعر عامة -  كالتغني بحب الوطن أو التأمل في الموت والطبيعة والقدر". [8]

وهذه الأوصاف تصدق كثيرًا على شعر فدوى. ففي اللوحة الغنائية نجد إيقاع الترابط [9] وإيقاع التكرار [10] ، والإيقاع أصلاً يتموج في هبوط وصعود حتى  يصل إلى التفاؤل ،  وكأنه الشاطئ للنورس، ولا شك أن النقاد فطنوا إلى الملامح الرومانسية بدون استثناء ...... وأنا أضيف:

إن المادة قد تؤدي أحيانًا دورين كما في لفظة (قمر) ، ففي حين تحن الشاعرة إلى عودة القمر، وذلك بعد ظلمة الاحتلال – " لم يعد ضوء القمر منسجما ببساتين الزهر "  و   "  نحر الليل القمر " ( ص 87 )  ،  والدور الآخر أن الشاعرة تتمنى أن يغيب القمر:

                                   لو أن القمر

                                   يعود إلى كهفه في الجبال ويرخي الستر

                                   أخاف الضياء يشي يا حبيبي بنا

                                   فإن كلاب الطراد على دربنا

                                   تجن إذا برقت في الظلام نصال القمر  ( ص 104 )

إذاً فالقمر في اختفائه وظهوره مأخوذ عند الشاعرة رمزًا لقضيتها. ومنتهى الحوراني التي قتلت في يوم ليس كالأيام كانت:

تعلق أقمار أفراحها في السماء الكبيره

بيد أن الشاعرة في وقت آخر تسأل:

وأنا في زحمة هذا الويل

يا قمري كيف وصل إلي   ( ص 30 )

فالقمر حبيب لشاعرة في أرض الوطن يتردد عندها بصورة ملموسة ومتغايرة، ثم تعود الشاعرة لتؤكد أن القمر رمز لعودة الحياة الجميلة:

وأن القمر وإن ضل عني

سيعرف نحوي طريقه  ( ص 62 )

وإذا كان (القمر) من ألفاظ الرومانسية فإن لفظة أخرى (الطير) تتردد كذلك بصورة ظاهرة وفي دورين:

طير سنين القحط  ( ص 17 )

 

يا طير البحر الطالع من قاع الديجور

بشرك الله بكل الخير    ( ص 46 )

............................

 

إنها تكتب اللوحات بكل موسيقية الشعر الحر. تختار اللفظة الأصولية ،  وقلما وردت كلمه جديدة خارجه عن القاموس الكلاسيكي، وإذا وردت فإنها ليست نابية:

والزمن المبتور الساقين المتسربل  بالكاكي     ( ص 75 )

 

ونصف مزنجرة تعبر السوق أفسح فيه مكانا  ( ص 64 )

 

وبرغم هذه المحافظة الأصولية على اللغة فإن الشاعرة تخطئ إذا تؤنث لغة (الرأس) أسوة بكثير من كتاب مصر الذين يتأثرون بلهجتهم العامية المصرية تقول فدوى:

رأسك الشامخة  ( ص 14 )

أو في مكان آخر:

 

أحسو القهوة علي أوقظ هذي الرأس المخموره    

 

كما تقول الشاعرة (يتوجب علينا) ، والأصح يجب كما لا يخفى عليها.

وثمة ملاحظة شكلية أخرى ،  ولكنها هامة:

إن الديوان لم يصدر له فهرست   [11] كما لم يكن هناك نقل أمين لما ورد في أصل القصائد المنشورة في الليل والفرسان و على قمة الدنيا وحيدًا – ديوانَي الشاعرة.

وعلى سبيل المثال نشر في الليل والفرسان قصيدة (خمس أغنيات للفدائيين) [12] ،  وقد نقلت القصائد الخمس في الديوان الذي بين أيدينا ،  بل توزعت في الكتاب من غير إشارة إلى الإهداء. كما أن قصيدة " إلى الوجه الذي ضاع في التيه "  لم يشر إلى أنها مهداة إلى j  ، كما رأينا في الليل والفرسان.

..............................

ومجمل القول إن الشاعرة تقدم لوحات شعرية بسرد قصصي غنائي فيه إيقاع الترابط والتكرار ، وخطوط هذه اللوحة ألفاظ رومانسية.... كالقمر والطير والزهر. وتظل عبارتها كلاسيكية تحمل شحنات موسيقية. 

ويحوي الكتاب سبع قصائد كانت قد نشرت في ديوانها(على قمة الدنيا وحيدًا)، دار الآداب، بيروت – 1973. وقد أضيفت ثماني قصائد جديدة  نشرت أغلبها في الصحف المحلية.

 35 -   من المواد الجديرة بالقراءة كتاب (فدوى طوقان والشعر الأردني المعاصر) بقلم شاكر النابلسي ،  وفيه تركيز على الحب في شعرها ،  ويظهرها المؤلف رومانسية حالمة ،  ويقسو عليها متهمًا إياها بالتقريرية والسطحية ،  كما يركز من جهة أخرى على بعض قصائدها المبدعة.

ومن المقالات دراسة للبروفيسور سوميخ نشرت في مجلة (كيشت) العبرية (ربيع – 1970) ص 122 ، وعنوان الدراسة (قلب امرأة من الشرق ) ، وفيه يشير إلى رومانسيتها ،  والى اتخاذها الطبيعة ملجأ للهروب ، وإلى أن الشعر الوطني عندها كثيرًا ما يكون غريبًا على شعرها ( ؟ )  ، وليس وراء أشعارها دلالة هامشية ،  بل فيه سذاجة.

ومقال للدكتور عبد اللطيف عقل (فدوى طوقان والجدران الثلاثة) نشر في الشرق (حزيران- 1972) ص 69 ،  وفيه تركيز على العناصر الثلاثة الرئيسية في شعرها: الحب والفن والموت.

و مقال لأمطانيوس ميخائيل نشر ضمن كتابه (دراسات في الشعر العربي الحديث) ص 288 ، وفيه تركيز على الأسى والهرب والحب والموت.

و مقال محمد جواد النوري (جريدة القدس عدد 24/12/1978) عن ديوان (على قمة الدنيا وحيدا) ، و يعمد الكاتب إلى تميز الشاعرة في معجم شعري ،  وإلى غموض الصور وتراسل الحواس لتجسيد المعنى.

[1]  -   فدوى طوقان: قصائد سياسية، دارالأسوار، عكا – 1980. 

  [3]  -       ديوان وجدتها، دار الآداب، 1962 ص 5 ، وهي تحكي قصة لاجئ يحن إلى أرضه ،  فيقرر بعد سبع سنوات من العذاب أن يتخطى الحدود ،  فيعانق أشجاره ،  ويقتل.

[4]   -     من الطريف أن اذكر أن قصيدة أخرى لها بعنوان ( رسالة إلى صديق غريب) نشرت في الليل والفرسان، ص 14 ، وفيها مضمون مختلف عن (رسالة الى صديق غريب) المنشورة في (قصائد سياسية) ، ويبدو لي هنا  مدى  التركيز على الاغتراب أو الاستلاب عند الشاعرة .

 [5]   -     انظر مثلا: "ذهب الذين نحبهم" (ص8) ،  " حمزة"  (ص78)،  " نبوءة العرافة"  (ص97).

[6]  -     انظر هلال ،  محمد غنيمي، دراسات ونماذج في مذاهب الشعر ونقده، دار نهضة مصر ص 59.

 [7]   -  وهبه مجدي، معجم المصطلحات الأدبية ،  ص 297.

[8]  -  انظر مثلا قصيدة "  إيتان" ص 74 ، وفيها جريان الترابط أو التواصل المستمر.

[9]  -     تكرار الصوت الداخلي مثلا في "حاذري أخوتك السبعة" (ص98) وتكرار بعض العبارات الشعرية ص 19،26، 64.

[10]  -      هذه ملاحظة تنطبق على كثير من الدواوين التي أصدرتها (دار الأسوار).

[11]   - القصائد الخمس منشورة في قصائد سياسية ص5، 53، 55، 57، 59، هي في الأصل"كفاني أظل بحضنها".

 

مواقع ذات صلة  :   *   موقع د. فاروق مواسي       

   اكتبوا لنا   شروط الاستخدام